الرئيسية » شخصيات كوردية » لمحات من سيرة الشهيد العصامي عزت عبد العزيز

لمحات من سيرة الشهيد العصامي عزت عبد العزيز

يتذكر الشعب الكوردي بأسى والم شديدين الفاجعة الأليمة التي المت به قبل واحد وستين عاماً والمتمثلة باعدام كوكبة مناضلة من المع ضباط الكورد في الجيش العراقي في ضوء قرار ظالم اتخذه المجلس العرفي العسكري المنعقد في اربيل بتاريخ 1كانون الاول من 1945 باصدار حكم الاعدام غيابياً بحقهم في عهد حكومة حمدي الباجه جي الثانية بتهمة الخيانة العظمى (الالتحاق بالثورة الكوردية ومحاربة الجيش العراقي)، وبعد ان سلموا في 18 نيسان من عام 1947 تمت اعادة محاكمتهم بحضور الشهداء الاربعة، وتأيد الحكم الغيابي السابق، كانوا يعتقدون انهم سينالون عفواً من الحكومة في حينه وخاصة الشهيد عزت باعتباره كان مرافقا لولي العهد في وقت ما، كان قرار الحكم صدمة كبيرة لمعظم الكورد، ففي عهد حكومة صالح جبر تم تنفيذ الحكم فيهم ليلة 19-6-1947 على الرغم من المساعي الحميدة التي بذلت من قبل بعض الكورد (النواب الكورد في البرلمان العراقي) النجباء لانقاذ رقابهم من حبل المشنقة ولكن باءت كل جهودهم بالفشل جراء تأثير بعض الفئات القومية المتطرفة على قرار المحكمة، ويعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة بتاريخ 16مايس 1959 رد الاعتبار لهم واعتبارهم شهداء، كان من ضمن هؤلاء الشهداء الرئيس (رائد) عزت عبد العزيز. ولد الشهيد عزت في قصبة العمادية لمحافظة دهوك عام 1912، حيث ترعرع وقضى طفولته وصباه وفتوته فيها، وكان من عائلة معروفة ومثقفة مقارنة مع الحالة الثقافية والاجتماعية السائدة حينها في المنطقة والتي كانت تحث وتدعو اهل المدينة دوماً الى الحاق اولادهم بالمدارس للقضاء على الجهل والامية التي كانت تفتك بشعبنا وتهيئة ملاكات من اهل القصبة لادارة شؤون المؤسسات الحكومية في القضاء، كما انها كانت متنفذة اثر الموقف الحيادي للعائلة في الصراع الدائر بين المقاومة والجيش البريطاني اثناء احداث عام 1919 في المدينة مما حدا بالحاكم البريطاني الى تعيين احد افراد العائلة (الاخ الاكبر عبد اللطيف عبد العزيز) في أواخر العام المذكور حاكماً مدنياً في قضاء العمادية الى ان اعفي من منصبه وتعيين عبد الحميد عبد المجيد اول قائممقام خلفاً له في آذار 1922 كان الغرض الاساسي من ذكر نبذة مختصرة عن العائلة هو مدى تأثيرها على حياته وعلى سلوكه وتوجهاته وتربيته. دخل الشهيد المدرسة واكمل المراحل الدراسية بتفوق قابلياته الذهنية والبدنية فادرك الفترة العصيبة التي يمر بها الشعب الكوردي ولاسيما عندما اخذ يقرأ ويسمع عن معاهدتي سايكس بيكو ولوزان واهدافهما ونتائجهما وتشكيل الحكومة العراقية برئاسة الملك فيصل الاول، وكيف ان الجميع نكثوا بوعدهم وتأمروا على الكورد وانكروا حتى ابسط الحقوق القومية له وادرك ان اكتشاف النفط في كوردستان كانت نقمة للشعب الكوردي، كل هذه الدسائس التي حيكت في العلانية والسر زادته عزيمة واصراراً لمقت اعداء ابناء جلدته بعيداً عن التطاحن الأسري والعشائري السائدين في حينه والتي كانت تتحكم في ابسط القيم، وآلى على نفسه ان يعمل على رفع الحيف الذي لحق بالكورد، فوجد ان خير سلاح لتحقيق امانيه هو الانخراط والالتحاق بالكلية العسكرية في بغداد، فتخرج منها عام 1935 برتبه ملازم ونظراً لبسالته وفطنته وثقافته العسكرية التحق بكلية الاركان وهكذا تدرج في وظيفته الى ان وصل الى رتبه رئيس (رائد) ركن قبل التحاقه بالثورة الكوردية، وزاد من حسه وشعور الوطني قدومه الى العاصمة بغداد وهو في عنفوان شبابه فوجد ضالته المنشودة التي كان يبحث عنها منذ زمن لصقل افكاره وثقافته حيث الشباب الكوردي المثقف من العسكريين وطلبة الكليات والاساتذة ومن لهم باع طويل في السياسة ورواد نادي الارتقاء الكوردي فضلا عن حزب (هيو) الذي ذاع صيته بين معظم الكورد والمنضوين تحت لوائه بغض النظر عن ثقافتهم وحالتهم الاجتماعية والثقافية، ونظر لجهوده ونشاطه المتميزين في الحزب فقد اصبح قادته خلال فترة وجيزة (على ان التعليمات كانت لا تجيز للعسكريين الانتماء الى الاحزاب والحركات السياسية) ويؤيد ما ذهبنا اليه ما جاء في الصفحة 73 من كتاب جمهورية مهاباد للكاتب وليم ويتفنن عندما يقول (ان حزب الكومل الايراني، ارسل في شهر اذار من عام 1944 المرحوم محمد امين شوقي الى العراق للتداول في امر التعاون مع ممثلي حزب هيواوهم فضلا عن المرحوم رفيق حلمي عزت عبد العزيز) كما يقول اللواء المتقاعد فؤاد عارف في الصفحة 173 من مذكراته الجزء الاول (الحقيقة اني دخلت الحزب أي حزب هيوا عن طريق المرحوم الضابط الشهيد عزت عبد العزيز) ومن المؤسف ان الحزب المذكور انهار بعد مؤتمره الاخير في كركوك وتشتت اعضاؤه. تعاظم قوة الثورة الكوردية ولاسيما في منطقة بارزان وبقية المناطق المحاذية لنهر الزاب الكبير وطالبوا من الحكومة تحسين اوضاعهم الاقتصادية مع بعض المطاليب القومية في البداية، فقررت في عهد المرحوم نوري السعيد ايجاد اليه لمعالجة القضية قبل ان تستفحل اكثر ويصل لهيب الثورة الى بقية اجزاء كوردستان، فوجدوا ان خير وسيلة هو تعيين ضباط ارتباط تكون مهمتهم الرئيسة ادارة المنطقة، وفي الوقت نفسه ممثلو الحكومة العراقية فيها يتم تنسيب عدد من الضباط وكان المرحوم عزت احدهم وفي اكثر التوقعات في (بله) وكان لتعيين هؤلاء الضباط في المنطقة اثر كبير لسببين اولاً اثارة روح الشعور القومي وزيادة ثقة المواطنين بالثورة ثانيا، حيث يقول العميد حسن مصطفى (كان احد قادة الجيش الذين اسهموا في قمع الثورة) في كتابة البارزانيون وحركة بارزان (كان الاعداء دوما ينسبون كل الحركات التحررية للشعب الكوردي الى المناطق او الاشخاص لكي يعتبروها قضية تخص منطقة معينة او فئة معينة بعيداً عن الحقوق القومية) حيث ان طبيعة عملهم الرسمي كان يتطلب الاتصال بالمواطنين لمعالجة السلبيات الموجودة فاستغلوا الفرصة والظرف الراهن معاً لبيان الجو الذي لحق بالكورد، وفي حينها ادركت الحكومة العراقية دور وخطورة وجود هؤلاء فتمت احالتهم على التقاعد فالتحقوا علانية بالثورة، وكان المرحوم عزت اول الملتحقين من العسكريين ومصطفى خوشناو وميرحاج وتبعهم الآخرون، ووجد الشهيد عزت ان ما يقوي الارتباط العضوي والدعاية للثورة والاتصال بين الجماهير لا تكون إلا عن طريق تنظيم سياسي يعوض عن حزب هيوا المنحل وقطع علاقة الثوار بالانتماء العشائري والاسري ولغرض التنظيم وتوعية الجماهير، فحاول مع الشهيد مصطفى خوشناو وجمع من اعضاء حزب هيوا المنحل عام 1944 تأليف لجنة او تنظيم اطلق عليها (لجنة ازادي) في منطقة بارزان، فعلا نجحوا نوعاً ما في مهمتهم وكما جاء في الصفحة 179 من كتاب كورد العراق للدكتور حامد محمود (يظهر انه كان للشهيد دور كبير في جميع الاصعدة، وكما يقول الكاتب محمود الدرة في كتابه القضية الكوردية الصفحة 209 (كان للمرحوم ملا مصطفى في بداية الثورة اتصالات مع السوفيت عن طريق كل من عزت عبد العزيز ومصطفى خوشناو اللذين ذهبا الى ايران للاتصال بهم وبعد التحشدات العسكرية والهجوم الكاسح بالتعاون مع بعض المرتزقة من العشائر الكوردية الموالية للحكومة في حينه على مواقع الثوار، وجدوا ومنهم الشهيد ان الانضمام الى حكومة جمهورية مهاباد الفتية بدلاً من الانتماء جراء النكسة التي المت بالثورة هو غير عون لسببين الاول ليكونوا درعاً اميناً وقوياً للدفاع والذود عنها ولتكون الملاذ الامن لعوائل الثوار من ملاحقة الحكومة العراقية التي كانت تتحين الفرص للانقضاض عليها، فما ان وصلوا الى مهاباد حتى انخرطوا في الجيش واصبح المرحوم امراً لاحدى الافواج تحت امرة حمه رشيد خان والذي عينته حكومة مهاباد برتبة جنرال لقوة عشيرته، ووجد الشهيد وهو العسكري والسياسي المحنك ان العمل تحت امرة مسؤول لا يجيد الامور العسكرية ادارة ومهمة صعب جداً وايمانه المطلق بعدم كفاءته واخلاصه ولكنه رضخ للامر الواقع على مضض لان للضرورة احكاماً ولاهمية المرحلة الحساسة، وبمرور الزمن شخص الضباط الاربعة خطورة المرحلة والمخاطر المحدقة بالجمهورية وان الاستمرار على النهج الحالي يعني النهاية الحتمية وسقوطها خاصة بعد ان قامت الدول الاستعمارية اعادة الشاه ودعمه، ففي خطوة بالغة الجرأة في ذلك الوقت طالبوا بتكوين جيش عقائدي قوي بعيداً عن الارتباطات الاسرية والعشائرية والولاءات الشخصية وتعيين ضباط اكفاء لتدريبه وقيادته، وهذا لا يمنع تكوين جيش شعبي غير نظامي من ابناء العشائر الموالية للحكومة ليكون الظهير القوي والامين للجيش النظامي المقترح تشكيله فضلا عن اداري كفوء ونزيه ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وان تكون الحكومة واجهزتها العسكرية والادارية بعيدة عن التطاحن والمصالح الذاتية، ولكن رؤساء العشائر والمتنفذين والمسيطرين على مقاليد الحكم حاربوا الفكرة قبل ولادتها ايماناً منهم بإن هؤلاء يريدون جر البساط من تحت ارجلهم، وبعدها هبطت معنوياتهم وانجرفوا الى ضفاف النهر منهوكي القوى. بعد فترة وجيزة بدأت تباشير انهيار اول حكم كوردي (حكومة مهاباد) قبل ان تكمل السنة الاولى من عمرها لاسباب ذكرناها سابقاً فضلا عن تغير الظروف الدولية وعقود وامتيازات النفط والانسحاب المفاجئ للقوات السوفيتية والموقف السلبي ل جمهورية اذربيجان من حكومة مهاباد، واتقاء الانهيار وتقدم الجيش الايراني نحو مهاباد (ظهرت ثلاثة اراء متباينة حول الموقف المستجد الاول وكان يمثله المرحوم قاضي محمد وعائلته وهو الاستكانة وعدم مقاومة الجيش الايراني القادم وعدم تركه مدينة مهاباد ومهما كانت النتائج والموقف الثاني كان يمثله المرحوم ملا مصطفى وهو استحالة الاستسلام وهو مطلوب من قبل كل من العراق وايران والاصرار على التوجه الى الحدود الايرانية الروسية وطلب اللجوء السياسي ورافقه في مسيرته الطويلة كل من تحمل المشقة واما الرأي الثالث والاخير وهو مربط الفرس وهو ما اقدم المرحوم الشيخ احمد والضباط الاربعة واكثرية المقاتلين مع جمع غفير من العوائل النازحة وهو قرار العودة الى العراق وبدون شروط مسبقة وكانت برمتها مسحة حزن وشجن بادية على وجوههم وهم يعبرون الحدود الايرانية العراقية لا لما اقدموا عليه وانما لما الت ألية القضية برمتها وسقوط اول جمهورية كوردية. عندما قرر الشهيد عزت ورفاقه العودة الى العراق كان يعرف مصيره المحتوم مقدماً وهو العسكري المثقف والذي يعرف بواطن الامور وما اقدم عليه فقبل ان تبدأ الخطوة الاولى نبهه محبوه واصدقاؤه المخلصون الى خطورة الطريق الذي سيسلكه وكيف انه يحفر قبره بيديه ويتوجه نحو حتفه وبهذا الصدد يذكر الكاتب محمد الدرة في كتابة المذكور سابقا الصفحة (208) ان المرحوم مصطفى البارزاني (حذرهم من مغبة هذه الحماقة التي ازمعوا عليها) ولكن كلها كانت بدون جدوى، اما ما قيل من قبل بعض الموتورين والحاقدين والجهلة امثال عبد المنعم الفلاحي صاحب كتاب ثورتنا في الشمال والمرتد مالك سيف عندما يقول في كتابه للتاريخ لسان في الصفحة 315 بإن الشهيد كان عميلاً للاستخبارات البريطانية وهم الذين اقترحوا عليه الالتحاق بالثورة الكوردية فهو محض افتراء وعار عن الصحة فلو كان ما ذكره صحيحاً لما نفذ فيه حكم الاعدام في الوقت الذي كان لبريطانيا اليد الطولى في العراق. وباعدامه مع كوكبه من رفاقه هوى نجم ساطع من سماء كوردستان، فما ان وصل الخبر من باب الى باب عن وصول جثمانه الى مرتع صباه حتى عم النحيب والبكاء والحزن كل بيت في المدينة، ومما يؤسف عليه ان الظروف السائدة في المنطقة والاحكام العرفية ارهبت الكثيرين من المشاركة في تشييع جثمانه فاقتصر على الاهل وبعض المعارف من اهل المدينة فكان تشييعه متواضعاً حسب ما نقله معاصروه ويقال انه دفن في المدينة اولاً ومن ثم نقل الى مثواه الاخير في مقبرة العائلة على سفح جبل في منطقة كاني سنج القريبة من المدينة. برد الله ثراه وثلج نفسه فقد كان من الخلص مثالاً للتضحية والشهامة وعزة النفس والوطنية وافنى زهرة شبابه من اجل اقدس قضية. فانني ادعو من هذا المنبر المتواضع حكومة الاقليم تقديم ما يستحقه هذا الشهم من اعتبار واعادة ترميم قبره بما يليق بمقامه واطلاق اسمه على احد الشوارع الرئيسة في مدينة دهوك مع اقامة نصب تذكاري بدلاً من النصب اليتيم الذي نصب في مدخل مدينة العمادية، ولو لا هذا النصب لما تذكره الجيل الحالي.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *