الرئيسية » مقالات » من الذاكرة ( فضائيات )

من الذاكرة ( فضائيات )

الكون يصغر بمداه والمسافات تقترب والعالم الذي كان بالأمس القريب ( قرية صغيرة ) صار اليوم أشبه بـ(حجرة صغيرة) ، تستطيع من خلالها ان تطلَّ على العالم الفسيح وترحل حيثما تشاء وبامكان المرء ان يجري صفقات تجارية وهو جالس في مكانه دون أن يتجشم عناء السفر . العالم قد صار طوع بنانك وبلمسة واحدة هي اقل من ( دعكة فانوس علاء الدين ) تصل إلى أقصى الارض .
عالم ُ اغرب من الخيال ، فالكتاب الذي كان يكلفك ثمناً باهضأً تستقطعه من قوت عيالك يصلك اليوم مجاناً. والمعلومة التي كانت حكراً عند ذوي الاختصاص صار بالامكان الوصول إليها والتزود منها عبر شبكة الانترنيت.
الستلايت ذلك الاختراع الجميل كنا في حرج أمام أنفسنا أن نستقبله وأدخلناه بيوتنا على استحياء رغم ان العالم كان قد سبقنا إليه ، فلقد كانت تعتبر حيازته في مضى من الزمان جريمة تستحق العقاب الا لمن كان مقرباً من السلطة بعد أن يقسم بالله والوطن والقائد بان لا يحدث الآخرين بما يراه او يسمعه .
قد تختلف فضائيات اليوم عن محطات التلفزة الأمس القريب ، فلم يكن لأحدٍ حرية الاختيار في ان يبحث عن المحطة التي يرغب فيها او يبتعد عن المحطة التي يرغب عنها . ولو عدنا بذاكرتنا الى الوراء قليلاً لوجدنا ان حرية الاختيار تكاد تكون معدومة ، فعندما دخل المذياع الى بلدنا أذهل ذلك الاختراع الشيطاني العقول وحيَّر الألباب ، وأفتى الكثير بحقه بأنه رجزٌ من عمل الشيطان وان من كان في بيته مذياع صغير فان مصيره إلى جهنم وبئس المهاد .
مرّت السنوات ببطء شديد قبل ان يتم إعلان براءة المذياع من رجزه وإلصاقها بالاختراع الجديد ( التلفزيون ) الذي صار علامة من علامات يوم القيامة وان الهوائي الذي يقف منتصباً فوق سطوح المنازل هو الشيطان الذي يدخل كل بيت وجاءت براءة الـ( التلفزيون ) من تهمة ( الشيطنة ) حين اقتحم عالم ( الستلايت )عالمنا فتحول الشيطان الذي كان بالأمس يقف منتصباً إلى صحن دائري يجلس فوق السطوح . وان القادم من الأيام ستثبت إن هذا الكائن الوديع – الستلايت – برئ من التهم المنسوبة إليه لو تم اكتشاف أجهزة مرئية مجسمة يستطيع من خلالها المشاهد ان ينفد إلى داخل الأستوديو ويمكنه من ملامسة الممثل والتحدث إليه او ينتقل بها الى حيث يشاء حينها سأعترف أنا العبد الفقير إلى الله اولاً قبل غيري بأن ذلك الاختراع هو الشيطان بعينه .
كان المذياع القديم يعمل بالـ(للمبات ) والتي كانت تتدرج في توهجها حين إغلاق الدائرة الكهربائية فيكون لونها باهتاً ويشتد احمراراً وقد يحتاج المذياع إلى الصفعة قوية على جانبه او على أم رأسه قبل أن ينطق السيد المذيع ، ومما لا شك فيه ان آبائنا قد بحثوا داخل صندوق المذياع عن وجود المذيع بداخله او فتشوا عن وجود عفيفة اسكندر او وحيدة خليل والفرقة الموسيقية المصاحبة لهم . ولكن باءت محاولاتهم بالفشل ورجعوا يجروا أذيال الخيبة والخسران .
ومن حسن حظي ان والدي كان يمتلك مثل هذا المذياع وكان يعتبره ثروة كبيرة وارث مجيد سيؤرثه لمن بعده ، لذلك كان يحتفظ به بعيداً عن عبث ولده الصغير – صاحب هذه الأسطر – فيحتفظ به في خزانته وكان يترفق به ويوصي به خيراً . وحين توفي والدي _رحمه الله – رفضت والدتي بيع ذلك المذياع وتقسيم ثمنه على ورثته لأنه – من ريحة المرحوم – وانه كان عزيزاً على قلبه ، وبعد عدة سنوات قررت والدتي بيعه وتوزيع ثمنه على ورثته لكنه لم يجلب سوى ثلاثة آلاف دينار وهو ما يعادل ثمن ( نفر كباب ) أكلناه مجتمعين ونحن نقرأ سورة الفاتحة .
حين تطورت صناعة المذياع إلى شكلها الحالي لم يكن في العراق سوى محطتان إذاعيتين فقط هما ( صوت الجماهير ) و( إذاعة بغداد ) ولم تكن المستقبلات تستقبل غيرهما مع بعض المحطات المعادية والتي لو علم احد بأنك تلتقطها ستذهب وراء الشمس حيث اللا عودة .
لم تكن المحطتان الإذاعيتين كافيتين ولأجل أن تستمتع بحياتك فيتوجب عليك ان تتبع برامج الإذاعة . فإذا كنت من هواة فيروز مثلاً عليك ان تستيقظ مبكراً لتستمتع بـ( فاكهة الصباح ) وهي تطربك بـ ( زعلي طول أنا وياك ) . وإذا كنت من هواة عبد الوهاب فعليك أن تحرم نفسك من قيلولة الظهيرة وان تستعد عند الثانية والنصف بعد الظهر حينها و سيصدح كروان الغناء العربي وهو يطربك ( لا مش أنا الابكي ) و ( جفنه علَّم الغزل ) ولا يعكر صفوك إلا بيان صادر أو تصريح ناطق عسكري . وإذا كنت من هواة ( كوكب الشرق أم كلثوم ) فعليك أن تحرم عينيك المنام في يوم الخميس وتنتظرها وهي تتألق بـ ( يمسهرني ) أو ( بعيدة عنك ) وإذا كنت من متابعي الرسوم المتحركة (سندباد أو بباي أو ساسوكي ) فعليك أن تنتظر الساعة السادسة والربع مساءاً .
لم يكن البث التلفزيون قد دخل عصر الفضاء بل كان الأثير وحده يرسل مداياتها من محطات أبو غريب وعليك أن تضبط الهوائي باتجاه المرسلات وان تحافظ عليه من عبث الريح الذي يميل به يميناً وشمالا.
اليوم اختلفت الأمور تماماً فالفضائيات العراقية هي الأكثر عربياً من حيث العدد وللأسف فأن الكثير منها يفتقر إلى المصداقية في نقل الخبر فهي تعمل بلا رقيب و تخلو من الضمير ، والخبر يرمى جزافاً دون تحري الصدق وان بعض المحطات الفضائية مختصة بنقل الجانب السلبي من حياة المواطن العراقي وبعضها يأنف ان يسمي عشائر الصحوة بأسمها فيسبقها ( بما يسمى ) وكأن تلك العشائر التي جلبت الأمن للعراق هي خارجة عن الشريعة الإسلامية وفلول القاعدة التي لم تشبع من دماء العراقيين الأبرياء هي الشريعة الإسلامية بعينها .
بعض الفضائيات العراقية تمنى النفس بعودة الطغاة والبعض الآخر يطبل لفلول القاعدة ويرقصاً طرباً إذا ما سمع خبر الانفجار في منطقة ما ، وتزداد سعادته بازدياد عدد الضحايا ذلك الانفجار . ولله في خلقه شؤون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *