الرئيسية » مقالات » الأسس الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية في الشرق الأوسط*

الأسس الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية في الشرق الأوسط*

* كاتب المقالة: الباحث العربي- شارل عيساوي، مجلة شؤون دولية، لندن، ك2/ ديسمبر1956
ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
مراجعة: د. حسن عبدالله بدر

أصبح معروفاً أن صيغة الحكومة البرلمانية- الديمقراطية(1) فشلت في أداء وظيفتها بصورة مرضية في الشرق الأوسط. فالانقلابات التي حدثت في السنوات القليلة الماضية دلّت بوضوح على عدم رضا بلدان عدة على حكوماتها البرلمانية وان الجيش قد تسلّم السلطة في اكثر من بلد واحد.

لقد تم إرجاع فشل الديمقراطية في الشرق الأوسط إلى أسباب متنوعة جداً، مع أنها ليست غير منسجمة مع بعضها بالضرورة. إن أحد التفسيرات المتداولة في الغرب لهذا الفشل، هو أن الديمقراطية غرسة بطيئة النمو، تطورت في الغرب بصفة تدريجية عِبر قرون عديدة، وفي ظل مناخ ملائم توفر لها في أوربا وأمريكا الشمالية، وليس من المتوقع ازدهارها عند نقل هذه الغرسة إلى تربة شرقية معادية. هذه التربة التي لم تولد منذ فجر التاريخ سوى الطغيان والاستبداد. إن غياب القيم والتقاليد الديمقراطية تاريخياً، وغياب المواقف التي تفضل الديمقراطية، كانت أحد الأوجه التي صاحبت حركة الشرق ولفتتْ انتباه الأوربيين في القرن التاسع عشر. ولم يُعبِّر أحد عن هذه الصورة افضل من اللورد كرومر عندما كتب: علينا أن لا نتصور لحظة واحدة أن الفكرة البسيطة جداً لحكم الطغيان ستكون مستعدة لفسح الطريق أمام مفهوم الحرية المنظمة، الأكثر تعقيداً.(2)

وفي منطقة الشرق الأوسط ذاتها، فإن التفسير الأكثر شيوعاً، يضع مسؤولية الفشل على عاتق العوامل السياسية الخارجية كمعوقات لعدم ازدهار الديمقراطية. ويبين هذا الموقف عنوان كتاب شوستر: خنق دولة فارس (ص27) Strangling of Persia Morgan Shuster,.(3) وهنا ثمة مناقشة مفحمة تشير إلى تعذر إمكانية تطور ديمقراطية حقيقية في: مصر, العراق، الأردن، لبنان، سوريا، طالما أن الجيوش المحتلة لبريطانيا وفرنسا تشكل العامل المقرر لكافة القضايا السياسية. وما دامت العلاقات بالسلطة الأجنبية تشغل بال السكان، إن لم نقل تستحوذ عليهم. أما البلدان التي لم تتعرض للاحتلال مثل تركيا وإيران، فلم يكن وضعها أفضل، لأِن كلاً منهما عاش في ظل الخوف من قوتين كبيرتين محتلتين متجاورتين لهما. وأن احدى القوتين أو الأخرى قامت بمحاولات متكررة، غالباً ما كانت ناجحة، للسيطرة عليهما.
ثمة تفسير ثالث يسود كلاً من الغرب والشرق الأوسط، يذهب إلى أن الشرق أوسطيين، باستثناء تركيا، عاجزين، بسبب فرديتهم المفرطة، عن تحقيق درجة مطلوبة وضرورية من التعاون المشترك لنجاح مهمة الديمقراطية. فمن الملاحظ أن الشرق أوسطيين لديهم ولاء عميق لوحدات اجتماعية صغيرة معروفة مثل العائلة، الفخذ، العشيرة- القبيلة أو طائفة دينية. ولكنهم غير قادرين، كما يبدو، على تجاوز تلك المجموعات الصغيرة والانتقال والتعاطف في ولائهم مع كيانات اكبر، مثلاً مدينة- دولة- شعب، بما يتطلبه هذا التعاون من جهد ملائم وشعور بالمسؤولية بإخضاع النزعات الفردية الأنانية لصالح هدف عام مشترك. بكلمات أخرى، أن الإرادة المشتركة، الهادفة إلى الصالح العام، تبدو غائبة، وبغيابها يضيع أي أمل لتفعيل الديمقراطية. وربما أن افضل تصوير لهذا الوضع هو ما عبَّر عنه ابن خلدون- عالم الاجتماع الأكثر شهرة- الذي درس المنطقة أيضاً بقوله: كل عربي يعتبر نفسه جديراً بالحكم، ومن النادر إيجاد أي فرد يفضل الآخر على نفسه، عدا أن يكون الأب، الأخ، رئيس العشيرة. وحتى في هذه الحالة فهو يفعل ذلك متذمراً ومتخوفاً من كلام الناس(4).
يتضمن كل من الآراء الثلاثة المذكورة بالتأكيد قدراً كبيراً من الحقيقة. وعند أخذها في الاعتبار معاً، فهي تقدم تفسيراً كافياً لنواقص الديمقراطية في الشرق الأوسط. ومع ذلك يظهر من المناسب لفت الانتباه إلى مجموعة أخرى من العوامل، كان لها أيضاً تأثيرها العميق، متمثلة بالعوامل الاجتماعية (السيسولوجية). وباختصار، وحسب قناعة كاتب المقالة، فإن الديمقراطية لن تنتعش في الشرق الأوسط حالياً(5)، لأِن الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلبها الديمقراطية غير قائمة بعد. وهذه الأسس تتضمن الجوانب التالية: حجم الإقليم والسكان، مستوى التنمية الاقتصادية، توزيع الثروة، التصنيع، التجانس اللغوي والديني، درجة التعليم، وقيم المشاركة التعاونية. وفي هذه الورقة، سيتم تبني الخصائص الاقتصادية والاجتماعية المشتركة التي تجسد تطبيقاً ناجحاً لمسيرة الديمقراطية في الدول المتقدمة(6)، كمعايير yardsticks لقياس مدى تطور التنمية في دول الشرق الأوسط.
ومن الضروري طرح فرضية رئيسة واضحة من شأنها أن تضع الأساس للمناقشة التالية: لكي تتطور المؤسسات الديمقراطية، وتزدهر القيم الديمقراطية، لا بد من توفر شرطين ضروريين: أن يسود تكافل اجتماعي social solidarity قوي، وفي نفس الوقت أن يضم المجتمع تنوع diversity كاف لتوليد التفاعل (التوتر) tension بين مكوناته. ففي غياب التكافل، فإن المجتمع يقع تحت تهديد الانحلال disintegration وتصبح الحكومة الديمقراطية ضعيفة جداً للامساك بهذه الأجزاء مع بعضها، ويبرز اتجاه متين لظهور حكومة قوية مستبدة. من جهة أخرى، ما لم يتواجد تنوع وتفاعل باتجاه صدام الأفكار والمصالح لمختلف المجموعات، فليس من المحتمل إنشاء رقابة فعالة effective check على سلطة الحكومة.
في أوربا الغربية خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، وفي مجتمعات ما وراء البحار التي انطلقت sprang منها، فإن القوة الصلدة تجسدت في فكرة “الوطنية” nationalism. هذه الفكرة التي أخذت تنتشر بشكل واضح ولا زالت قوية، أصبحت حاضرة في الوجدان منذ القرون الوسطى، رغم أنها لم تصبح فكرة واضحة إلا حديثاً ولم تتقو إلا في فترة اكثر حداثة. فالتوترات تولدت أولاً عن الاختلافات الدينية التي أعقبت حركة الإصلاح الديني (البروتسستانتي) في القرن السادس عشر، وثانياً عن التناقضات الاقتصادية والاجتماعية، حيث ولّدت التطورات التجارية أولاً ثم التطورات الصناعية، طبقات اجتماعية جديدة تحدّتْ الطبقة القديمة من الارستقراطيين النبلاء ملاك الأرض.
حجم السكان والاقليم
أياً كانت الأخطاء الموضعية التي وقع فيها، فإن ارسطو كان محقاً، من حيث الجوهر، عندما ذكر: أن “الدول كمثل الأشياء الأخرى، محكومة بمعيار محدد من الحجم. فكل شيء يفقد قدرته على أداء وظيفته إذا كان حجمه صغيراً جداً أو كبيراً جداً”. والأكثر من ذلك فإن التجارب تشير إلى صعوبة، إن لم نقل استحالة، قدرة الدولة كثيفة السكان أن تؤمن ميلاً عاماً لإطاعة القانون.(7). فمع استثناء الولايات المتحدة وكندا واستراليا، حيث ستكون محل مناقشة لاحقة، لا توجد بين الدول الديمقراطية دولة تتصف بالسعة الكبيرة. تعتبر فرنسا من بين تلك الدول الأكبر مساحة (200 ألف ميل مربع) بينما البقية هي بالتأكيد اقل مساحة واقل سكانا. ومرة أخرى، باستثناء الولايات المتحدة وبريطانيا، ليس بين هذه الدول واحدة تضم اكثر من خمسين مليون نسمة، وان أغلبيتها تضم دون العشرة ملايين من السكان.
من المناسب بحث حالة دول الشرق الأوسط بالمقارنة مع تلك الديمقراطيات وبالعلاقة مع حجم السكان والمساحة. فقط باكستان بسكانها ألـ 75 مليون نسمة تُصنف ضمن عمالقة العالم في سكانها. بينما لا يتعدى السكان في بقية الدول ألـ 25 مليون نسمة، وان العديد منها تضم اقل من خمسة ملايين نسمة. من هنا لا يمكن الحكم على ان حجم السكان في بلدان الشرق الأوسط، من حيث المبدأ، هو في مستوى ضاغط لفرض عقبات كبيرة في طريق العملية الديمقراطية. في الواقع، ومن وجهة النظر الاقتصادية، فإن العديد منها صغيرة جداً لإقامة سوق قادرة على توليد نظام تقسيم عمل ملائم لضمان تحقيق دخل وطني ومستوى معيشي عال، هذه الحقيقة التي ستظهر لاحقاً، تفرض ثقلها على الحياة السياسية في هذه البلدان. ومع ذلك، فما يستحق الذكر هو أن الديمقراطيات الكثيفة السكان، كالمملكة المتحدة وفرنسا، نجحت في تطوير حكوماتها الدستورية في وقت كان سكانها يشكل جزءاً من السكان الحاليين. بل وحتى حققت بناء الصيغة الديمقراطية للحكومة في وقت شكل القاطنون فيها فقط جزءاً صغيراً من السكان في الوقت الحاضر. ومن ناحية المساحة، فإن بلدان الشرق الأوسط ليس في وضع ملائم جداً. فمساحة العراق بقدر مساحة فرنسا الحالية تقريباً، بينما مساحة كل من أفغانستان وتركيا اكثر بالتأكيد، في حين تزيد مساحة باكستان مرتين،(8) وإيران ثلاث مرات ونصف، والسعودية أربع مرات تقريباً، على مساحة فرنسا.
يظهر أن التجربة تؤيد الفرضية القائلة أن ضخامة مساحة الدولة تقف عقبة في طريق تحقيق الديمقراطية. ذلك لأِنها، في المقام الأول، تتجه نحو تعزيز الإقليمية regionalism، فالانقسامات السياسية في كل من فرنسا وألمانيا اتجهت نحو الخطوط الإقليمية على نحو أسرع بالمقارنة مع بريطانيا، في حين أن الاختلافات الإقليمية في الولايات المتحدة ولّدت حرباً أهلية كارثية واستمرت في إرباك السياسات الوطنية. وفي بلد كبير متنوع مثل إيران، فإن الاختلافات الإقليمية أسست عاملاً سياسياً هاماً حتى على افتراض أن السكان تميزوا بتجانس كامل، وهو افتراض غير قائم بالطبع، ونفس الشيء صحيح في حالة باكستان، تركيا، أفغانستان، والعراق.
يعتبر العامل الثاني اكثر جوهرية. ففي اي مرحلة معطاة للمعرفة التكنولوجية technical Knowledge هناك قيود محددة على قدرة الحكومة ممارسة رقابتها بفعالية في إطار إقليمها والتي تتضاءل مع امتداد المسافات المكانية. وكما صاغها ابن خلدون: لكل دولة نصيبها الخاص من المساحة لا يمكن أن تتجاوزه. فالدولة هي أقوى في المركز منها في الأطراف، ضعيفة عند حدودها، وتصبح غير فاعلة خارجها، كمثل حزم الإشعاعات الضوئية التي تنبثق من المركز أو مثل الحلقة الدائرية التي تظهر فوق سطح الماء لتتسع وتتسع على نحو اضعف لغاية اختفائها(9).
وتتطلب الحكومة الديمقراطية المسؤولة توفر شرط إضافي ضروري، صاغه ارسطو على النحو التالي: إن مواطني الدولة يجب أن يعرفوا طباع بعضهم البعض(10). ويمكن وضع هذا القول بشكل ملائم على النحو التالي: في ظروف تتصف بدرجة عالية من نقص وسائل الاتصال، فإن مساحة العديد من دول الشرق الأوسط كبيرة جداً بحيث لا تسمح بتكوين حكومة فعالة، دعْ عنك حكومة ديمقراطية. الجدول التالي يضم مؤشرين: كثافة السكك الحديدية على أساس طول الخط لكل وحدة من المساحة والسكان، وعدد الراديوات لكل شخص، أما وسائل الاتصال الأخرى مثل الطرق، التلغراف، والتلفونات فهي ليست اكثر تطوراً.
وسائل الاتصال في دول الشرق الأوسط الرئيسة وعدد من الديمقراطيات الغربية المختارة (11)
الطرق الحديدية بالكيلو مترات
لكل 100 كم2 من عدد الراديوات المسجلة
الدول المختارة المساحة الكلية لكل 100 شخص 1000 شخص
أفغانستان 00 00 1
مصر 61ر0 2ر3 11
إيران 19ر0 9ر1 11
العراق 34ر0 2ر3 6
الأردن 37ر0 3ر8 2
لبنان 50ر4 5ر3 33
باكستان 23ر1 5ر1 1
سوريا 67ر0 5ر2 11
تركيا 00ر1 0ر4 15
استراليا 59ر0 6ر55 258
كندا 75ر0 2ر65 189
بلجيكا 03ر29 6ر10 164
فرنسا 55ر7 4ر10 172
السويد 38ر3 7ر21 307
المملكة المتحدة 33ر23 0ر12 245
الولايات المتحدة 13ر5 7ر26 600
ارغواي 61ر1 1ر13 125
ربما يثور اعتراض مفاده أن الولايات المتحدة وكندا واستراليا نجحت، على نحو مرض جداً، إقامة حكومات ديمقراطية على مساحات أوسع بكثير من تلك الدول الأكثر مساحة في الشرق الأوسط. هذا صحيح ولكن يمكن تفسير ذلك بسهولة من خلال التباين في الخلفية الحضارية التاريخية. فبالنسبة لكافة الدول الثلاث، فإن الحكومة الدستورية أقيمت في مرحلة مبكرة جداً، غطت المستوطنات colonies التي كانت صغيرة المساحة وضئيلة السكان، وأن الحكومة المسؤولة أقيمت أولاً على مستوى الولاية State والمحافظة, في كيانات مثل Massachusetts و Lower Canada و New South Wales. وبعد استقرار الحكم الديمقراطي، أقدمت هذه الولايات أو المحافظات على التجمع في اتحاد اكبر مع بعضها. ومن المشكوك فيه أن الاتحاد كان سيصمد (كما في الولايات المتحدة أثناء فترة الحرب الأهلية) أو انه كان سيقوم أصلاً (كما في كندا واستراليا) لولا التطور السريع في الطرق الحديدية والتلغراف.
أما في الشرق الأوسط، على أي حال، جاءت محاولة إقامة الديمقراطية ابتداءً على المستوى الوطني لتشمل مساحات واسعة كانت تعاني من نقص وسائل الاتصال communication. إن نظرة سريعة على الماضي غير البعيد، أربعين عاما مضت، عندما كانت معظم أجزاء الشرق الأوسط غير المستعمرة من قبل الغرب تعود إلى دولتين كبيرتين، الإمبراطورية العثمانية وإيران، وعندما كانت نظم الخطوط الحديدية والطرق تغطي بضعة آلاف من الأميال فقط، تكشف لماذا، حتى فترة متأخرة، كانت مسألة تواجد مجرد حكومة فعالة، بغض النظر عن حكومة ديمقراطية، أمراً مستحيلاً.

البنية الاقتصادية
يمكن دراسة تأثير البنية الاقتصادية في العملية السياسية politics من ثلاثة محاور تالية: مستوى الدخل الوطني.. توزيع الثروة والدخل، والهيكل الوظيفي/ المهني. لقد قيل ان الديمقراطية هي ابنة الرفاه، ومن المؤكد أن تطور الديمقراطية ارتبط، أولا،ً بشكل حميم بتوسع الرأسمالية، وثانياً يمكن استنتاج علاقة ترابطية قوية جداً بين ارتفاع متوسط الدخل الفردي ونجاح العملية الديمقراطية. إن نظرة فاحصة على متوسطات الدخول الفردية السنوية الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى أن الخمسة عشر بلداً التي تتمتع بأعلى الدخول المتوسطة الفردية السنوية تتسلسل كما يلي: الولايات المتحدة، كندا، نيوزيلندة، سويسرا، السويد، المملكة المتحدة، دانمارك، استراليا، النرويج، بلجيكا، لوكسمبرج، هولندة، فرنسا، ايسلندة، وايرلندة.(12) وبعبارة أخرى، خمسة عشر دولة من الدول السبع عشرة المذكورة أعلاه. كما أن متوسط الدخل السنوي للأقل غنى من هذه البلدان: ايرلندة، بلغ 420 دولار، بينما بلغ هذا المتوسط في 12 من ألـ 15 بلدا اكثر 500 دولار للفرد. في حين لم يكن بين بلدان الشرق الأوسط، عدا لبنان وتركيا، من حقق دخلاً فردياً يتجاوز في المتوسط السنوي ألـ 100 دولار. وحتى في حالة اخذ كل التحفظات في الاعتبار لكونها ضرورية في أية مقارنة دولية، من الواضح أن هناك اختلافاً واسعاً في المستويات الحقيقية للدخول بين بلدان الشرق الأوسط وبين الديمقراطيات الغربية.(13)
ليس من الضروري إعادة تكرار ما قيل عادة: فقط عندما يحقق المواطنون إشباع حاجاتهم الضرورية عندها يستطيعون أن يجدوا الوقت والطاقة للمشاركة بفعالية وبراعة في العملية السياسية. فإذا لم يتضاعف دخول المواطنين مرتين أو ثلاثة، فالناس وهم مضطرون للبحث عن إشباع حاجاتهم اليومية الضرورية سيكونون باستمرار فريسة prey لكل ديماغوغي يعد بمساعدتهم وتحسين أحوالهم.
إن المستوى الكلي للدخل الوطني ليس، على اي حال، المعيار الوحيد، إذ أن توزيع هذا الدخل لا يقل أهمية. أن الثروة هي القوة power وان تركيز الثروة في أيدٍ قليلة يعني أن مجموعة صغيرة فقط ستكون قادرة على ولوج السياسة (أي الحصول على السلطة authority/المترجم) وضمان القوة. في حين أن جمهور الناس ممن يفتقرون إلى الاستقلال الاقتصادي يفتقرون للموقع المناسب لممارسة حقوقهم السياسية. وهذه المسألة أصبحت واضحة منذ عهد افلاطون الذي نشر فكرته في كتابه Laws وذكر (ص32): في الدولة المثالية ideal commonwealth لا يجوز لثروة أغنى الناس أن تتجاوز أربعة أمثال ثروة أفقرهم. كما ولوحظ في الغالب ومنذ انبثاق البرلمانات في العصور الوسطى، بل وحتى منذ فترة الاغريق القدماء، أن الحكومة الديمقراطية قامت على أكتاف الطبقة الوسطى، من هنا ليست مصادفة أن أكثر الديمقراطيات الخالصة: سويسرا, نيوزيلندة، والبلدان الاسكندنافية تتمتع بِأعلى قدر من المساواة في توزيع الثروة.
تتوفر قلة من البيانات المتعلقة بتوزيع الثروة والدخل في بلدان الشرق الأوسط، لكن الخطوط الرئيسة لهذه القضية تبقى قاتمة جداَ. هناك دراسة عن وضع مصر قبل الحرب أظهرت أن الفجوة بين ابعد حدين واسعة للغاية مقارنة بِأي من الحالات الأوربية التي سبق بحثها،(14) ومنذ ذلك الوقت، فإن سرعة التضخم فاقت كل محاولات تقليص عدم المساواة، هذا إن حصلتْ أصلاً. في لبنان، باكستان، وتركيا فإن الوضع افضل بدرجة واضحة, ولكن في بقية بلدان الشرق الأوسط يسود نفس النمط من عدم المساواة. وهنا يرد القول المتكرر في الغالب من أن هذه البلدان تفتقر إلى الطبقة المتوسطة، وهو حكم غير صحيح في شكله المبالغ فيه، ولكن يوضح أحد عناصر الضعف الرئيسة في المنطقة. من هنا أيضاً انحصرت الهيمنة السياسية في هذه البلدان بملاك الأرض لغاية فترة متأخرة.(15)
العامل الاقتصادي الثالث الذي يتطلب أخذه في الاعتبار هو الهيكل الوظيفي/المهني. حيث يظهر أن الديمقراطية تزدهر فقط عندما تساهم نسبة مرتفعة من السكان في الصناعة والتجارة، إذ يظهر انه من غير الممكن إنجاز المعالجات الجذرية في بلد ذات أغلبية زراعية.(16) ويظهر أن هذا التعميم يمكن أن يكون صحيحاً في دول المدن القديمة في أثينا وجمهوريات القرون الوسطى مثل فلورنسا، وكذلك في الدول الوطنية المعاصرة مثل المملكة المتحدة والدانمارك. ربما أن أفضل الأرقام القياسية للتطور الصناعي والتجاري المتاحة لأِغراض المقارنات الدولية هي نسبة المشتغلين من السكان في الزراعة. ان جدولاً صادراً عن منظمة الغذاء والزراعة الدولية(17) يوفر النسب التالية للفترة 1939-1949: المملكة المتحدة 4%، الولايات المتحدة 13%، استراليا 15%، نيوزيلندة 20%، سويسرا 20%، السويد 21%، كندا 24%، دانمارك 27%، فرنسا 36%، فنلندة 50%. كما أن بيانات ما قبل الحرب متوفرة لمجموعة أخرى من البلدان التي تفتقر إلى بيانات اكثر حداثة, ففي الفترة 1926-1939، عندما كان مستوى الاستخدام في الزراعة في كل مكان أعلى منها مقارنة بالفترة 1939-1940 فإن نسبة المشتغلين من السكان في الزراعة بلغت في بلجيكا 17%، هولندة 20%، النرويج 26%، وايرلندة 49%.
إن المقارنة الوحيدة لذات البيانات في الشرق الأوسط تشير إلى أن اكثر البلدان الصناعية في المنطقة، مصر وتركيا، بلغت نسبة المشتغلين في الزراعة 70% و 82% على التوالي خلال الفترة 1926-1939. ومنذ ذلك الوقت تطورت الصناعة في البلدين إلى حد بعيد، ولكن أياً منهما لم ينجح في سحب أي فائض من سكان الريف. وبالنسبة إلى بقية بلدان الشرق الأوسط أن النسبة في لبنان فقط أقل منها في مصر، ويعود الفضل في ذلك إلى أن الجزء القائد الذي مارس دوره في الاقتصاد هو التجارة، السياحة، والخدمات، وفي كل بقية البلدان لا زالت نسبة العاملين من السكان في الزراعة عالية.
إن التصنيع وتطور التجارة والخدمات الأخرى تؤثر في الحياة السياسية بطرق عديدة. أولاً، أنها جميعاً تساهم بقوة في زيادة الدخل الوطني. ففي كافة البلدان، تقريباً، التي تم الحصول على بياناتها يتجاوز متوسط الدخل الفردي السنوي في الصناعة مثيله في الزراعة، في حين أن هذا الدخل في التجارة والخدمات الأخرى اكبر منه في الصناعة.(18) فالبيانات المتوفرة عن مصر، لبنان، وتركيا تبين أن متوسط الدخل الفردي السنوي في الصناعة يزيد مرتين عنه في الزراعة،(19) وان الفجوة بين الزراعة والخدمات، هي اكبر في البلدان المتقدمة.(20) فقط في تلك الدول ذات السكان القليل والمتناثر sparsely populated countries مثل استراليا، الأرجنتين، نيوزيلندة، وكندا فإن الزراعة المهيمنة فيها نجحت في توفير مستوى عال من المعيشة، وحتى هنا، كما تبين، أن الوزن السكاني لم يعد كبيراً في الزراعة.
إن التصنيع والتجارة كذلك تعزز الديمقراطية بطريقة أكثر مباشرة. فسحب الفلاحين بعيداً عن الأرض، يسهم حالاً في إضعاف قوة مالكي الأرض ويقود إلى خلق طبقتين جديدتين، الطبقة الوسطى وطبقة العمال الصناعيين. إن مجتمعاً يضم أساساً طبقتين مهيمنتين: ملاك الأرض والفلاحين، لا يمكن أن يأمل باحتمال تطور المؤسسات الديمقراطية. كما أن انبثاق المجموعات الأخرى، على أي حال، تمنح الديمقراطية مفاصل مؤكدة certain articulation، وتظهر مصالح جديدة في الساحة ومعها محاور فكرية جديدة. إن كفاح الطبقة المتوسطة للمشاركة في الحكومة هو المصدر التاريخي لأِغلب الديمقراطيات الحديثة- بل وحتى للديمقراطية التي ظهرت في التاريخ القديم والمرحلة الإقطاعية. وطالما أن الطبقة الوسطى لا تستطيع عادة بلوغ غاياتها في غياب الطبقة العاملة في المدن، فإن الأخيرة ترنو إلى شيء من المشاركة في المنافع.(21) وأخيراً يحدث غالباً أن كلاً من أصحاب مصالح الأرض والبرجوازية تتنافس من اجل كسب دعم الفلاحين، الأمر الذي يتيح زجهم (الفلاحين) في الحياة السياسية.
إن المظهر المتميز لهذه العملية هو التمدن urbanization، ومع تركز أعداد كبيرة في المدن، فهذا سيقود إلى مضاعفة اتصالاتهم الاجتماعية، ويحفز التصنيع من جهته فئة المثقفين والمفكرين intelligence وتنشط البراعة والقدرة السياسية. لذلك فليست صدفة أن الديمقراطية ازدهرت دائماً في بيئة مدنية: أثينا، فلورنسا، جنيف، لندن، باريس، وبوسطن. وفي نفس الوقت يتوجب ملاحظة أن المدن الأوربية في الماضي كانت اقرب الى محيطها الريفي مما كانت عليه مدن الشرق الأوسط، من هنا أصبحت الأفكار الديمقراطية في تلك المدن الأوربية قابلة للانتشار بسهولة اكبر.

التجانس الوطني، اللغوي، والديني
من المتفق عليه، بعامة، أن غياب التجانس الوطني واللغوي يقود إلى خلق سلسلة معوقات أمام عمل الحكومة الديمقراطية.(22) إن الحركات الوطنية في سكوتلندا وويلز لا تمثل سوى مفارقات تاريخية محدودة وفريدة. ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن الحركات الوطنية في Breton و Provencal. ومع ذلك فإن الصراع في بلجيكا بين الفلاندر Flemings (مقاطعة بلجيكية يتحدثون اللغة الفَلَمنكية الجرمانية/المترجم) وبين الولون Walloons (منطقة بلجيكية مجاورة لفرنسا يتحدث أهلها اللغة الولونية الفرنسية/المترجم) تسبب، في الغالب، في اهتزاز سفينة الدولة بصورة خطيرة. وفي جيكوسلوفاكية، لم تفلح حتى قيادة كل من Masaryk و Benes في منع الشجار بين الجيك، السلوفاك، الألمان، و Ruthenians وخروجه إلى العلن. ويهيمن الصراع بين العناصر الفرنسية والبريطانية على الحياة السياسية في كندا، بينما تتشوه الحياة السياسية في الولايات المتحدة كنتيجة لإبعاد المجموعات الاثنية عن مركز القرار. في حين أن النجاح الباهر للاتحاد السويسري بالتحام مجموعاتها الرئيسة الثلاث هو اكثر جلاء لأِن سويسرا الدولة الفريدة من نوعها.
وفي هذا المجال تختلف الظروف بشكل واسع في الشرق الأوسط.(23) أن مصر، الأردن، شبه الجزيرة العربية، لبنان، وسوريا متجانسة تماماً أو أنها لا تضم سوى أقليات وطنية غير مؤثرة. وان الجزء الوحيد ذات الوزن من غير العرب في هذه البلدان هم الأكراد (بحدود000ر120) في سوريا، والأرمن (000و150) في سوريا ولبنان، وليس لأِي منهما اية مشكلات حقيقية. ولكن في العراق يشكل الأكراد بحدود خمس السكان، وهناك أيضاً مجموعات صغيرة من الإيرانيين، التركمان، الآشوريين. بينما أصبحت تركيا بدرجة واسعة “متجانسة” بعد تصفية أقلياتها الأرمنية واليونانية، لكنها لا زالت تضم بوضوح جزءاً كبيراً من السكان الكرد، قُدر ما بين 5ر1(24) إلى 0ر2 مليون.(25) وتضم إيران العديد من الأقليات اللغوية متضمنة أتراك أذربيجان (حوالي 5ر1 مليون)، تركمان، كرد (بحدود 000ر800)، عرب (000ر300) وأرمن.(26) وفي أفغانستان هناك اختلافات مهمة بين الافغان المتحدثين البشتو Pushtu، المتحدثين بالفارسية من الطازجك Tajiks، والمتحدثين بالتركية الازبكيةUzbeks، وأن مهمة الاندماج الوطني معقدة بالعلاقة مع هذا العامل. الحالة في باكستان صعبة التأكيد، لكن التوترات بدأت تعبر عن مجموعتين: القاطنين غرب البلاد من المتحدثين بالاردو Urdu والقاطنين في شرقها المتحدثين البنغالية، حيث كانتا مجموعتين منفصلتين وعلى مسافة آلاف الأميال في البلاد الهندية.(27)
ليس من الضروري التمعن طويلاً في تأثيرات المجموعات الأقلية المتواجدة، طالما أن الباحثين جميعاً في شؤون الشرق الأوسط يتفقون على أنها تضع عقبة ضخمة أمام إقامة وتطوير حكومة فعالة. قد يُقال بالطبع أن الأقليات تعتبر مشكلة فقط بسبب أن الحكومات لم تتبنَّ سياسات مناسبة لإدماج هذه الأقليات في مجتمع متعدد القوميات. وهذا الرأي صحيح جزئياً، لكنه يغفل حقيقة أن وجود هذه الأقليات يضيف عقبة أخرى للعقبات الكثيرة التي تواجه بناء حكومة ديمقراطية في الشرق الأوسط. ففي العراق خلقت مشكلة الكرد الاحتكاك friction وأدت في مناسبات عديدة إلى إشعال الصراع المسلح. وكان هذا الاحتكاك اكبر في تركيا، ومورس القمع على نحو اكثر قسوة في شرق البلاد لفترة طويلة، مثلاً ظلّت المحافظات التي تتسم بِأغلبية كردية تحت الحكم العسكري. بينما يلاحظ أن أفغانستان في مرحلة مبكرة جداً من بناء الدولة الوطنية.(28) أما في إيران فيهددها خطر التقسيم disintegration بين حين وآخر، حسبما أعلنتها بنشاط الحركات الانفصالية الاذرية والكردية عام 1945، علاوة على الحركة الانفصالية العربية في خوزستان بعد الحرب العالمية الأولى. ولم تتم المحافظة على وحدة البلاد إلا بفضل المذهب الشيعي الذي يعتنقه معظم الإيرانيين، والذي شدّهم إلى بعض، أولاً، وميّزهم بحدة عن جيرانهم السنة، ثانياً.
ومما زاد من حدة مشكلة الأقليات في الشرق الأوسط حقيقة أن أقليات قومية عديدة لا زالت قائمة على بنية قبلية، سائدة في المجتمع أساساً. وهذا صحيح بالنسبة إلى اكراد: العراق، إيران، تركيا، وكذلك التركمان، والقفقاز الناطقين بالتركية في إيران، وعلى الأفغان الهنود Pathan في باكستان وعلى كل المجموعات الرئيسة في أفغانستان. إن وجود أجزاء كبيرة من رجال القبائل يمثل في الواقع عقبة كأداء في وجه اي حكومة مركزية تحاول إنشاء إطار عمل لنشر النظام على مستوى كل البلاد وسن التشريعات القانونية لكافة أجزائها. وهذه المشكلة، أيضاً، لا تتطلب إمعان النظر فيها هنا لأِنها شُخصت تماماً وغالباً ما نوقشت من قبل خبراء الشرق الأوسط.
وفي حين يدرك كل الباحثين، بشكل خاص، ان تعايش اكثر من مجموعة قومية يفرض قيودا شديدة على الدولة, لكنهم ليسوا بهذا الوضوح بالنسبة للمجموعات الدينية. في الواقع غالباً ما تم التأكيد على أن الحرية والديمقراطية المعاصرة مدينة في وجودها للتنوع الديني. وهنا من المفيد الاقتباس عن واحد من المفكرين العديدين ممن أعطوا هذه القضية اهتمامهم بقوله: إن الحرية السياسية، كحقيقة في العالم المعاصر، هي حصيلة لصراع التنظيمات الدينية من اجل البقاء(29). ولكن قد يصح القول بِأنه لولا الإصلاح الديني Reformation والصراع الديني الذي نشأ فيما بعد، فإن الكنيسة الكاثوليكية الشمولية في القرون الوسطى، لم تكن لتفسح الطريق أمام دولة علمانية معاصرة مقيَّدة. ويصح القول أيضاً وبنفس القدر، انه ما أن ترسّختْ تلك الدولة، فإن وجود أقليات دينية كبيرة فيها لم تساعد، بل وربما أعاق في الغالب، الديمقراطية السياسية. إن الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت كاد أن يحطم الاتحاد السويسري، ووضع قيوداً شديدة على كل من ألمانيا وهولندا، في حين أفسد الصراع بين الكاثوليك وبين الجماعات غير المتدنية anticlerical الأمور السياسية في نصف أوربا. إن أحد الأسباب الرئيسة للاداء السلس للنظام الديمقراطي في البلدان الاسكندنافية هو تجانسها الديني والقومي. وفي الوقت الحاضر، وفيما عدا شبه الجزيرة العربية وتركيا الحديثة، فإن الشرق الأوسط عبارة عن موزائيك حقيقي من الأديان. كما أن حقيقة كون الكرد والعرب والتركمان من المسلمين السنة إنما تميزهم اكثر عن الشيعة الإيرانيين. وتضم باكستان 15% من الأقلية الهندوسية والسيخ، علاوة على توزيعات السكان بين الشيعة والسنة. بينما في العراق يكثر تواجد الشيعة كما هو حال السنة. وتتواجد في البلدان العربية الأخرى أقليات مسيحية مهمة تشكل: 7% من السكان في مصر، حوالي 8% في الأردن، و 12% في سوريا، وان الطوائف الإسلامية في الأخيرة (سوريا) متنافرة تضم 15% من السكان. أما بالنسبة إلى لبنان فيمكن القول أنها لا تضم شيئاً سوى الأقليات التي تشمل سبع طوائف قائدة: أكبر هذه الطوائف المارون ويمثلون 30% من مجمل السكان، وأصغرها الأرمن الارثذوكس وبنسبة اقل من 6%.
لكن المسألة ليست قاصرة على الإحصاءات فقط، الأكثر أهمية هو تباين المواقف الدينية بين الغرب والشرق الأوسط. ففي الغرب تم بنجاح ضبط الآثار التقسيمية centrifugal للتنوعات الدينية بواسطة القدرة على التوحيد centripetal force بفعل الفكرة الوطنية. وكما عبرت عن ذلك Hilairi Belloc ، ولو على نحو فظ، بقولها: الفلسفة التي سادت تجسدت في: اعبد وطنك وعندئذ اعتنق ما تشاء من الآراء.(30)
من جهة أخرى، لا زال الدين في الشرق الأوسط يشكل القوة الاجتماعية الأعظم والعامل الأكبر لإطلاق نار الغضب الجماهيري. ففي الماضي بعد حركات العنف خلال القرون القليلة الأولى، كان الإسلام السني يشكل القاعدة السمنتية التي حافظت على الجزء الأكبر من الشرق الأوسط. وبعد القرن السادس عشر أسس الإسلام الشيعي في إيران الوظيفة ذاتها. أما المسيحيون وبقية الأقليات، فكانت لها مكانة ملموسة في المجتمع، مع أنها تابعة، ولم تكن هناك أية مشاكل.
وعلى أي حال، فمع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وجد الدين نفسه في حلف مع الفكرة الوطنية (القومية) أحياناً، وفي أحيان أخرى ضدها. وبرهن على انه القوة الأكثر تمزيقية disruptive والعامل الذي تسبب بدرجة عالية في ابطاء حركة انشاء الحكومات المستقرة. ان الدور الذي لعبته الأقليات الدينية في مختلف بلدان الشرق الأوسط قد تم شرحه بشكل كاف في مقالة سابقة ولا حاجة لمناقشتها ثانية هنا.(31) ولا يمكن لأِي باحث موضوعي إنكار أن وجود مشكلة الأقليات هذه وبخاصة ما وفرتها من ذرائع pretex لتبرير التدخل الأجنبي، قادت بدرجة عالية إلى تعقيد مهمة الحكومات في المنطقة.

التعليم
وهذه القضية، أيضاً، لا تحتاج إلى كثير من التوضيح لأِن الوقائع الرئيسة معروفة. ففي الغرب أخذت الديمقراطية في تثبيت وجودها لأِسباب رئيسة جمعت بين الثقافة العالية للطبقة الحاكمة من جهة وبين الناخبين المتعلمين. وفي القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، فإن الارستقراطية البريطانية، سلالة فرجينيا، والطبقة الوسطى الفرنسية أثناء فترة التجديد وملكية July قدموا أمثلة لطبقات حاكمة ذات تعليم عال وهيأوا بلدانهم للتحول الديمقراطي. وفي كافة الدول الأوربية فإن التوسع في التعليم حافظ تقريباً على خطواته المتوازية مع توسيع دائرة الناخبين. برز هذا الاتجاه بشكل مثير في انكلترا بإصدار قانون التعليم عام 1870، الذي أعقب وثيقة الإصلاح لعام 1867، حيث اعتق فئة الحرفيين في المدن ومنحهم حق الاقتراع.
بينما غاب كلا الشرطين في الشرق الأوسط. فدول هذه المنطقة تبنت المؤسسات البرلمانية- الديمقراطية في غياب كل من طبقة حاكمة مثقفة وجمهور متعلم، رغم أن الوضع يتحسن في هذين المجالين، بفضل الجهود الممتازة التي بُذلتْ بعد الاستقلال. وهنا لنأخذ مثالين فقط، ففي تركيا ارتفع عدد التلاميذ لكافة المدارس من 000ر360 عام 1923 إلى حوالي 000ر800ر1 عام 1950، وفي سوريا بين 1943 و 1950 ارتفع عدد تلاميذ المدارس من000ر174 إلى 000ر301. وبدأت الكفاءات الاختصاصية في العلوم الطبيعية والاجتماعية بالظهور في كل من مصر، تركيا، ولبنان. إلا أن التقدم المحدود الذي تحقق عبّر فقط عن مؤشر لاستمرار البعد عن الهدف. ففي بلد واحد فقط من بلدان الشرق الأوسط (لبنان) يتواجد اكثر من نصف السكان متعلمين، بينما في سوريا حوالي الثلث، تركيا الربع، مصر الخمس، وفي البلدان الأخرى فالنسبة اقل بدرجة ملحوظة. وعلى نحو مماثل، فبينما توفر لبنان التعليم إلى حوالي أربعة أخماس الأطفال في سن الدراسة، فإن تركيا، سوريا، ومصر توفر حوالي النصف، وفي بقية البلدان بحدود الربع أو اقل. مؤشر آخر هو عدد الصحف لكل ألف من السكان، حيث يبلغ في: لبنان 81، الأردن 28، سوريا 21، مصر 18، تركيا 15، العراق 6، إيران 5، باكستان 2، أفغانستان 1. الحصص المقابلة لعدد من الديمقراطيات الغربية: المملكة المتحدة 599، استراليا 455، لوكسمبرج 441، الدول الاسكندنافية الثلاث 415، الولايات المتحدة 357، هولندة 281، ارغواي 187.
انه لصحيح أن مستوى الوعي السياسي لعامة الناس في الشرق الأوسط أعلى بكثير مما تظهره المؤشرات أعلاه. ويعود ذلك إلى عادة الاستماع للراديو أو قراءة الصحف كمجموعات. فقد اكتسب أهل الشرق الأوسط شيء من الالمام بالشؤون السياسية الدولية والمحلية، مما أبهر الأجانب على الدوام. لكن مثل هذه الطرق البديلة، رغم أنها عادة إيجابية، لا يمكن أن تعوض عن التعليم، وأن أفكار عامة الناس في ظل استمرار فجوة التعليم من الطبيعي أن تبقى دون تلك القائمة في الدول المتطورة في أوربا وأمريكا بمراحل عديدة.

الجمعيات التعاونية
أحد المظاهر القائمة في الشرق الأوسط والذي يبعث على الانبهار واليأس معاً لدى معظم المراقبين الغربيين هو ضعف قدرة السكان على المشاركة في فعل تعاوني أو العمل على مستوى الحكومات المحلية. فأينما وُجدت حاجة اجتماعية: طريق للقرية، محطة كهربائية، مدرسة، ساحة كرة قدم، أو جمعية تعاونية تسويقية، عندئذ تتجه العيون مباشرة نحو الحكومة المركزية. فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط مليء بدور الحكومة القيام بمثل هذه المشروعات. إن أغلبية المدارس والمستشفيات ملكية عامة وتدار من قبل الحكومة، ونفس الشيء بخصوص السكك الحديدية ومعظم خطوط الطيران. ففي تركيا الجزء الأعظم، وفي إيران نسبة مهمة من الصناعة والتعدين تعود إلى الحكومة. وفي بلدان قليلة حيث شقتْ طريقها مثل مصر، تركيا، وفلسطين العربية فإن حركة المزارع التعاونية تولتها الحكومة وموجَّهَة من قبلها. ويجب ملاحظة انه في كل هذه الحالات فالحكومة هنا هي الحكومة المركزية بدلاً من حكومة المحافظة أو السلطات البلدية التي هي مسؤولة عن مشروعاتها.
انه لتطرف غبي إدانة مثل هذه الأفعال الحكومية بغير تحفظ، وباسم مبادئ مجردة كالمذهب الفردي وحرية المشروع. ذلك إذا كانت رغبة الفرد غائبة للإقبال على بناء خط حديدي أو مدرسة، عندئذ من المؤكد أن الطريق الأفضل هو قيام الحكومة بهذا العمل بدلاً من تركه وإهماله. ولكن في نفس الوقت يجب أن يكون مفهوماً بشكل واضح أن مجتمعاً يفتقر إلى الكثير من أعمال المشاركة التعاونية، وفي نفس الوقت تلعب السلطات المحلية دوراً ضئيلاً، فهذا المجتمع ليس هو ذاك القادر على تنمية وازدهار الحركة الديمقراطية.
وعلى نحو مماثل سيكون حكماً متعجلاً للاستنتاج بِأن الناس في الشرق الأوسط قاصرون فطرياً عن العمل التعاوني، أو القول بافتقارهم للمبادرة. فهناك بعض الأدلة على أن فترة ازدهار الحضارة الإسلامية، كانت محوراً لنشاط مكثف قبعت وراءه أعمال المشاركة والمشروعات المشتركة. فالمعاملات التجارية الدولية كانت تجري على نطاق يفوق القدرة المالية للفرد، ومثل هذه التجارة نُفذتْ من خلال شركات partnership متضمنة أعداداً كبيرة من المشاركات المالية للأفراد. وعلى نحو مماثل فإن شبكة المصارف التي جعلت دفع النقود ممكنة في المغرب، سيلان، وزنجبار بشيك مسحوب على البصرة، تشير إلى الاتصالات الواسعة وعادة الثقة والتعاون المشترك. إن انهيار الحضارة الإسلامية، بعد الغزوات الصليبية وهجوم المغول، يشير إلى انه قضى على كل المبادرات الفردية وعلى المشاركة التعاونية، إذ أصبحت المبادرة والمشاركة مستحيلة في ظل حكومات التسلط والابتزاز التي دفعت الفقر بالزحف على المنطقة.
خلال فترة الخمسين أو المائة سنة الأخيرة، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة، حيث بدأت المبادرات الفردية تتولد من جديد لتتمثل بدرجة طيبة في نشاطات الإيرانيين في الهند، وعرب الجزيرة في اندنوسيا، وفوق ذلك، مآثر اللبنانيين في غرب أفريقيا، الولايات المتحدة، وأمريكا الجنوبية. لكن القدرة على الفعل لدى الجمعيات associations كانت بطيئة واقل استجابة مقارنة بتحسن الظروف البيئية نتيجة نفس العوامل التي كانت وراء بطء المبادرات الفردية. ولكن الثلاثين سنة الأخيرة شهدت خطوات إيجابية مثل مشروعات بنك مصر ولجنة الترجمة والنشر في مصر وتأسيس مئات من الجمعيات ذات الأهداف التعليمية والخيرية مثل الهلال الأحمر التي غطت كافة بلدان الشرق الأوسط الأكثر تطوراً. كما أخذت النقابات العمالية تمارس بعض الدور. إلا أن هذه الجمعيات لا زالت تمارس دوراَ ضئيلاً في الحياة العامة. وهذا هو نفس الحال على مستوى الحكومات المحلية مع استثناءات قليلة مثل بلدية الاسكندرية- التي تدين بِأهميتها ونشاطاتها إلى أعداد كبيرة من الأجانب ممن لا يزالون يخدمون في إطارها- رغم أن دورها لا زال ضئيلا وثمة علامات قليلة على توسع نطاقها وقوتها. ومما له دلالة أن القاهرة، وهي المدينة الكبرى في المنطقة، لم يُسمح لها تأسيس دائرة بلدية خاصة بها لغاية الحرب العالمية الثانية.(32)

حالة لبنان
إن مدى صحة الملاحظات التي ناقشتها هذه الورقة ربما تتطلب الاختبار بتطبيقها على أحد بلدان الشرق الأوسط الذي حقق تقدماً سريعاً على طريق تحقيق ديمقراطية كاملة وأصيلة، وهو لبنان. وعلى أي حال، رغم النواقص الكبرى لحكوماتها تبقى الفكرة صحيحة، ذلك أن هذه البلاد تتمتع بحرية الفكر، التعبير، والمشاركة، وعلى نحو ابعد بكثير مما هو سائد في الشرق الأوسط، وأكثر أيضاً بالمقارنة مع العديد من الدول المتقدمة. وان إسقاط الرئيس، الذي بدا قوياً في سبتمبر 1952، دون سفك دماء كان علامة مشجعة لقوة الرأي العام وقدرته على ترجمة ذاته بِأفعال محددة.(33)
إن فحص المعايير الرقمية السابقة تبين أن لبنان تحتل افضل موقع مرغوب بالمقارنة مع بقية بلدان الشرق الأوسط. إن ضآلة مساحة وسكان لبنان، التي تعوق نموه الاقتصادي، كانت في صالح تطوره السياسي. كما تتوافر في لبنان وسائل اتصال كافية وطرق ممتازة عوضت عن نقص السكك الحديدية. ويتجاوز متوسط الدخل السنوي، الذي بلغ 250 دولار مؤخراً مثيله في كل دول الشرق الأوسط الأخرى. وبفضل انتشار ظاهرة ملكية الأراضي وفق مساحات صغيرة في أجزاء عديدة من البلاد، ونسبياً مساهمة عدد كبير من السكان العاملين في الخدمات، فإن توزيع الثروة والدخل أقل من حيث عدم المساواة مقارنة ببقية أجزاء المنطقة. يضاف إلى ذلك تمدن سكانها بدرجة عالية، فقط نصف السكان ريفيون، ومن هذا النصف جزء مهم يحصلون على دخولهم من حرف غير زراعية، والدخل المتولد من الصناعة والبناء مجتمعة اعظم من الدخل المتولد في الزراعة، وتلعب التجارة دوراً مهماً في الاقتصاد اللبناني. وحقق التعليم تطوراً ابعد مقارنة بالدول الأخرى المعنية، إذ أن أكثر من ثلثي السكان متعلمين، وأربعة أخماس الأطفال تقريباً في سن الدراسة يذهبون إلى المدارس. بينما حصة السكان من الصحف قابلة للمقارنة مع الدول الأقل تطوراً في أوربا، وعدد الراديوات أعلى نسبياً. كذلك تتصف لبنان بالتجانس في المجال الوطني واللغوي، وان كل أقلية أرمنية صغيرة لا تشكل أية مشكلة من أي نوع. ولكن العائق الكبير الوحيد في لبنان هو تعددية الطوائف الدينية، ويتفق كافة المراقبين على ان هذه الظاهرة، اكثر من أي شيء آخر، وقفت عائقاً في طريق بناء حكومات كفؤة.
لهذه الأسباب قد تؤخذ حالة لبنان على أنها تؤكد المعايير التي كانت محل تطبيق هنا. كما تعطي حالة تركيا تأكيدات ابعد. فالتقدم الاقتصادي والاجتماعي الاستثنائي الذي تحقق في العقد الأخير (حيث تعكسه مؤشرات متوسط الدخل الفردي السنوي، التعليم، تلاميذ المدارس، والكتب المنشورة) التي أعقبت الإصلاحات الاجتماعية المحورية لأِتاتورك، فتحت الطريق لانبثاق الديمقراطية السياسية في البلاد. وهذه الاعتبارات تدعم الآمال. بِأن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية سوف يخلق، في البلدان الأخرى، ظروفاً اكثر ملاءمة لتطور الديمقراطية السياسية.
الاستنتاجات
إن واحدة من النتائج السلبية التي تبرز بحدة من التحليل السابق هي: أن التربة الاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأوسط لا زالت غير عميقة على نحو كاف بحيث تمكن الديمقراطية السياسية من الانتعاش وتعميق جذورها. ما هو مطلوب ليس فقط إصلاحات بنيوية/دستورية أو إدارية، ليس فقط تغيير آلية الحكومة أو الكوادر، بل وليس فقط تكييف البناء السياسي القديم وتوجيهه نحو طريق توازن قوي جديد يعكس تغير العلاقات بين مختلف الطبقات الاجتماعية، كما تحقق من خلال قوانين الإصلاح البريطانية في القرن التاسع عشر. المطلوب هو إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ضخم باتجاه تقوية المجتمع وجعله قادراً على تحمل ثقل الحكومة العصرية. مثل هذا التطور ضروري، إن لم يكن كافياً، كشرط لبناء ديمقراطية أصيلة في المنطقة. لأِنه في السياسة، كما في الدين، فإن الإصلاح الديني Reformation يجب أن يسبقه إصلاح التعليم والثقافة والفنون rensaissance.
ما هو العمل المطلوب في الوقت الحالي؟ وللإجابة بوضوح، ففي حين من غير الجدوى التأسف على غياب الديمقراطية في منطقة غير مهيأة لها بعد، فإنه لمن الضروري بالتأكيد تفعيل كل القوى التي من شأنها تحويل مجتمع الشرق الأوسط نحو الطريق المرغوب. كما يجب بذل جهود جبارة لتحسين وسائل الاتصال، مضاعفة المدارس والى ابعد حد ممكن، تحقيق وحدة ثقافية ومعنوية لتصب في تجسير علاقات المجموعات اللغوية والطائفية باتجاه التكامل مع المجتمع. كذلك المطلوب بذل جهود ضخمة لتطوير اقتصاد مختلف البلدان المعنية من اجل رفع المستوى العام للمعيشة وخلق الفرص التي ستمكن الفرد تحرير ذاته من قبضة العائلة، العشيرة- القبيلة، والقرية.
وهناك الكثير مما يمكن أن يقال، لكن السؤال الذي يبقى قائماً: من سيقوم بكل هذه التغييرات؟ إن أغلبية سكان الشرق الأوسط يتجهون بِأنظارهم نحو الحكومة لتلقي التوجيه والمبادرة الضرورية، كما أن الكثيرين يفضلون اختصار الطريق بواسطة دكتاتورية عسكرية، وكلا هذين الاتجاهين يستحقان ويتطلبان فهماً اعمق ودرساً اكثر مما يحصلان عليه عادة من المراقبين الانجلو- سكسون. وفي الدول النامية، الرامية إلى تحقيق التحول ضمن السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للقرن العشرين، فالمطوب أن تلعب الحكومة دوراً كبيراً، وربما دور القائد. وهذا يصح بصورة خاصة عندما تكون الحكومة مالكة لمصادر تمويل كبيرة يمكن استخدامها في التنمية، كما هو حال البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط. وليست هناك حاجة إلى إقامة دكتاتورية عسكرية تتولد من دوافع وضيعة، او وطنية/قومية متطرفة، أو رجعية. وفي آسيا، يتم تجنيد ضباط الجيش من الطبقة الوسطى وبالتالي فهم- بخلاف ضباط الجيش الأوربيين المنحدرين من الطبقة العليا- غالباً ما يشكلون رأس الرمح للتغيير اكثر مما يحمون الوضع القائم .conservatism وأخيراً، فالحاجة إلى بناء حكومة قوية شرط جوهري مسبق للتقدم، وربما حتى لبناء ديمقراطية مستديمة. لقد مرّت معظم الديمقراطيات الحالية بمرحلة طويلة من الحكم الاستبدادي والدكتاتوري، الذي فَرضَ بالقوة على البلد أن يبقى متماسكاً ضمن كل واحد. وللمرء أن يتذكر فقط آل تيودور، ستيوارت، كروميل في انكلترة وريشيليو، لويس الرابع عشر، نابليون في فرنسا. وكذلك ما حاول فعله كل من أتاتورك ورضا شاه، مع نجاح أكبر أو أقل، من أجل تحويل كتل ريفية وقبلية وطائفية باتجاه بناء دولة الوحدة الوطنية. لقد تم اختيار طرق التحويل بشكل سيء في الغالب، ولكن من المستحيل إنكار أنه في غياب درجة أكبر من الوحدة الوطنية مما كان قائماً قبل تسلّم تلك الأسر للسلطة، فإن قيام حكومة منظمة وفعالة، عدا قيام حكومة ديمقراطية، كان أمراً مستحيلاً تماماً.
كل هذا صحيح ولكن لا يحمل الجواب النهائي للمشكلة. ففي نهاية المطاف، على مجتمع الشرق الأوسط إنقاذ نفسه من خلال الجهود الفردية والتعاونية المشتركة لآِلاف الرجال والنساء في كل دروب الحياة، هؤلاء الذين سيعلّمون ويولدون الأجيال ويطورون ويستغلون الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية للمنطقة. ومع ذلك فإن معظم سكان الشرق الأوسط سيعترضون بِأن تلك الجهود عديمة الجدوى في ظل الظروف القائمة، لأِن الحكومة المتسلطة تستطيع إحباط افضل العزائم واكثر الجهود المخلصة التي يبذلها الأفراد. وهذا صحيح، ولكن إلى حد معين فقط. إذ أن تلك الجهود ستثمر إن عاجلاً أم آجلاً، مهما بلغت معارضة القوى المضادة. وعندئذ، فإن الحلقة المفرغة الحالية، حيث تمنع الحكومات السيئة مجتمعها من تطوير نفسه، يمكن استبدالها بـ “حلقة طيبة”يتعاون فيها القطاعان العام والخاص من اجل المصلحة العامة. وثمة اعتراض آخر يمكن مناقشته بإيجاز. يميل النشاط الفردي، وبخاصة التعاوني، للعمل من خلال الإطار الاجتماعي القائم، مما يعزز ويديم هذا الأخير. وهذا يسري على الطائفية sectarianism بشكل خاص. من هنا فالتوسع المثير في مجال التعليم الذي تَحققَ في لبنان، الذي نفذته بدرجة رئيسة المجموعات الكنسية، ساعدَ كثيراً على التطوير العام للبلد، ولكنه أدى بالتأكيد إلى تعزيز ظاهرة الطائفية بقوة. وعلى أي حال، برزت في السنوات الأخيرة اتجاهات مشجعة للعمل على الأساس الوطني بتجاوز الطائفية والاثنية وما يماثلها من خلال ظهور جمعيات غير طائفية عملتْ من اجل بلوغ أهداف عامة اقتصادية واجتماعية مشتركة. المثال الرائع هنا هو: الرواد في مصر، جمعية تضم مجموعة من المرشدين الاجتماعيين تأسستْ قبل حوالي عشرين عاماً وخَدمَ عدد من أعضائها في وزارات حديثة. المثال الآخر هو: إنشاء مؤسسة تطوير القرى Village Welfare Service في الجامعة الأمريكية ببيروت.(34) وأخيراً، تتجه الأحزاب السياسية على نحو متزايد للعمل على الأساس الوطني باختراق الخطوط الطائفية والاثنية.
وفي سياق إبداء ملاحظة ختامية، فالمهمة المعروضة أعلاه هي مهمة الناس أنفسهم في بلدان الشرق الأوسط. ويمكن أن تكون للمساعدة الخارجية أهمية حيوية، لكنها يجب أن تكون غير مباشرة ومحدودة، في صورة فهم اعمق وأكثر تعاطفاً، إضافة إلى توفير المساعدة التكنولوجية والمالية. إن حجم العمل، وكل القرارات الرئيسة بشأن اختيار السياسة Major Policy Decisions يجب تركها للشعوب المعنية. إنه لخطأ فادح الاعتقاد بِأن بلدان الشرق الأوسط لا تستحق الاستقلال لأِنها غير مهيأة للديمقراطية. فالغالبية العظمى من الدول المستقلة، عبر التاريخ وفي كل أرجاء العالم، لم تكن ديمقراطية. هذا أولاً. وثانياً، لم يُشغل بلدان الشرق الأوسط عن الاهتمام بمشاكلها الحقيقية شيء كالتدخل الأجنبي. أمام بلدان الشرق الأوسط طريق طويل وجهود كثيرة مضنية، ومن المهم عدم الاندفاع أو الانزلاق نحو طرق مسدودة، على العكس، لا بد من تشجيع هذه البلدان ومساعدتها على تلمس طريقها الصحيح.
ممممممممممممممممممممممممممـ

(1) تشير “الديمقراطية” في هذه الورقة على وجه الحصر إلى نظام الحكومة البرلمانية التي تستند إلى انتخابات حرة وعامة، ووجود حزبين أو أكثر. وهذا المصطلح يغطي عادة معاني أوسع، وفي إطار هذا المفهوم الواسع هناك جوانب عديدة من حياة الشرق الأوسط قد يُقال بِأنها “ديمقراطية”، وبشكل خاص هناك ديمقراطية اجتماعية أصيلة واسعة في أغلبية بلدان الشرق الأوسط. إنه لصحيح أيضاً أن الديمقراطية السياسية يمكن أن تعبر عن نفسها في أشكال أخرى غير الحكومة البرلمانية، وهي كذلك في عدد من بلدان الشرق الأوسط. ولكن دراسة مثل هذه الجوانب الواسعة ستأخذ المناقشة بعيداً عد هدفها. ذلك أن المقالة الحالية محصورة، على وجه الخصوص، بالمفهوم الضيق للديمقراطية، المحددة أعلاه.
(2) انظر: The Government of Subject Race, Edinburgh Review(January1908).
(3) (New York,The Century Co.,1912.)
(4) فلسفة عربية في التاريخ: Selections from the Prolegomena of Ibn Khaldun of Tunis 1332-1406, Translated by Charles Issawi (London,1950),p.57.
(5) تم تحديد الشرق الأوسط هنا بالمنطقة المحددة والمتضمنة: ليبيا في الغرب، السودان في الجنوب، تركيا في الشمال، وباكستان في الشرق. وهذه المنطقة تضم ما لا يقل عن 200 مليون نسمة. ومع التحفظات المبينة أدناه، تسود نفس الأنماط الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الإقليم، باستثناء إسرائيل التي استبعدت من الورقة.
(6) الدول المعنية التي تشملها لفظة “الديمقراطية” هي: الولايات المتحدة، كندا، المملكة المتحدة، فرنسا، ايسلندا، ايرلندا، سويسرا، لوكسمبرج، بلجيكا، هولندا، الدانمارك، النرويج، السويد، فنلندة، استراليا، نيوزيلندا، واروغواي. انضمت كل من ألمانيا وإيطاليا إلى الصفوف الديمقراطية حديثاً فقط، في حين انتزعت جيكوسوفاكية منها. إن شمول هذه البلدان الثلاثة لا يؤثر، على أي حال، وبأية طريقة على النتائج المستخلصة.
(7) The Politics of Aristotle, translated with notes by Ernest Barker (Oxford,Clarendon Press,1948),p.341.
(8) لم يتم ضم مصر الى هذه القائمة. فمساحتها تقريباً اكبر مرتين من مساحة فرنسا لكن سكانها محصورون في 5% من مساحتها الكلية, مما يجعلها، رغم شكلها المستطيل (قال نابليون مرة إن إيطاليا طويلة جداً: ومصر أطول)، واحدة من اكثر الدول اكتظاظاً بالسكان في العالم.
(9) An Arab Philosophy of History,p.127.
(10) The Politics of Aristotle,p.341.
(11) Statistical Office of the United Nations, National and per capita Incoms, Sevnty Countries,1949(New York,October 1950).
(12) بلغ هذا الدخل في الولايات المتحدة 1453 دولار, وبلغ أعلى مستوى ثان في كندا 870 دولار، بينما بلغت أرقام البلدين الديمقراطيين الآخرين وهما فنلندا 348 وارغواي 331 دولار.
(13) المؤشرات الأخرى للتطور الاقتصادي والاجتماعي, مثل استهلاك الطاقة والفولاذ، التجارة الخارجية، معرفة القراءة والكتابة، تداول الصحف، الخ. تتماشى مع متوسط الدخل الفردي السنوي.. انظر: Charles Isswi, The Conditions of Economic Progress in the Middle East,
Economic Development and Cultural Change (Chicago),December 1952.
(14) Charles Issawi, gypt:An Economic and Social Analysis (London,Oxford University Press for R.I.I.A.,1947),p.54.
(15) See ibid.,pp.173-4,for a discussion of the part played by landlords in Egyptian politics.
(16) يمكن الاستشهاد بحالة الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر, وربما أيضاً كندا، استراليا، ونيوزيلندا في القرن التاسع عشر كأمثلة معاكسة للديمقراطية الزراعية agrarian democracy. وعلاوة على ذلك، فهذا قد يستدعي العودة إلى مقولة جيفرسون Jefferson : ان الديمقراطية تزدهر فقط في بيئة زراعية. ومع ذلك، فهذه الوقائع تتعارض ظاهرياً فقط مع المقولة الواردة في المتن. ففي كل البلدان المذكورة، فإن سكاناً مهاجرين من بلد متطور جداً في مؤسساته السياسية الحرة، استقروا في قارة خالية. ودلالة ذلك أن القادمين الجدد، المستوطنين، لم يتحملوا عبء المؤسسات الإقطاعية التي تعيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتفسير الآخر أيضاً، هو أن الزراعة يمكن أن توفر دخلاً عالياً استثنائياً في هذه الحالة(غياب المؤسسات الإقطاعية والقمعية وأرض بكر خصبة/المترجم). لكن هذه الحالة لا يحتمل ظهور أي من عناصرها في المجتمعات المستوطنة القديمة لغاية حدوث ثورة اقتصادية واجتماعية وسياسية، تنبثق عن التوسع التجاري او الصناعي، باتجاه تحطيم النظام الاقطاعي أو شبه الإقطاعي في تلك المجتمعات.
(17) Yearbook of Food and Agriculture Statistics,Vol.4,pt.1,1950,table5A.
(18) See, among others, Colin Clark, The Conditions of Economic Progress, New ed. (London,Macmillan,1951).
(19) United Nations, Review of Economic Conditions in the Middle East,1951-2,pp.37-42.
(20) Egypt: An Economic and Social Analysis,p.163.
(21) لا يمكن، على أي حال، إنكار وجود خطورة في الوقت الحاضر من أن الطبقة العاملة working class في الدول المتخلفة قد تختار طريق الشيوعية بدلاً من الديمقراطية. وربما يكون احتمالاً ممكناً مواجهة هذا الاتجاه عن طريق رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لهذه الطبقة.
(22) في هذه الورقة، فإن التقسيمات اللغوية والوطنية يفترض أن تكون مشخّصة أو متطابقة. وقد لا يكون هذا صحيحاً في الماضي. ولكن منذ النهضة الوطنية في القرن التاسع عشر أن كل مجموعة لغوية كبيرة تتجه لتكون متميزة عن الأخريات المتعايشة معها، إن عاجلاً أم آجلاً, وتجسد بالتجربة مشاعر التمايز الثقافي التي ستترجم نفسها عموما باتجاه الوعي الوطني (القومي).
(23) إن أفضل من درس هذا الموضوع هو: A.H.Horani s` Minorities in the Arab World (London,Oxrord University Press for R.I.I.A.,1947).
(24) A.M.Borton,The Kurds,Royal Central Asian Journal,London,January1944.
(25) Lewis V. Thomas and Richard N. Frye, The United States and Turkey and Iran (London, Cambridge University Press,1951),p.78. A figure of 4 millions is given by the Kurdish leader, Emir Kamuran Bedir Khan, Kurdistan, Cahiers de L` Est,Beirut,No.1,1945.
(26) The United States and Turkey and Iran,pp.188-90. somewhat different estimates are given by Haas, Groseclose, and Wiber in their books on Iran.
(27) كانت الاقليات الاوربية تشكل عقبة كأداء في بلدان كثيرة حينما كانت تحميها المعاهدات Capitulations ، ولكنها لم تعد تشكل مشكلة خطيرة في الوقت الحاضر.
(28) Vladimir Cervin, The Problems in the integration of the Afgan Nation,Middle East Journal,Autumn1952.
(29) J.N. Figgis, Studies of Political Thought from Gyson to Grotius,2nd ed. (London,Cambridge University Press,1916),pp.6-7.
(30) HilaireBelloc, Survivals and New Arrivals (London, Sheed and Ward,1939),p.42.
(31) ومع ذلك، فثمة نقطتان تستحقان الذكر هنا: أولاهما إن التزاوج بين أعضاء من مجموعات دينية مختلفة ، حتى عهد قريب جداً، كان أمراً يتعذر التفكير فيه، رغم أن هذه الظاهرة تضاءلت حالياً بحيث يمكن إهمالها.. وثانيتهما هناك ميل عام لدى كل مجموعة دينية أو لغوية التخصص في مهنة واحدة أو اثنتين، معبرة هذه الظاهرة حسب البرفسور C.S.Coon عن: “التقسيم الاثني للعمل”. كما يمكن الإشارة إلى أن كل مجموعة كان لها، حتى عهد قريب، لباسها الخاص المميز بها.
(32) قد يلاحظ أن الحضارة الإسلامية لم تشهد أبداً نوع النشاط التعاوني المشترك للبلدية الذي ازدهر في عصر الاغريق القدماء وروما أو أوربا أثناء القرون الوسطى وعصر النهضة. ولكن في اسبانيا فقط حصل تماس بين الإسلام وبين المجتمع الأوربي في هذا النشاط، حيث لعبت مدن مثل Toledo و Cordoba و Seville دوراً مستقلاً.
(33) من اجل دراسة ممتعة ومتجانسة في هذا المجال، انظر: Peaceful Change in the Lebanon, The World Today (R.I.I.A.,April 1953),p.162.
(34) وارتباطاً بالموضوع، يمكن ملاحظة ان المدارس الانجلو- سكسونية في الشرق الأوسط فعلت الكثير لاختراق الحواجز الطائفية، وان درجة كبيرة من الوئام بين الطوائف قد تحققت على يد طلابها وخريجيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *