الرئيسية » بيستون » تأريخ التهجير القسري في العراق المعاصر…الأكراد الفيلية نموذجاً

تأريخ التهجير القسري في العراق المعاصر…الأكراد الفيلية نموذجاً

27/11/2007
 
عملاً بحرية الرد والتصويب، نشرت جريدة الصباح بعددها (1257) في 18/11/2007 ضمن صفحة (أراء) مقالة بعنوان “الأبعاد التأريخية للهجرة والتهجير” بقلم الأستاذ {راسم قاسم} والذي تناول ملفاً ساخناً وحديث الشارع اليوم في ظل تسلسل تأريخي وهو جهد مشكور للأخ العزيز، وعليه فعند التطرق لمثل هذه المسائل المهمة لا بد من الحديث بموضوعية وأمانة وإنصاف لكون العدالة لا يمكن أن تتجزء بأي حال، وخاصةً ما يتعلق بقضايا الحقوق والحريات، وعذراً لأخينا الكاتب فهو لم يشير لا من قريب أو بعيد إلى قضية الأكراد الفيلية وإمتدادتها التأريخية وكأنها غير موجودة بالمرة..ولم يعرج عليها بعبارة واحدة..مما يعد تشويه للحقائق التأريخية الثابتة والموثقة رسمياً داخل العراق وخارجه في المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومنظمات الهجرة واللأجئين وحقوق الأنسان…وهنا سؤال أساسي يطرح من تلقاء ذاته..لماذا هذا التجاهل؟ أمتعمد أم غير متعمد! فهل نسيت التهجيرات التي وقعت بحق هذه الشريحة المضطهدة وحجم معاناتها ومأساتها ومظلوميتها التي ترسخت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي وطيلة فترات الحكومات المتعاقبة بدون إستثناء سوى فترة بسيطة بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، وتجسد ذلك بصدور قانون الجنسية العراقية الجائر رقم (42) لسنة 1924 وفق معاهدة لوزان وقبل نفاذ الدستور الملكي لعام 1925، حيث حُدد مفهوم الجنسية الشاذ على أساس الأصل بدلاً من مبدأ المواطنة حسب الأرض أو الولادة، فكان هذا القانون المشؤوم بمثابة نقطة البداية في سلسلة طويلة لا حصر لها من التشريعات الظالمة التي مهدت الطريق مستقبلاً لأكبر عملية تهجير قسري وتسببت بقلع أكثر من نصف مليون كردي فيلي من جذورهم العريقة منذ الأف السنين ورميهم دون رحمة أو رأفة على الحدود العراقية الإيرانية بين حقول الألغام كحطب للحرب ووقودها المستعر إضافةً إلى مصادرة أموالهم وعقاراتهم وحجز أكثر من خمسة عشر ألف شاب يافع من أبنائهم وتغييبهم في غياهب المعتقلات الرهيبة بلا ذنب أو محاكمة التي لم تثني عزمهم وثباتهم للثورة بوجه الطغيان والجبروت وفي أوج قوته وبأسه ليسطروا ملحمة إنتفاضة السجون المجيدة أوائل الثمانيات في معتقل أبي غريب ومنفى نقرة السلمان الصحرواي والتي هزت الضمير والوجدان العالمي قبل غيره وفي ظل تعتيم إعلامي صاحبه شراء للذمم الرخيصة وكتم الأصوات الحرة الشريفة، وهذا كله بمقتضى قرار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة “المُنحل” رقم (666) لسنة 1980 السيء الصيت الذي بقي نافذاً لحين صدور قانون إدارة الدولة المؤقت لعام 2004 وإلغائه بموجب المادة (11/الفقرة هـ)، علاوة على الكثير من القوانين التي صدرت خلال الحقبة السوداء من تأريخ العراق المظلم وكان للأكراد الفيلية حصة الأسد منها بالقهر والجور والإرهاب وعلى مراحل متعددة وأولها أثناء فترة الأربعينات وشهدت تهجير محدود النطاق وبعد وقوع إنقلاب 8 شباط الأسود 1963 أضطر الكثير من الفيلية للهرب خارج البلاد تحت جنح الظلام الدامس أو إلى ربوع كردستان بسبب مواقفهم الوطنية ومقاومتهم البطولية للإنقلابيين الفاشيين وما نتج عنه من (سحل، وإعدام فوري، وتعذيب، وملاحقة وحشية، وإعتقال كيفي) مع تشريع قانون جديد للجنسية بعد ثلاثة أشهر فقط من الإنقلاب ذي الرقم (43) لسنة 1963 وكان أكثر وطأة من سابقه وموجهً ضدهم بالدرجة الأساس، وكلما تقدمت السنين أشدد الخناق على الأكراد الفيلية، وبالتالي أزدادت محنتهم تصاعدياً تبعاً لذلك، وكانت مخططات البعثيين النازيين التي تأجلت بسبب خروجهم من السلطة في 18/11/1963 ولحين عودتهم مجدداً بالمكر والخديعة في إنقلاب 17/7/1968 فجاء وقت تصفية الحساب لكل من تصدى لهم وعلى رأسهم الفيلية فهجر منهم أكثر من سبعين ألف شخص خلال الأعوام (1969-1970-1971)، وما هز مضاجع البعث المقيت في الصميم ما أقامه الفيليين من إحتفالات شعبية عارمة تجسد روح التلاحم والوحدة والتأخي بين أبناء الوطن الواحد، حيث خرج منهم الجموع المؤلفة إلى شوارع العاصمة بغداد تقدر بنصف مليون شخص ولأيام عدة تخليداً لتوقيع إتفاقية 11 أذار 1970 بين الحكومة والحركة الكردية والتي إنتكست أثر إبرام إتفاقية الجزائر/1975 وعليه أجُليت العشائر الفيلية من قراها الآمنة الواقعة على الشريط الحدودي مع إيران نتيجة دعمها للحركة الكردية فكانت ظاهرة مُلفتة للنزوح الداخلي قسرياً ولم يسمح لهم بحمل متاعهم وأموالهم وصودرت أراضيهم وممتلكاتهم دون تعويض، وما أن حل عام 1980 حتى وقعت التهجيرات العظمى بحق الفيلية كتمهيد لشن الحرب العدوانية على إيران تنفيذاً لأجندة إقليمية ودولية نتيجةً لتغيير الحكم الشاهنشاهي، ووجدها النظام المقبور فرصة سانحة لضرب هذه الشريحة المنكوبة لكونها ذات مصالح مؤثرة ورؤوس أموال ضخمة تشكل العصب الحيوي للإقتصاد الوطني ومن ذوي الكفاءات والخبرات والعنصر الفعّال للتقارب الثقافي والإجتماعي والقومي والمذهبي داخل النسيج العراقي المتنوع بهدف تبديل معالم التركيبة الديموغرافية السائدة في حياة المجتمع وطبيعة علاقاته المترابطة منذ عصور مضت، وتمكنت القوى الأمنية القمعية من الأجهاز على فريستها التي سقطت بيدها كغنيمة سهلة نتيجة المؤامرة المحبوكة بعناية فائقة وتخطيط مسبق والمتمثلة بتفجير الجامعة المستنصرية وإتهام المغدور “سمير غلام” بتدبيره وتصفيته مع عائلته من دون تحقيق أصولي أو محاكمة قانونية ليخرج بعدها الطاغية المعدوم عبر شاشات التلفزيون ليهدد ويتوعد (والله والله والله…وبحق كل ذرة في تراب الرافدين..الدماء التي سالت في المستنصرية لن تذهب سدى) إيذاناً ببدء التسفيرات كما أسمها النظام المُباد على المتهمين بالتبعية الأجنبية جزافاً، وكمبرر لإستهدافهم وتمزيقهم أرباً أربى وهذا ما أكده المجرم المقبور فاضل البراك مدير الأمن العام زمن التهجيرات ورئيس جهاز المخابرات العامة فيما بعد بكتابه الموسوم {المدارس اليهودية والإيرانية في العراق} وما يلفت الأنتباه إلى الكتاب المذكور هو إصداره وطبعه بموافقة ديوان الرئاسة “المنحل” بكتابه المرقم بـ (م.ع./9/126) في 24/3/1984، ولم يكن إعتيادياً كغيره من الكتب والتي تصدر عادةً بإذن من وزارة الثقافة والإعلام!! وهو دليل دامغ وموثق يعُبر عن وجهة نظر النظام المخلوع وبأعلى مستوياته حول القضية الفيلية…وبعد كل ذلك..هل من الجائز المساواة بين الهجرة الطوعية والتهجير القسري؟؟ فالمهاجر أو المغترب وأن كان مضطراً لترك الوطن لأسباب شتى، فقد حمل بيده حقيبته ومتاعه وأمواله ومعه عائلته…أما المهجر قسراً فقد أخُرج من داره عُنوة تحت تهديد السلاح وإحتجاز أولاده وإنتهاك حرمته وشرفه وتجريده من أمواله بين السماء والطارق وبثياب نومه ومضطراً للسير لمسافات طويلة عبر مناطق جرداء لا يعرف عنها شيئاً ولغربة إجبارية دامت أكثر من ربع قرن وماذا تحقق له بعد سقوط الصنم في 9/4/2003!! فلازال يعُامل بصفته أجنبي له شعبته الخاصة في مديرية الإقامة والجنسية والرعوية وقانون الجنسية الجديد رقم (26) لسنة 2006 ما هو إلا إستنساخ طبق الأصل في بعض جوانبه وتطبيقاته عن سلفه وأما عن قانون نزاعات الملكية فليس بأحسن حال إذ ينظر للعقارات المصادرة وكأنها خلاف بسيط بين طرفين والدولة فيها مجرد حكم والأدهى يطالب المُهجر بدفع تعويضات البناء المستحدث في عقاره المغتصب بدل أن يدفع له إيجار عن سنوات تهجيره وبالنسبة للأموال المنقولة المصادرة فهي بطي النسيان!! وعندما إعيد تجنس المُهجرين أطلق عليهم تسمية (حالات التبعية الإيرانية) لترسيخ مفهوم كونهم أجانب وليس عراقيين أصلاء ولم يتم تصحيحه بعكس ما حصل لأخواننا المسيحيين حينما أطلق عليهم تسمية “الجالية المسيحية” ثم جرى بعد ذلك تصحيح هذا الخطاء الطباعي والإعتذار عنه، إضافةً إلى حصول محاولات عديدة لإسقاط أسم وزارة المهجرين وجعل تسميتها بالمغتربين وجرى ذلك فعلاً لفترة من الزمن مما يترتب عليه تجريد المُهجر من حقوقه المغتصبة والمسلوبة أصلاً كي يقطع الطريق أمامه لإستعادتها يوماً من الأيام، ومن هنا لا يمكن مقارنة ما حصل للفيلية مع سائر المكونات الأخرى فقد سبقوا غيرهم في النزوح الداخلي والنفي الخارجي جراء سياسات التطهير العرقي بإعتبارهم مكون إجتماعي مختلط وأن ما حل بهم من تقتيل وتجريم وتغييب يعادل غيرهم أضعافاً إذا ما وضعت على كفتي الميزان العادل حجم المظلومية المتراكمة والنسبة السكانية الحقيقية، فمتى يتلمس الفيلي التغيير الحقيقي والجذري الذي شهده العراق الجديد بعيداً عن الأقصاء والتهميش ويمارس دوره بفعالية في عملية إتخاذ القرار داخل الحكومة ذاتها على مختلف المستويات والأصعدة مع الأخذ بنظر الإعتبار أن الفيليين لم يكن لهم أي دور سياسي على مدى تأريخ العراق.

رياض جاسم محمد فيلي – باحث متخصص بشؤون الأكراد الفيلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *