الرئيسية » مقالات » الحروب الأهلية و سياسات الأنظمة و النخب….

الحروب الأهلية و سياسات الأنظمة و النخب….

تظاهر العديد من العلويين السوريين مؤخرا مطالبين بعودة رفعت الأسد , لقد أوحت طبيعة المرحلة لهؤلاء بأن رجلا كرفعت الأسد الجزار المعروف في مرحلة الصراع مع الإخوان هو رجل المرحلة في مواجهة الأخطار التي قد تحملها للعلويين السوريين..هذا دلالة على النكوص العام..فرجال المرحلة مرحلة الحرب الأهلية الواقعة بالفعل أو مرحلة الإعداد لها ( كما هو الحال في كل منطقتنا عمليا ) هم مثل رفعت الأسد أشخاص لا يقيمون أي وزن للإنسان , باختصار مستعدين للقيام بأي شيء في سبيل السلطة و باسم “الطائفة”..هذا تعبير عن أزمة عامة و عميقة و قد يكون فاتحة لمراحل أكثر دموية و تدميرا من هذه الأزمة..هذا هو الشكل السائد اليوم لما يمكن أن نسميه ب”وعي الذات” أو وعي الهوية..تاريخيا يمكن أن نرصد صعود هذا النمط من الوعي مع التراجعات المتتالية في أداء و سياسات الأنظمة الحالية خاصة القومية منها حتى بلغت درجة الأزمة و أخيرا دخولها مرحلة الأزمة المستعصية على الحل..نأخذ هنا على سبيل المثال حالة الجماهير الشيعية اللبنانية و العراقية التي كانت دوما الأكثر فقرا و تهميشا اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا سبق أن شكلت القاعدة الأساسية لليسار العراقي و اللبناني في منتصف القرن الماضي..حدث التطور تحديدا في إطار المواجهة بين المؤسسة الدينية الشيعية و بين اليسار و قد استفادت المؤسسة الدينية من الضربات الموجعة لليسار من جهة و من أداء النظام السياسي في العراق و لبنان في تطوير شكل مختلف جدا من “وعي الذات” هذا , أخذ الشيعة العاديون ينظرون إلى أنفسهم أساسا كشيعة و تحول بالتالي تمثيلهم السياسي إلى الجناح السياسي للمؤسسة الدينية الشيعية..لكن صعود هذا “الوعي” الطائفي “القديم الجديد” بالذات مرة أخرى لم يتم فقط في مواجهة اليسار بل تم بشكل أساسي في معظم الحالات في مواجهة مشروع الدولة كمشروع لإنتاج مجتمع موحد على نحو زائف و بقوة القمع..من هنا كان صعود حزب الله و حركة أمل مثلا كتعبير عن هذا التطور في مواجهة مشروع الدولة أساسا و القيادات الشيعية التقليدية و اليسار في مستوى آخر..هنا نجد الإخوان في سوريا و العراق و لبنان و هم يتخلون عن مبادئ فترة النشوء المتعالية على الخطاب الطائفي كجزء من مشروع نهضوي إسلامي عام و يلعبون ذات الدور بالنسبة للسنة أي أنهم يلعبون الدور المقابل لرفعت الأسد و للقوى السياسية الشيعية الصاعدة , إنهم يمثلون “الوعي المضاد” للأغلبية السنية و يعبرون عن رغبتها على امتلاك “قوة مقاتلة طائفية مضادة” مستعدة للذهاب إلى ذات المستوى من الدموية و اللا مساومة في صراعها ضد الآخر الطائفي , هذا الوعي الطائفي يستفز نقيضه بل لا يستطيع أن يوجد من دون نقيضه و من دون الإحساس بالغبن و الظلم الواقعي في أغلب الأحيان و لكن الذي مصدره قوى اجتماعية و سياسية تجري عملية تجسيدها “الزائفة” بالطائفة-الخصم لهذا فهذا “الوعي” الطائفي ليس إلا نتيجة للاستلاب و التزييف الاجتماعي و السياسي و الفكري و هو أيضا حامل لهذا التزييف..إن تغلغل الوعي الطائفي الزائف اليوم بلغ درجة بعيدة بحيث أنه حتى الصراعات غير الطائفية يجري تطييفها و استخدام مفاهيم هذا الوعي الزائف فيها , مثلا فتح “السنية” مقابل اتهام حماس بالتشيع الهرطقي..هذا الوعي لا يستطيع أن يعد إلا بحروب متجددة متواصلة مدمرة تكون فيها الجماهير مجرد وعاء للضحايا و المجاهدين , حروب دموية و ربما استثنائية في دمويتها و عبثيتها , حروب كما نرى اليوم في لبنان عن اسم الرئيس المقبل أو كما في العراق عن “الطائفة المهيمنة على السلطة”..في أفضل الأحوال ما يمكن إنجازه تحت سيطرة هذه الخطابات الطائفية هو حالة من التوازن الهش القائم على قواعد فض اشتباك بين هذه القيادات ذات الخطاب الطائفي و بالتالي ظهور و تكريس أشكال مختلفة للهيمنة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية لهذه القوى..على الطرف المقابل فإن الأنظمة كالنظام السوري مثلا التي تبدو “قادرة” مؤقتا على السيطرة على هذه المخاطر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعتبر و لو جزءا من الحل , إنها السبب الحقيقي وراء صعود هذه المخاطر الداهمة..إن عدم سقوط النظام السوري هو علامة على الأزمة نفسها و ليس العكس , إنه دلالة على عمق الأزمة التي نحن اليوم بمواجهتها..قد يذهب البعض أيضا إلى أن صعود “نظام قوي مركزي” في العراق أو صيغة أكثر عقلانية من النظام اللبناني القائم على المحاصصة بين قيادات الإقطاع السياسي و رأس المال السياسي التي تستمد سيطرتها على الشارع من خطاباتها الطائفية المتشددة بالضرورة في وجه الآخر الطائفي قد تساعد على استيعاب هذه المخاطر , لكن هذا في الحقيقة مجرد تأخير للانفجارات القادمة لا محالة , كل هذه الصيغ السائدة للسلطة ذات المضمون الطائفي الصريح أو الضمني لن تؤدي إلا إلى تعزيز حالة الحرب الأهلية القائمة فعلا أو الكامنة تحت الرماد , إنهم جميعا لوردات محتملين للحرب المتوقعة و التي يدفعون البلد إليها دون أي وازع سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو حتى في أماكن أكثر استقرارا تقليديا , لا يمكن إنهاء هذه الصراعات و مخاطرها إلا ببناء مجتمع لا طائفي..هذه العملية لن تكون ممكنة قبل أن تشتد أزمة القوى الطائفية و تتعلم الجماهير بخبرتها المباشرة ضرورة بناء حالة سياسية اجتماعية عقيدية تقوم على أساس ديمقراطي مباشر بعيد عن أشكال الديمقراطية التوافقية التي تدفع القوى السائدة الطائفية خاصة إلى مركز الفعل السياسي و التأثير الاجتماعي و الاقتصادي.. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *