الرئيسية » مقالات » رحلة الموال من أروقة البلاط الى الوجدان الشعبي

رحلة الموال من أروقة البلاط الى الوجدان الشعبي

شاع في الأمثال “كلٌ يغني على مواله”، وهي تقال لمن تشغله قضية معينة، فينشغل بها عن غيرها ويحصر نفسه بها، وكل يعبر عنها بطريقته الخاصة، أو انه يمهد لشيء ما فيقال في رأسه موال أي ما يشغله، أو أن يقال في رأسه موشح، وفي الأدب العربي المنظوم اختصت المفردة بلون من ألوان الشعر، يضم فيه البيت فكرة متكاملة حاله حال الأبوذية.
وشعر الموال قائم على الجناس والتورية، ولذلك قل الناظمون فيه، بل ان صفتي الجناس والتورية دخيلتان في إرباك الباحثين والمحققين للوقوف على حقيقة المنشأ وتاريخه وشخصياته، لان البعض يرى ان الشاعر يقصد التورية واستخدام الجناس المتضمن معاني مختلفة في قالب لفظي واحد لتفادي غضب حاكم أو صاحب سلطة، وكما تعددت الآراء في الأبوذية تعددت هنا، ولكن المهمة ليست بالمستحيلة، بخاصة إذا توفرت لدى المحقق أدوات قويمة من الأدب واللغة وقوة الملاحظة والفرز والصبر في النفاذ الى مجاهل تاريخ الأدب القريب والبعيد، لان التاريخ مثل البحر كلما وقف الباحث على أدوات قوية مدعوما بموهبة علمية ومقدرة تحقيقية أمكنه الغوص بها في أعماقه والوصول الى القيعان الغائرة المدى.
وفي هذا المقام، صدر للدكتور محمد صادق محمد الكرباسي عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، كتاب “ديوان الموال – الزهيري-” في 612 صفحة من القطع الوزيري، تناول في مباحث عدة تاريخ هذا اللون من الشعر الدارج ونسبته وجغرافيته وأركان فنه، ليدخل في صلب الهدف من التأليف وهو الوقوف على المنظوم من الموال في النهضة الحسينية، مع بيان معالم الموال الحسيني بشيء من التفصيل.

آراء ونظريات
كثر اللغط حول تاريخ النشأة وبالتبع حول التسمية، لان أحدهما يدل على الآخر، على ان الإجماع قائم على عراقية النشأة، وتوزعت الآراء في المنشأ والتاريخ، ويستعرض الدكتور الكرباسي الآراء المعتد بها فيثبت في رحلة البحث بعضها وينفي أخرى ويثنّي على ثالثة.
ولعل الشائع في المحافل الأدبية قول السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 910 هـ) أن الموال في نشأته يعود الى العهد العباسي حيث أنشدته لأول مرة إحدى جواري جعفر بن يحيى البرمكي (ت 187 هـ) بعد ما رأت بطش هارون العباسي (ت 193 هـ) بمولاها في “نكبة البرامكة” والتمثيل بجثته وتوزيع أشلائها على أماكن متفرقة من بغداد ثم جمعها فيما بعد وإحراقها، فأنشدت:
يا دار أين ملوكَ الأرض أينَ الفُرُسْ
أين الذين حَمَوها بالقنا والترَسْ
قالت تراهم رِمم تحت الأراضي الدَرَسْ
سكون بعد الفصاحة ألسنتهم خُرُسْ
وغراب البيت أتى ورفرفَ حواليّا
وبشيوع هذا النمط من الشعر دعي بالمواليا، وهو ما ذهب إليه من قبل ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد الأشبيلي المتوفى عام 808 هـ. لكن صفي الدين الحلي عبد العزيز بن السرايا الطائي المتوفى في العام 750 هـ، يرجع بالنشأة الى مدينة واسط، اذ كان يتغنون به أثناء العمل ويقولون في آخر كل صوت مع الترنم “يا مواليا” ومنه جاء الموال، وحسب الأديب العراقي عبد الكريم العلاف (ت 1389 هـ) ان أول موال نظم في واسط هو قول أحدهم:
منازلٌ كنتَ فيها بعدَ بُعدكْ دَرَسْ
خرابُ لا للعزا تصلُح ولا للعِرِسْ
فأينَ عيناكَ تنظر كيفَ فيها الفَرَسْ
تحكمْ وألسنةَ المدّاح فيها خُرُسْ
ويخلص الكرباسي وهو يستعرض آراء ونظريات حديثة وقديمة لأدباء سابقين ومعاصرين، الى ان الموال عراقي النشأة والاختلاف وقع في تحديد المدينة بين بغداد أو واسط أو الحويزة (من مدن خوزستان الإيرانية)، ولما كانت المدرسة الحويزية هي امتداد للمدرسة العراقية فالاختلاف ينحصر بين بغداد وواسط، وعند المحقق الكرباسي: “ان القول بان نواته نشأ في بغداد هو الوحيد المدعوم بالدليل والمثال، وأما القول بأنه واسطي أو حويزي فلا يكفي”. وعليه فان الثابت عند الكرباسي ان الموال نشأ تاريخيا في نهاية القرن الثاني الهجري، ذلك ان: “القول الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في هذه النقطة هو ما ذهب إليه السيوطي المتوفى عام 910 هـ الذي عضد كلامه بالمثال على أقل التقادير وقد حبك قصة الولادة بشكل معقول”.
ومن حيث الشخصية التي ينتسب إليها الموال فيرفض الكرباسي نسبته الى الملا جادر الزهيري من أهل واسط أو غيره ويعول على رواية السيوطي، لكنه لا ينفي: “احتمال أن جادر الزهيري قام بتطويره أو نشره، ومع هذا الاحتمال لا مجال للقول بأنه منسوب الى شخصية مجهولة يقال لها زهير أو ابن زهير أو الملقب بالزهيري”.، ومن حيث المفردات المستخدمة في وصف هذا النمط من الشعر فان الكاتب يميل الى القول: “بأن الأصل هو مواليا ثم خفف فأصبح موال ونشره جادر الزهيري فسمي في بعض المناطق بالزهيري أيضا”. وأما من حيث لهجة النشأة، فانه بدأ ملحونا لا لخوف الجارية من الإفصاح وتجنب غضب الخليفة على رثاء المغضوب عليه كما يذهب البعض الى هذا الرأي، وإنما: “الصحيح أن اللحن إنما وقع بسبب أنهن كن أعجميات كما أن البرامكة أنفسهم كانوا من بلخ”، التي فتحها عام 33 هـ الأحنف بن قيس التميمي (ت 67 هـ). ومن حيث بيئة النشأة فمن قال إنها نشأت في العهد العباسي فتكون البيئة البلاط الحاكم فيكون غرضه الرثاء ومن قال إنها بدأت في الحقول على يد العمال فيكون مختلف الأغراض.

تطور الموال
والظاهر من سياق تاريخ شعر الموال انه تطور في واسط مع انتقال النظم من الفصحى الملحونة الى اللهجة الدارجة، وفي بغداد انتشر بفضل الملا جادر الزهيري، وطوره المصريون، وعبر الأنباط انتشر الى الخليج ومن ثم الى الأقطار العربية، ولكل مجتمع عربي أسلوبه الإنشائي والغنائي.
ومن حيث التركيبة فان الموال بشكل عام يتكون من أربعة اشطر (بند وقفلة)، وينظم على بحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن)، ولكن بمرور الزمن طرأت على التركيبة تطورات يرصدها الكرباسي في مبحث خاص، ويرى: “ان الموال العراقي (المسبع ذو الجناس) جاء نتيجة تطور النايل الذي جاء مصطلحه بعد مصطلح الموال .. فالموال العراقي عرف بالزهيري دون أن يتخلى عن تسميته بالموال، وأما الموال الشائع في بلاد الشام وشمال أفريقيا فلم يطلق عليه اسم آخر ولكن عرف عند العراقيين بالنايل”. ويلاحظ ان الموال المربع ولد في القرن الثاني الهجري أما المسبع فقد ولد في القرن الثالث عشر الهجري، والموال المتكون من أربعة أشطر تكون الثلاثة فيه من قافية واحدة واستقل الرابع بقافية مغايرة، وقد تكون متشابهة القافية ويسمى بالموال المربع، ومن ذلك الموال الفلسطيني من نظم ابن العفيف علي بن محمد النابلسي (ت 813 هـ):
حمامة الدوح نوحي وآظهري ما بِكْ
وعدّدي وآندبي من فرقة آحبابِكْ
لا تكتمي وآشرحي لي بعض أوصابِكْ
أظن ما نابني في الحب قد نابِكْ
وهناك الموال الأعرج أو المخمس حيث تشترك الأشطر الثلاثة مع الخامس بالقافية نفسها، على ان هناك ما يشبه الموال الأعرج في المدرسة العراقية لدى شعراء لبنان ويسمى عندهم بالموال، وهناك الموال السداسي في قافية واحدة، وهناك الموال السداسي الأعرج حيث ينفرد الشطر الخامس بقافية مغايرة. وأما المشهور فهو الموال من سبعة أشطر ويطلق عليه الموال الزهيري أو النعماني حيث تأتي الأشطر الثلاثة الاولى مع الشطر السابع على قافية واحدة والثلاثة بعدها بقافية مغايرة، ويسمى الأخير بالرباط أو القفلة.
وهذا النمط من الموال الذي اشتهر به العراق هو قوام هذا الديوان المنظوم في الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة، ومن مواصفاته انه: ” يحتوي على سبعة أشطر كل ثلاثة منها متحدة الجناس، ويطلق على كل ثلاثة أشطر منها بنداً، وأما الشطر السابع فيقال له الرباط (القفلة) ويتحد الرباط في الجناس مع البند الأول دائما كما يتحد مع الشطر الأول من البند في دخول العلة وعدمها على تفعيلته الأخيرة ولكن لابد وأن يختلف محتوى جناسه عن جناسها رغم اتحاده معها في اللفظ”. فالأصل في الموال الزهيري ان يكون مؤلفا من بندين، وإذا لم تكتمل مفاصل القضية أو القصة يضيف الشاعر ما يشاء من البنود، وربما زاد البعض في البنود من باب المباراة الشعرية والتحدي الفني لصعوبة النظم على الموال لكثرة التزاماته، ومن المعروف أن كل ما كثر قيوده قل وجوده.
وهناك من نظم بالفصحى خلافا للمشهور، وهو في حد ذاته نقلة نوعية في إخراج شعر الموال من غموض مفرداته الدارجة، مع الإبقاء على جناسه المتحد اللفظ المختلف المعنى، ومن ذلك قول الشاعر العراقي أحمد بن حسن مطر:
نارٌ بجوف الحشا في دمعتي سائِلَهْ
تنثال من مقلتي مذهولة سائِلَة
هَلْ في الدُنا دولةٌ رغمُ الغِنى سائِلَه
جاوَبْتها دَوْلتي ما دامَ فيها مالْ
يَستَفُّهُ حاكمٌ عن كل خيرٍ مالْ
آلامنا أنْبَتت في يأسه الآمالْ
لكنما وَحْلُنا أمسى به أوْحَلْ
يبيعُ أو يشتري فينا مضى أوْحَلْ
وهو الذي لم يكن رَبْطٌ له أوْحَلْ
فالمال في أمسه قد كان رهنَ الهوى
ثم استوى مُسنداً للحكم لما هوى
وغارقٌ مثلهُ في سوق شمِّ الهوا
حتى دمانا لديه عُملةٌ سائِلَةْ
والجناس الأول في سائلة: من السيلان، والسؤال، والتسول. والجناس الثاني في مال: من الثروة، وعَدِلَ، وجمع الأمل. والجناس الثالث في أوحل: من الوحل وهو الطين، وحل بالمكان، وحل الخلاف. والجناس الرابع في الهوى: من الشهوة، وسقط، ومخفف الهواء. والرباط من السيولة في النقود.
وتطور الموال في أغراضه من الرثاء الى الغزل والمدح والشكوى والسياسة، وقل استعماله في الهجاء، كما كثر في الحكمة، ولذلك تضمن الرباط في معظمه مثلا شعبيا أو حكمة.

مقومات الموال
ولأن شعر الموال من السهل المستصعب، فان النظم فيه بحاجة الى مقدرة أدبية ومهارة في توظيف المفردة العربية وتطويعها بما يخدم الجناس والتورية وإيصال الرسالة من الموال وغرضه، وحتى يكون الموال على درجة عالية من الجودة، وجد الشاعر والعروضي الدكتور محمد صادق الكرباسي أنه لابد من ملاحظة أمور عدة، أهمها:
أولا: ضبط الجناس لتلافي تكرار المادة.
ثانيا: مراعاة قلة التحريف في الجناس، لما لوضوح الكلمة من قوة في إيصال المعنى دون تعقيد.
ثالثا: مراعاة تخفيف كلمة الجناس بما لا يجعلها عصية على الفهم.
رابعا: مراعاة استخدام المعنى الواضح لجناس الرباط (القفلة).
خامسا: مراعاة انسجام كلمات الجناس في كل بند وسلاستها.
سادسا: تجنب الزحاف في أشطر الموال.
سابعا: عدم التكلف في النظم، وتوخي الدقة والحسن في اختيار الغرض، لان سهولة الوصول الى المعنى من المفردة الدارجة يسهل تلقيها وحفظ الشعر والتغني به.
ثامنا: ان يستوفي الموال غرضه بخاصة في الموال ذي البندين ورباطه (سبعة أشطر)، وإلا احتاج الى بند آخر حتى يتم الغرض وتكتمل أركان الموال.
تاسعا: مراعاة تضمين الموال مثلا أو حكمة معروفة، لان التضمين يدفع بالموال الى الفهم السريع والحفظ السريع لبداهة استحضار ذهنية المستمع وعقله الباطني الى المثل أو الحكمة.
عاشرا: عدم الاستغراق في المفردات المحلية الدارجة، وإنما تبني الحالة البرزخية بين الفصحى والدارج كما كان عليه الموال في نشأته الأولى.
على ان النقاط العشر هذه وغيرها لا تقتصر على شعر الموال، بل تنسحب الى كامل المنظوم باللغة الدارجة.

المدرسة العراقية
لاحظ المؤلف ان عدد الناظمين في النهضة الحسينية من الموال هم أقل من 50 شاعرا، وهذا الرقم جد قليل، لحداثة النظم على نمط الموال الزهيري أو انه حديث النظم في الجانب الحسيني: “والظاهر أن الجمع بينهما هو أقرب الى الواقع”. وانحصرت الحدود الجغرافية للموال في وسط العراق النجف والكاظمية وكربلاء وبغداد وأما خوزستان لوحظ فيها امتداداها الطبيعي للموال العراقي. أما من حيث نسبة عدد الشعراء الى عدد المواويل فان: “الشعر الكاظمي يأتي في الرتبة الاولى ثم الكربلائي ثم النجفي ثم البغدادي والخوزستاني وأخيرا الكوفي”.
ولأن النظم فيه صعوبة فان الكرباسي لاحظ اقتصار نظم الشعراء على ثماني عشرة قافية من القوافي العربية الثلاثين (بإضافة الكاف الفارسية والجيم الثلاثية)، وتركوا البقية: “لينظم عليها الحاج جابر الكاظمي بطلب منا فجزاه الله خيرا”.
وخلال دراسته لشعر الموال الحسيني أفرز المحقق الكرباسي ثلاثة اتجاهات أو بالاحرى ثلاث مدارس لكل واحدة اتجاهها، وهي المدرسة النجفية، وهي أقواها. والمدرسة الكربلائية والمدرسة الكاظمية. وأعرض المؤلف عن: “الاتجاه البغدادي لقلة نظمهم في القضية الحسينية وأما سبب إعراضنا عن الموال الخوزستاني فلحداثته ولتبعيته لإحدى الاتجاهات الثلاثة”.
وتمثل الاتجاه النجفي بالشاعر عبود بن غفلة الشمرتي المتوفى عام 1356 هـ، ويتصف بخصائص عدة، أهمها:
1- استخدام المرادفات اللفظية بدلا من التكرار، مثل مرادفات السيف أو الرمح.
2- ميله الى الحسچة (الدارج) أكثر منه الى الفصحى.
3- قوة الاختيار للمعاني والأغراض مما ولّد عنده قوة التعبير.
ومن شعر عبود غفلة الشمرتي:
هيهات مُغرَمْ شبيهي أوْ بالحِسَين آمصابْ
وِبْنَبْل الأحزانْ مجروح آو دِليلي آمصابْ
صبِّ آلوِسَنْ مَدمَعي فوگِ آلخِدود آمصابْ
لا دِمَه آوْ لا ماي لاچن فيضْ همِّ وَسَمْ
نِرْجو آبقِصَصْنَه يِلَوِّحْ بالقيامةْ وَسَمْ
هاي الصحيفة رِسَمْنَه آلْها تَحِيَّة وِسَمْ
جَمرِ آبْحَشَه آلجعفرية آشلونْ جمر آمصاب
والجناس الأول في أمصاب: من الصبابة وهي الشوق ورقة الهوى والولع الشديد، ومن الإصابة، ومن صب الدمع ونحوه إذا جرى. والجناس الثاني في وسم: من المادة القاتلة السم، ومن تخفيف الوسام وهو نيشان يعلق على صدر المتفوق، ومن تخفيف واسم اراد به اسم ديوانه (جمر المصاب).
أما الاتجاه الكربلائي فيتمثل بالشاعر كاظم بن حسون المنظور المتوفى عام 1394 هـ، ويتصف بخصائص عدة، أهمها:
1- استخدام المفردات السلسلة وسهلة الفهم والتلقي وتجنب التعقيد والغموض.
2- استخدام الجناس الواضح.
3- سلاسة الانتقال من بند الى آخر.
4- غلبة الغرض الولائي وحب أهل البيت (ع) على غيره.
5- الوسطية في استعمال المفردات والألفاظ بين الحسچة والفصحى. ويلاحظ ان هذه البرزخية صفة عامة: “إلتزمها منظور ليس في موالاته فقط، بل في كل شعره الشعبي فلم يتخطها فأصبح نمطا خاصا به”.
ومن شعر المنظور مخاطبا الإمام الحسين (ع):
يَحْسَينْ اِنتَ الحِزِتْ حُسْنِ النَّبي وَالصِّفَه
وَصْفَكْ الرَّحمانْ بآياتْ اِلْصُّحُفْ وَصَّفَه
حُبَّكْ عَلَينَه فَرِضْ رَبِّ اِلْعُلَى وَصَّفَه
وِمْصابَك آلْزَلْزَلُ اِلْْعَرِشِ آبْسَماهِ وْرَجَه
لْعَودَكْ اِلْباري عَلَى سِرَّ اِلْخَفِي وَرَّجَه
إيْ وَحَگْ مَكَّة وُمْنَى ثُمَّ الْحَجَرْ وَالصَّفَه
والجناس الأول في وصفه: من تخفيف والصفة بمعنى السجية، ومن وصف الشيء إذا نعته، ومن تخفيف أوصى فيه من الوصية. والجناس الثاني في ورجه: من رج الشيء إذا هزه، ومن تخفيف والرجاء بمعنى الأمل، ومن تحريف وتخفيف ويريه حيث تقلب الجيم ياءاً.
وتمثل الاتجاه الكاظمي بالشاعر عبد الحسن بن محمد الكاظمي المتوفى عام 1418 هـ، ويتصف مواله بخصائص عدة، أهمها:
1- الاعتناء بالمفردة أكثر من المعنى.
2- تفضيل المدح من بين الأغراض الشعرية.
3- الالتزام بوحدة الموضوع في الموال.
4- الميل الى الفصحى أكثر من الدارج، ولعله لقربه من العاصمة بغداد.
ومن شعر عبد الحسن الكاظمي مباريا قول الشاعر جعفر بن محمد الحلي (ت 1315 هـ) من البسيط:
العاصر الخمر من لؤم بعنصره ** ومن خساسة طبع يعصر الودكا
زَلْزَلْ جِبالِ اِلرّواسي اِلْيومْ هَمّي وَدَكْ
بالَكْ تِجافي الأهَلْ يا صاحْ تِنْسَه وَدَكْ
إسْعى عَلَى العَينْ لِربوعْ اِلمعالي وَدَكْ
لا لا تِخَلْ عالنَّفِس مِنِّ اِلْعَواذِلْ لَومْ
شَمْلِ الأخِلَّه اِلْوفَه دَوم اِلشَّمِلْهُمْ لَومْ
عادي اِلْيِعْصرِ الخَمُرْ ذاكِ آبْعُنُصْرَه لَومْ
مَن خِسِّ طَبْعَه يزيدِ النَّذِلْ يِعْصِرْ وَدكْ
والجناس الأول في ودك: من دك الحائط إذا هدمه، ومن الود بمعنى الحب، ومن تخفيف دونك وهي اسم فعل بمعنى خذ. والجناس الثاني في لوم: من اللوم بمعنى العتاب، ومن لمّ الشيء إذا جمعه، ومن اللؤم والخساسة. والرباط في ودك من ودك الميتة وهو ما يسيل منها.

المدرسة التوفيقية
ويقرر الكرباسي ان: “الموال لصعوبة نظمه يعتبر موردا من موارد تقييم الشاعر إذ قلما ينظم على وتيرة واحدة دون ان يخلط بين الاتجاهات الأدبية وهنا تكمن قوة النظم لدى هؤلاء الشعراء الثلاثة (الشمرتي والمنظور والكاظمي) حيث حافظ كل منهم على اتجاهه دون تكلف”.
ويعتقد ان الجيل الثاني من ناظمي الموال لم يستطع انتهاج احد الاتجاهات والتفوق فيه، لكنه يشار الى الأديب المبدع جابر بن جليل الكاظمي، بوصفه الشاعر الذي نجح: “بالتوفيق بين تلك الاتجاهات السابقة ويختار منها موارد القوة مع مراعاة ما يناسب عصره لينتهج المنهاج التالي ويستقل بلغته الخاصة تختلف في مجملها مع تلك الاتجاهات”، ويلاحظ على موالات جابر الكاظمي أمور عدة، أهمها:
أولا: استخدام المفردات الحديثة والفصحى في إطار “الحسچة” وبروحها، وهذا عائد الى انتشار الشعر الحسيني خارج العراق والاحتكاك مع ثقافات عربية محلية يتطلب معها استخدام مفردات مفهومة.
ثانيا: اختار الرثاء من بين الاغراض، وهذا الاختيار بتقدير الكرباسي فذلكة من الكاظمي: “حيث وجد أن ظاهرة الحزن هو الطابع العام في الشعر الحسيني وهو مفقود في الموال الحسيني بشكل عام”.
ثالثا: اصطبغ موال الكاظمي بالسلاسة التي عليها شعر المنظور وهذا عائد حسب الكرباسي الى عامل معاشرة الكاظمي للمنظور معاشرة التتلمذ، واقبال الناس على الشعر السلس.
رابعا: اختيار الجناس الأكثر وضوحا كما هو عند المنظور.
خامسا: اختيار وحدة الموضوع كما هو عند عبد الحسن الكاظمي.
سادسا: الجمالية في الصورة الشعرية وحسن التعبير وترابط المفردات كما هو عند عبود غفلة الشمرتي.
سابعا: ويمتاز الكاظمي في الموال وفي غيره تضمينه للآيات والاحاديث ومعانيهما.
وامتاز الكاظمي عميد الشعر العربي الدارج على غيره من السابقين والمعاصرين أن نظم الموال الحسيني بكل الحروف الهجائية، فضلا عن الجودة والعدد حيث بلغت مواويله الحسينية نحو 40 موالا.
ومن شعر الكاظمي عن لسان السيدة زينب (ع) مخاطبة أخاها الإمام الحسين (ع) وتشير الى الطفل الرضيع عبد الله بن الحسين (ع) الذي ذبح في واقعة كربلاء عام 61 هـ بسهم حرملة بن كاهل الأسدي (ت 66 هـ):
يا ساعة دِنْياي مِنْ غَيم النّوايبْ تِصِح
وِآعْضاي يا يَومْ مِنْ عِلَّةْ زماني تِصِح
ما آنْسَه يومِ آلإِجَتْ زَينَبْ لَخُوها تِصِح
وِتْنادي يا رَيتْ ميعادِ آلمِنايَة يِحِنْ
عآلطِّفِلْ يَحْسَينْ لِتْظِنْ گَلُبْ خَصْمَكْ يِحِنْ
عبد الله مِنِّ آلْعَطَشْ يابِسْ لسانَه يِحِنْ
إو لا گَطْرَه مِنْ مايْ عِدْنَه بِآلمُخَيَّمْ تِصِح
والجناس الأول في تصح: من صحا اليوم إذا صفا ولم يكن فيه غيم، ومن الصحة، ومن تخفيف تصيح بمعنى تنادي. والجناس الثاني في يحن: من تخفيف يحين من حان الوقت إذا أزف، ومن الحنان بمعنى الرحمة، ومن الحنين وهو التصويت عن بكاء. والرباط في تصح بمعنى يتيسر.

مرجع علمي وأدبي
ضم الديوان 149 قصيدة موال لـ (47) شاعرا، وهم حسب الترتيب الهجائي: إبراهيم الخنيفري (ق 15 هـ)، أبو شيماء المياحي (ق 15 هـ)، أبو محمد المياحي (ق 15 هـ)، احمد جليل غلوم (ق 15 هـ)، جابر جليل الكاظمي (ق 15 هـ)، جابر مروان القصاب (ق 14 هـ)، جابر تقي الكاظمي (ت 1420 هـ)، حسون العنكوشي (ق 14 هـ)، خلاف حسن العفراوي (ق 15 هـ)، رسول السماك (ق 14 هـ)، زاير علي الدويچ (ت 1329 هـ)، ستار الرماح (ق 14 هـ)، سعيد كاظم الصافي (ق 15 هـ)، سلمان محمد الشكرجي (ت 1397 هـ)، عباس جاسم الطائي (ق 15 هـ)، عباس غانم المشعل (ق 15 هـ)، عبد الأمير جواد النيار (ت 1418 هـ)، عبد الأمير حسن التميمي (ت 1376 هـ)، عبد الأمير علي الفتلاوي (ت 1380 هـ)، عبد الأمير محمد المرشد (ق 15 هـ)، عبد الحسن محمد الكاظمي (ت 1418 هـ)، عبد الحسين حسن أبو شبع (ت 1399 هـ)، عبد الرحيم حسن أبو عليوي (ق 15 هـ)، عبد السادة حبيب الديراوي (ق 15 هـ)، عبد الستار جليل الكاظمي (ق 15 هـ)، عبد الصاحب ناصر الريحاني (ق 15 هـ)، عبد الكريم مصطفى العلاف (ت 1389 هـ)، عبد الهادي جبارة النجفي (ق 15 هـ)، عبد الواحد مهدي معلّة (ق 15 هـ)، عبد الوهاب عبد الرزاق الكناني (ق 15 هـ)، عبود حسين الكرخي (ت 1365 هـ)، عبود غفلة الشمرتي (ت 1356 هـ)، عودة ضاحي التميمي (ق 15 هـ)، فاضل مهدي المعمار (ق 15 هـ)، فالح العامري (ق 15 هـ)، كاظم حسن سبتي (ت 1342 هـ)، كاظم حسون المنظور (ت 1394 هـ)، كاظم عبد الحمزة السلامي (ت 1391 هـ)، أبو ظاهر محسن حسن الطويرجاوي (ق 15 هـ)، أبو مؤيد محمد قاسم الچراخ (ت 1419 هـ)، مرتضى محسن السندي (ق 15هـ)، منسي حداء البناء (ت 1399 هـ)، مهدي حسن الخضري (ت 1347 هـ)، مهدي راضي الأعرجي (ت 1358 هـ)، مهدي عبد الحسين عنعون (ق 15 هـ)، هادي عبد القصاب (ت 1401 هـ)، وهادي محمد الثويني (ق 15 هـ).
والى جانب 35 فهرسا في أبواب مختلفة تعين القارئ والباحث على اقتناص المعلومة بطرق ميسرة، ضم الكتاب قراءة أدبية لديوان الموال (الزهيري) بقلم الأديب اللبناني الدرزي الدكتور شوقي أنيس عمار، وجد ان الديوان بما فيه من بحوث عالية المضامين: “يشكل مرجعا علميا (بمعنى البحث والتوثيق والتحليل) وأدبيا (بمعنى الجوهر والشكل واستعمال اللغة)”، ولفتت الهوامش الكثيرة انتباه الدكتور شوقي أنيس بوصفها أمانة علمية وأدبية لا يتخلى عنها الباحث المنصف والمدقق الحصيف، ولذلك: “فان حرص الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي على الأمانة وإعطاء كل ذي حق حقه، وان دل فهو يدلّ على أصالته وإنسانيته واحترام الآخرين وعدم تعريض ذمّته لأي التباس أو اكتساب حرام وغير مشروع (لا سمح الله) وهذا هو الإسلام أو المسيحية، فالدين معاملة بالصدق وبالأمانة قبل كل شيء”.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk

تعليق واحد

  1. فاضل الشمرتي

    شكرا لكل من كتب وقرا اشعار المرحوم عبود غفله لانه بحق شاعر ليس له مثيل بالتاريخ لما نقرا شعره ننبهر بحق وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *