الرئيسية » مقالات » الماركسية والايكولوجيا ماركس – دارون – أبيقور -2-

الماركسية والايكولوجيا ماركس – دارون – أبيقور -2-

أشار الباحثان ساندرا هيربرت وبول باريت، في تقديمهما لدفتر الملاحظات (م) الى ان دارون ” كان متحمسا للمادية، ومدافعا عن ان الافكار تنبع من الاحاسيس”[16]. ونقرأ لدراون محاورا نفسه ” أليس الذكاء هو مجرد منظومة مضاف اليها وعي غامض؟” او كما ذكر في دفتر الملاحظات (ج): ” طالما ان الفكر- او الرغبات اذا شئنا الدقة- وراثي، فإن من الصعب تخيله اكثر من بنية موروثة للدماغ….آه ايها المادي!”[17]

لقد كانت هذه الافكار المادية تمثل القلب النابض لنظرية دارون عن تحول الانواع. اذ نقرأ له ” يقول افلاطون في الفايدو Phaedo [18] ان افكارنا الضرورية تنشأ من ما قبل وجود الروح، ولا يمكن اشتقاقها من التجربة – اقرأ القرود لما قبل الوجود” [19].

ويذكر ايضا، متفقا مع فرانسيس بيكون، ان اية محاججة تتحدث عن العلل النهائية في الطبيعة انما هي محاججة عاقر مثلها مثل العذراء التي تكرس نفسها لخدمة الرب فانها لن تنجب ابدا. ويعلق في نفس السياق على ماركوس الذي ينطلق من العلل النهائية في نظريته ” سأكون شاذا لو تكلمت عن العلل النهائية: تأمل هذا يا ماركوس! انظر الى العذارى العاقرات” [20].

لقد كان دارون واعيا تماما لامكانية اتهامه بالهرطقة وكان يعيش حالة من الصراع الداخلي حول ما اذا كانت المادية ستقوده الى الالحاد، لكنه حسم امره اخيرا بانها ليست ضرورة حتمية [21]. ففي ايام دارون كانت المادية، في نظر العامة من الناس، لا ترتبط فقط بالالحاد، بل انها ايديولوجية فرنسا الثورية. وكانت ثمة قوانين صارمة ضد اصحاب الافكار الجديدة، ولهذا قرر دارون الابتعاد عن كل ما يمكن ان يعرضه لغضب السلطات وخصوصا الكنيسة [22]. ولجعل افكاره خارج اطار الدوائر الفكرية المغضوب عليها، استخدم دارون اسلوب اللف والدوران للتمويه على افكاره المادية فيكتب ” لكي اتجنب الاعلان عن ايماني بالمادية، ساقول ان العواطف والفطرة ودرجة الذكاء، وكلها صفات وراثية، تعود الى ان دماغ الطفل يشبه دماغ الابوين” [23].

لقد ادرك دارون ان افكاره السابحة ضد التيار ستعتبر هرطقة لانها تخلع عرش الغائية الدينية، وترفض افكار مركزية الانسان في الكون – بالصيغة التي تقول بان العالم كله قد خلق من اجل ” الانسان” وان لا صلة للعقل بالمادة. فقد قللت افكاره من منزلة الانسان باعتباره قد انحدر من نوع آخر ” اوطئ” او ” ادنى” منزلة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، رفعت من منزلة الانواع الاخرى من الكائنات، ضمن علاقتها بالبشر. فللحيوانات في نظره ذكاء وعقل ايضا لكنهما محدودان.

لم يكن دارون يشك في ردة فعل الكنيسة على افكاره المادية، لهذا فقد سعى جاهدا الى وضع صياغات مبهمة، حمالة اوجه، لكي يتفادي غضب الكنيسة. ولتوضيح ما اقصده هنا دعونا نقرأ الفقرة التالية: ” لو مات جميع البشر، ستصبح القرود هي البشر، وسيغدو البشر ملائكة” [24]. ان هذه الصيغة التي تبدو للوهلة الاولى تأكيدا لمفهوم ميزان الطبيعة حيث الانسان في وسطه وبقية الحيوانات ادنى منه والملائكة اعلى منزلة منه، وهو ما يتفق مع نظرة الكنيسة. لكنها، اي الصيغة، تؤكد ايضا على ان الانسان يتطور، وهو خاضع لعملية التطور بصورة مستمرة، فلا يبقى على حالة ثابتة، ساكنة، وبالتالي فانه من الممكن، ضمنيا، ان يكون الانسان نتاجا لتطور او ارتقاء لحيوانات ادنى تطورا (القرود مثلا)، وبفعل الصدفة او الانتقاء الطبيعي ( الموت المفاجئ لكل البشر).

وضمن مسعاه لدرء وتفادي المواجهة مع الكنيسة عمد دارون الى الكشف عن افكاره ونشرها بصورة تدريجية، بادئا بالبسيطة منها وتاركا الاخطر الى الاخير. اذ لم يتطرق دارون الى مسألة تطور الانسان في الطبعة الاولى من مؤلفه ” اصل الانواع” المنشور عام 1859، ثم عالجها بعد 12 عاما في مؤلفه ” اصل الانسان ” عام 1871، بعد ان هدأت السجالات حول مؤلفه الاول. ثم عالج موضوعة التواصل في عقول وعواطف البشر والحيوان، بصورة مادية، في مؤلفه ” التعبير عن العواطف عند الانسان والحيوان” المنشور عام 1872 حيث دحض فيه المفاهيم القائلة بان كل ما على الارض هو من اجل الانسان فقط ، فحسب رأيه، فان الحيوانات جميعا، بما فيها الانسان، تشترك في علاقات مادية وتخضع لقوانين التطور. ويشير الباحث المختص بالدارونية، جون دوران، الى ان ” دارون قد عرض اراءه حول الطبيعة والطبيعة الانسانية، ضمن رؤية ارحب لعالم نشط ، بشكل متواصل، في توليد اشكال جديدة للحياة والعقل. وهي اراء مادية مثلت مذهب طبيعي سعى الى انسنة الطبيعة وتطبيع الانسان. [25].

المادية وماركس الشاب

لم يكن دارون وحيدا في صراعه الداخلي بين ما هو مقتنع به من الاراء التدرجية (evolution) والمادية وبين السائد من الافكار. فقد كان هناك شاب الماني يصغر دارون بتسعة سنوات، يعاني هو الاخر، ولكن باسلوب مختلف تماما، اذ كان يسعى الى تحرير نفسه من قيود النظرة المثالية ، اللاهوتية من حيث الجوهر، للفلسفة الالمانية.

لقدكان ماركس الشاب، الطالب في برلين، متأثرا بنفوذ المنظومة الفلسفية المثالية لهيغل، التي سعت الى تفسير تطور الروح ( او العقل) في التاريخ. الا ان سيرة ماركس تقول بان اول عمل نظري، متكامل ، له كان اطروحة الدكتوراه التي حملت عنوان ” التمايز بين فلسفتي ديمقريطس وابيقور حول الطبيعة، مع ملحق” (كتبت بين عامي 1840-1841) حيث ينطلق فيها ماركس من موقف فكري يقف الى يسار هيغل ثم يتجاوزه بسرعة عبر طرحه لموضوعة الصراع والتناقض بين الفلسفة التأملية (او المثالية) وبين المادية. [26].

لابد من الاشارة هنا الى ان الاطروحة لم تصلنا كاملة، فقد ضاع منها الفصلين الاخيرين (الرابع والخامس) من الجزء الاول، وفقا لثبت المحتويات. وكان عنوان الفصل الرابع ” التمايز العام في المبدأ بين فلسفتي ديمقريطس وابيقور حول الطبيعة” وعنوان الفصل الخامس ” النتيجة”. ولحسن الحظ فقد حفظ لنا التاريخ ملاحظات ماركس التمهيدية للفصل الرابع. زد على ذلك فقد ضاع الملحق ايضا باستثناء شظية واحدة حملت عنوان ” نقد ملحمة بلوتارخ الشعرية ضد لاهوتية ابيقور” لكننا لا زلنا نمتلك الملاحظات التمهيدية للملحق.

تشير معظم الدراسات التي عالجت اطروحة ماركس الى ان سبب انجذاب ماركس وغيره من الهيغليين الشباب الى الفلسفات الهيلينية القديمة ( الرواقية، الابيقورية، والشكية) يعود، ببساطة شديدة، الى ان هذه الفلسفات قد جائت في اعقاب فلسفة ارسطو الكلية، وهو ما يشبه تماما موقف الهيغليين الشباب الذي جاؤا في اعقاب فلسفة هيغل الكلية. وبالتالي، فقد قادونا الى الاعتقاد، بان ماركس لم يكن مهتما كثيرا بمحتوى الفلسفة الابيقورية الا بمقدار ما كانت تمثله من “روح” متماثلة مع موقفه من الفلسفة الهيغلية. واضافوا الى طروحاتهم هذه فرضية اخرى تقول بان ماركس كان ملتزما بالنظرة الهيغيلية للعالم ساعة كتابته للاطروحة. وعليه جرى اعتبار ان بحث ماركس انما هو محاولة لوصف ديالكتيك ابيقوري للوعي الذاتي، وجرى اهمال كامل علاقة الابيقورية بحركة التنوير،عموما، وبالمادية البريطانية والفرنسية بشكل خاص، كما لو انها لم تخطر على بال ماركس مطلقا. [27].

ففي مؤلفه ” ماركس قبل الماركسية” يصر ديفيد ماكليلان على اعتبار ان ماركس لم يتجاوز النظرة الهيغيلية في اطروحة الدكتوراه[28]. وهي نظرة مشابهة نوعا ما الى نظرة فرانز ميهرنغ في مؤلفه الشهير ” سيرة ماركس” حيث يشير الى ان ماركس في الاطروحة ” لا يزال يقف كلية على الاسس الايديولوجية للفلسفة الهيغيلية” [29]. ودليله الوحيد على ذلك موقف ماركس ” السلبي من المادية الميكانيكية لديموقريطس” [30] في حين انه امتدح النموذج المادي لابيقور لانه يشدد على النشاط الحر. ان تقدير ماركس لابيقور، سواء في الاطروحة، او في كتاباته اللاحقة، انما يشير الى علاقة ماركس بالمادية منذ بواكير نشاطه الفكري وهو غير ما اعتدنا عليه.

لقد اكد ماركس في اطروحته على ان ابيقورهو ” اعظم مستنير اغريقي” [31] ثم واصل في كتاباته اللاحقة اعتبار ابيقور وفلسفته الاساس لجميع مفكري القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولهذا السبب لن نجاف الواقع في تأكيدنا على التفسير التقليدي لاطروحة ماركس لن يصمد كثيرا فيما لو نظرنا الى المناخ الفكري الرحب الذي كتبت خلاله . ولا بأس هنا من ايراد مقطع من احدى قصائد ماركس القصيرة التي كتبها عام 1837 لاثبات نزوعه وميله الى الافكار المادية لحظة كتابته للاطروحة (مع الاعتذار من الشعراء لضعفي في الشعر واوزانه) : يحلق كانط وفيخته بعيدا في السماء الزرقاء بحثا عن ارض بعيدة/ اما انا فافضل امساك الحقيقة التي اجدها في الشارع [32].

لقد كانت اطروحة الدكتوراه، بخلاف التفسير التقليدي لها ، جهدا لاستيعاب تطبيقات الديالكتيك المادي للفيلسوف ابيقور، من زاوية المنظومة الفلسفية الهيغيلية، واحيانا من زاوية تتجاوز هذه المنظومة. كما انها كانت محاولة، غير مباشرة، لفهم التأثير العظيم لفلسفة ابيقور على المادية البريطانية والفرنسية. فقد اطلع ماركس على مدى تأثير ابيقور على افكار فرانسيس بيكون خلال دراسته للاخير عام 1837، وكان قد كتب سبعة دفاتر للملاحظات حول الفلسفة الابيقورية تمهيدا لكتابة الاطروحة عام 1839. واستمر اهتمام ماركس بابيقور لاحقا حيث نجد صداه في ” العائلة المقدسة 1845″ وفي ” الايديولوجيا الالمانية 1846″.

ان قرار ماركس في اختيار ابيقور موضوعا للاطروحة كان ” اكبر انعطافة عن الهيغيلية… فاهتمام ماركس بابيقور كان مرده النزعة الطبيعية لفلسفة ابيقور وتجسيدها للحرية الفكرية والحرية الحسية….ففي فلسفة ابيقور يتحرر الانسان من الخرافات والخوف ويغدو قادرا على صنع سعادته ” [33].

لقد كان ماركس مهتما بالمادية منذ كتابته لاطروحة الدكتوراه، و”اعتبر ان المفهوم الابيقوري عن النشاط الحر من اعظم مساهمات ابيقور في المادية [34].

وللموضوع بقية

[16] ساندرا هيربرت و بول باريت، “مقدمة لدفتر الملاحظات م”، في دارون، دفاتر الملاحظات 1836-1844، ص 519
[17] دارون، دفاتر الملاحظات 1836-1844، ص 291، 638.
[18] الفايدو هي احد مسرحيات افلاطون كتبها حوالي عام 360 قبل الميلاد. يمكن الاطلاع على النص الانجليزي لها على الرابط التالي:
http://classics.mit.edu/plato/phaedo.html
[19] دارون، دفاتر الملاحظات 1836-1844، ص 551.
[20] المصدر السابق، ص 637.
[21] المصدر السابق، ص 614.
[22] جيمس مور، الارث الدارويني، اعداد ديفيد كوهن، جامعة برنكتون 1985، ص 452.
[23] دارون، دفاتر الملاحظات 1836-1844، ص 532-533.
[24] المصدر السابق، ص 213.
[25] جون دوران، ” سمو الطبيعة في انحدار الانسان عند دارون” في ” الارث الدارويني” مصدر سابق،ص 301.
[26] ماركس- انجلز، المؤلفات الكاملة، المجلد 1. يمكن الاطلاع على نسخة الكترونية منها على الرابط التالي:
http://www.marxists.org/archive/marx/works/1841/dr-theses/index.htm
[27] هـنري آدم، “كارل ماركس في كتاباته المبكرة” لندن 1940، ص 27-41.
[28] ديفيد ماكليلان، ” ماركس قبل الماركسية” ، نيويورك 1970، ص 52-68.
[29] فرانز ميهرنغ، “سيرة ماركس” النسخة الالكترونية عن دار الطليعة، ص 13. يمكن الحصول على النسخة الالكترونية على الرابط التالي:
http://www.almounadi-a.info
[30] المصدر السابق.
[31] المصدر السابق.
[32] ماركس – انجلز، الملالفات الكاملة، المجلد 1، ص 577.
[33] جيمس وايت، “كارل ماركس والاصول الفكرية للمادية الديالكتيكية”، نيويورك 1996، ص 42.
[34] نورمان ليفرغود، النشاط في الفلسفة الماركسية” هيج: مارتينوس نيجهوف 1967.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *