الرئيسية » مقالات » هل في الأفق حل فعلي للقضية الفلسطينية ؟

هل في الأفق حل فعلي للقضية الفلسطينية ؟

نحن أمام حالة جديدة وعوامل فاعلة جديدة بدأت تنشأ وتتفاعل تدريجاً وتفرض نفسها على جميع أطراف اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط , فهل ستبذل الجهود الحقيقية والمخلصة للوصول بالمشكلة المركزية في هذه المنطقة إلى حل واقعي وعقلاني يستند إلى وجود دولتين مستقلتين وحرتين ومتعاونتين , دولة إسرائيل ودولة فلسطين , في ظل سلم عادل ودائم بعد صراعات ونزاعات وحروب وموت ومعاناة بدأت في مثل هذا العام وقبل ستة عقود ولا تزال متواصلة؟
إن مجرى الأحداث حتى الآن يؤكد بأن عدم الأخذ بنظر الاعتبار العوامل الجديدة الناشئة والمؤثرة بقوة يمكن أن يقود إلى كوارث مريعة لا لشعبي البلدين في فلسطين وإسرائيل حسب , بل لشعوب المنطقة بأسرها , كما يمكن أن تمتد تلك الكوارث لتشمل تداعياتها الكثير من دول العالم. وإدراك هذه الحقيقة من جانب المجتمع الدولي , ولكن بشكل خاص من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا , قد حرك الجو السياسي ودفع رئيس الدولة الأعظم إلى تبني مشروع المؤتمر الدولي حول القضية الفلسطينية , إضافة إلى مقترح روسيا بمواصلة ذلك بمسار المفاوضات حول الجولان ومزارع شبعا. وقد تبلورت حتى الآن ثلاثة مقترحات , وهي:
1. مؤتمر آنابولس حيث التقي ممثلو الشعب الفلسطيني بممثلي الشعب الإسرائيلي وبحضور واسع من جانب اللجنة الرباعية والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لمجلس الجامعة العربية والكثير من ممثلي الدول العربية والإسلامية والدول الأوروبية والأفريقية لمعالجة الصراع العربي – الفلسطيني. وبدأت المفاوضات المباشرة في البيت الأبيض وبمساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية الدكتورة كوندوليزا رايس.
2. مؤتمر اقتصادي يعقد في فرنسا لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي تمس الوضع الفلسطيني وسبل دعم الحكومة الفلسطينية الشرعية للخروج من الأزمة المالية الطاحنة والمعوقة لحكة المجتمع , إضافة إلى عقد اجتماعات في باريس لمتابعة مجرى المفاوضات بين الطرفين.
3. مؤتمر موسكو الذي يفترض أن يبحث في المسار السوري واللبناني مع الجانب الإسرائيلي والذي يتسم بذات الأهمية وبحضور دولي وعربي وإسلامي مماثل لمؤتمر آنابولس على أن يحدد موعده خلال هذه الفترة. وقد قررت الدول العربية بأن التطبيع الكامل مع إسرائيل يتم بعد الانتهاء من حل المعضلات الثلاث والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل.
ولا شك في أن العوامل المحركة والمحفزة لمفاوضات مسئولة بين الأطراف المعنية تتمثل في عدة حقائق لم يعد ممكناً تجاوزها:
* استمرار بقاء القضية الفلسطينية دون حل عملي وعقلاني قاد ويقود إلى مزيد من النزاعات الدموية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتنامي قوى التيارات اليمينية والإسلامية السياسية المتطرفة , كما هو واقع الحال بالنسبة إلى كل من حماس والجهاد في غزة وفي عموم فلسطين , وهي قوى لا تريد الحل على أساس دولتين , بل التخلص من إسرائيل!
* تبني إيران وقوى إسلامية سياسية متطرفة وإرهابية شعارات تحرير فلسطين ورمي إسرائيل في البحر … والتي تقوم بالتنسيق مع إيران والقوى المتطرفة في الدول العربية الإسلامية , وبشكل خاص حزب الله في لبنان.
* في مقابل ذلك توجد قوى إسرائيلية يمينية متطرفة مستعدة لممارسة الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني , وهي لا تريد السلام وترى في استمرار التوتر فرصة لبناء المزيد من المستوطنات والتهام المزيد من الأرض الفلسطينية وتفكر بإسرائيل الكبرى التي يرفضها العالم كله.
* الإرهاب السائد في العراق واستمراره يزيد من متاعب الولايات المتحدة في المنطقة ويعمق عدم الثقة بقدرتها على مواجهة أحداث المنطقة , وبالتالي يدفع بإيران والقوى المؤيدة لها في الدول العربية , ومنها لبنان , إلى تعبئة قوى جديدة وإلى تنفيذ مغامرات غير محسوبة العواقب.
* كما أن التحالف المديد الذي بدأ بين إيران وسوريا منذ نجاح الثورة الإيرانية حتى الوقت الحاضر , والذي جر إليه تحالفات قوى سياسية أخرى , يمارس اليوم دوراً سلبياً في المنطقة , كما تلعب القوى التي شكلت بتوجيه ودعم مباشرين من إيران دور حصان طروادة في الدول العربية والإسلامية.
* تقوم إيران بالعمل الجاد والدءوب وبلا كلل من أجل تطوير أسلحتها الهجومية وإنتاج صواريخ بعيدة المدى , كما في صاروخ عاشوراء الجديد الذي يصل مداه إلى 2000 كم , إضافة إلى سعيها وتصميمها على إنتاج السلاح النووي الذي يهدد بتفاقم سباق التسلح في المنطقة المقترنة بتنامي مخاطر نشوب صراعات ونزاعات دموية. ويلاحظ بوضوح أن إيران تستثمر مصاعب الولايات المتحدة في العراق لتزيد من نشاطها في التسلح ومن علاقاتها التحالفية السياسية المناهضة للولايات المتحدة , رغم التحسن النسبي في الوضع الأمني في العراق.
* ويزيد من مصاعب الإدارة الأمريكية حالياً المنافسة المحتدمة بين الجمهوريين والديمقراطيين على السلطة الفعلية في البيت الأبيض والتي تستثمر من جانب المناهضين للسياسة الأمريكية لمزيد من الإرباك في تلك السياسة. ولهذا فإن الإدارة الأمريكية بأمس الحاجة إلى تحقيق نجاحات في المسارات الثلاث والتي ستقود بدورها إلى تحولات مهمة في المنطقة وإلى إضعاف لإيران وتفكيك للتحالف الإيراني السوري وتعزيز للتحالف معها. كما يمكن أن يقود هذا إلى تحول في الموقف الشعبي من الولايات المتحدة الذي تطمح في تحقيقه بعد أن أصبحت سمعتها شعبياً في العالمين العربي والإسلامي في الحضيض.
إن البدء الجاد في معالجة القضية الفلسطينية يسهل حل مشكلة الجولان مع سوريا ومزارع شبعا مع لبنان ويفتح أفقاً مهماً لضرب القوى الإرهابية التي تراهن على منع أي اتفاقية سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية بجوار دولة إسرائيل. وبرهنت الخطب التي ألقيت في افتتاح مؤتمر آنابولس في يوم 27/11م2007 على تبلور ثلاث مؤشرات مهمة جداً كانت قد بدأت في فترة حكم إسحاق رابين وتوقفت بقتله وتداعيات ذلك ووصول اليمين الإسرائيلي إلى السلطة ثانية , وهي:
1. الاتفاق على ضرورة تشكيل دولتين على أرض فلسطين السابقة , دولة إسرائيلية وأخرى فلسطينية.
2. هناك رؤية واقعية من الجانبين إزاء المشكلات التي تعترض طريق المفاوضات وإصرار على معالجتها وإيجاد الحلول المناسبة لها خلال عام من تاريخ البدء بالمفاوضات.
3. هناك تأييد أمريكي , عربي وإسلامي ودولي ومن جانب الأمم المتحدة والجامعة العربية , لهذا التوجه لمعالجة المشكلة الفلسطينية ومجمل الأراضي العربية المحتملة في ضوء خارطة الطريق ومبادرة الرياض التي قدمتها المملكة السعودية والتي أقرت في مؤتمرين للقمة العربية.
وعلينا أن نشير بصراحة إلى ثلاث ملاحظات سريعة ولكنها مهمة , وهي:
• أن القضية بكل تفاصيلها ليست سهلة وفيها الكثير من التعقيدات المتراكمة والتي تهدد كل واحدة منها بالفشل.
• وجود قوى كثيرة في العالمين العربي والإسلامي وقوى في إسرائيل وفي دول أخرى لا تريد نجاح المفاوضات وستعمل على إفشالها بكل السبل المتوفرة لديها , وهو ما يفترض التصدي له وإفشاله.
• يصعب تصور إمكانية الحل النهائي للقضية الفلسطينية مع ازدواجية الحكم الراهن في فلسطين , أي مع وجود قوى في سلطة غير شرعية حاكمة في غزة لا تريد النجاح للحلول السلمية بأي حال وتلتقي مع اليمين المتطرف الإسرائيلي في هذا الشأن , ووجود حكومة شرعية في الضفة الغربية.
إن المتفائلين والمتشائمين يراهنون على حقائق قائمة على أرض الواقع وفي ضوء التجارب المريرة التي مرت بها هذه المشكلة المستعصية على الحل , إذ لا تزال هناك الكثير من القضايا التي تعتبر مفخخات جدية في طريق المفاوضات يمكنها أن تعيق التقدم , ومنها مشكلة القدس ومشكلة اللاجئين منذ العام 1948 المقيمين في الشتات العربي بشكل خاص , إضافة على مشكلة المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة , في مقابل وجود قناعة أن لا بد من حلول لكل ذلك. وما على المتفائلين والمتشائمين سوى السعي الجاد لدعم الجهود التي تبذل لإنهاء هذه المشكلة المعقدة لصالح الأمن والسلام والعدالة في المنطقة. أما الذين يضعون العصي في طريق المفاوضات السلمية من الطرفين ويتمنون لها الفشل , فلن نتمنى لهم سوى الخيبة من خلال نجاح المفاوضات.
28/11/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *