الرئيسية » مقالات » الى محمد علي محيي الدين/التناسق بين الاسلام والشيوعية

الى محمد علي محيي الدين/التناسق بين الاسلام والشيوعية

تمهيد ومقدمة
أن أحلام الشعوب وأمانيهم في التطلع إلى حياة حرة كريمة هو الركيزة الأساسية في صياغة العقل الإنساني في الدين والطبيعة أم في الأمور الحياتية الأخرى فلقد كان الصراع منذ خلق الإنسان على هذه الأرض بين الآلهة والبشر وهذه الميزة الفريدة نراها جلياً في الأساطير وحضارات سادت ثم بادت أو ليكن القول بين الخير والشر وهذه الأفكار المبدعة في أحلام الشعوب وأمانيهم هي حياة لأي شعب وروحه أن كانت من تصور ديني أو وفق فكر وضعي وهي استمدت مشروعيتها من قيم الشعب فالإبداع يولد الإبداع كما الحرية تولد الحرية حيث لا أبداع بدون حرية (( من شاء فليكفر ومن شاء فليؤمن القرآن الكريم ))علينا أن نرتقي بالإنسان ولنجعل له معان سامية وقيم عالية من أجل سعادته . أن النهوض في الشرق لا يكون في الانقطاع والعزلة وإنما بالاتصال (( خذوا العلم لو كان في الصين النبي محمد )) والربط الموضوعي العقلائي بين القديم الخلاق والحاضر المتجدد وأن حياة الإنسان لا تنتهي بنهاية الجسد أي أن الموت لا يكون هو المحطة الأخيرة في عمر الإنسان (( أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً الأمام علي )) فالأديان وخاصة الدين الإسلامي الذي هو مجموعة قيم متلاحقة ومتجذره ومتطوره عن أديان سابقة ختمت به وفيه الكثير الكثير من الأفكار الممزوجة ما بين الغيبي والوجودي لهذا كانت فكرة الخير أعم وأشمل من فكرة الشر الفانية والسلام أعم من الشر والحرب والقتل وفكرة النور والضياء باقية وفكرة الظلام الدامس ميته وفكرة العلم والمعرفة واضحة وباقية أما الجهل والخمول زائلة فالجمال نقيض القبح الفاني تلك حقائق ماثلة أمام عيون الجميع لكن غايتنا العمل الفكري بين الدين الحياة يعتمد مفاهيم ميتا فيزيقية لكنها تمجد النضال والكفاح والعمل وتمجد الإنسان باني الحضارة وبين نظرية متجذرة فيه لكن أكتشفها العقل البشري وهذبها ومن مفاهيمها الغيبية وهذا ديدن العقل في الإبداع وهو يريد فيها أن يمجد العمل والنضال والسعادة وحرية الطبقات المسحوقة الكادحة المستضعفة وأقصد النظرية الماركسية.

أن أي فكرة أو عمل يستطيع أن يطور الأفكار ويوضح ويكشف التفسيرات المغلوطة لتراثنا وتاريخنا من خلال كشف الغموض الذي يلف المعتقدات الدينية والتي أخذت في بعض الأحيان من الجانب الأسطوري غطاء لها تأخذه وتستشهد فيه أن فصل ما بين ما هو أسطوري وفكر غيبي هو الحل الأمثل للوصول إلى حقيقة التصور سواء في الدين أو التاريخ لأننا عند ذلك نستطيع أن نفسر العالم ونقوم بتغيره كما قالوا المعتزلة(( الإنسان خالق مصيره )) ومن هذا التمهيد أدخل في موضوعية مهمة مفادها أن الماركسية هي أول نظرية علمية بحته في تاريخ تطور الفكر الإنساني لكن لا يخل الدين الإسلامي من ملاحمها ومن بعض تجذراتها الهامشية البسيطة لم تكن هذه النظرية بحاجة إلى فلسفة لقد أصبحت علماً خالصاً بل المادية الديالكتيكية باعتبارها علم الحركة هي علم العلوم كما أسماها (( لينين )) فأن العالم في كل العصور قبل اكتشاف قوانين المادية الديالكتيكية أو بعدها مادي ديالكتيكي في بحوثه العلمية وفي مختبره بصرف النظر عن معتقداته الفلسفية والدينية أن تطور الفكر الإنساني بلغ مرحلة معينة تجعل بالإمكان ظهور من يكتشف هذه القوانين والنظرية فظهور (الماركسية) كان ضرورة تاريخية حتمية لو لم يكتشفها الشيخ كارل ماركس لاكتشافها عالم آخر غيره بكل تأكيد أنه ( العقل الإنسان ) سيد الأرض وصانع حضارتها فالماركسية تعتبر الأديان كلها مرحلة من مراحل تطور الفكر الإنساني لقد كان التفكير بوجود الآلهة بأشكالها وأنواعها مرحلة عالية من تطور الفكر البشري بلغت أقصاها في التفكير بوجود آله واحد هو الخالق للعالم والمسيطر عليه ومسيره متسقاً لهواه ورغباته والدين في فترة ظهوره قدم للناس حلولاً لمشاكلهم وخلاصاً من عذابهم ولبى بعض حاجات المجتمع وسرعان ما انسجم مع التكوين الطبقي للمجتمع (( السقيفة نموذجاً )) فكما أن المجتمع في كافة المراحل يتكون من طبقات مستغلة وطبقات مستغلة أصبح الدين أيضاً جزأ لا يتجزأ من دكتاتورية الدولة القائمة بينما تتحول الأغلبية الساحقة إلى طبقات مستغلة وبذلك يتحول الدين إلى أداة يستغلها تابعها اقتصاديا وسياسياً واجتماعيا على حد سواء ويقوم بعض رجال الدين كوكلاء للرب بتفسير الدين بصورة التي تضمن مصالحهم الاقتصادية والسياسية ولخدمة الجهة الممولة لهم وتنشأ نتيجة لذلك فروع وفئات مختلفة في الدين الواحد وأقامت الحروب الدينية المختلفة فيه والتكفير والغلو بين الاتباع فأصبحت الدول طول تأريخ القرون السابقة أما دولاً دينية أو دولاً دنيوية تعتمد الدين وتستخدمه وسيلة لتحقيق سياساتها (( السعودية وإيران مثالاً )) وأستمر هذا الوضع ليومنا هذا فنرى الديانات المسيحية المتناقضة بالمئات والمدارس اليهودية المختلفة وكذلك الفرق والمذاهب الإسلامية العديدة المتناحرة والصراع بينها والمظالم والمجازر التي تجري باسم الدين الإسلامي (( الدين بريء منهم )).
من هذه المقدمة نقول أن موقف الحزب الشيوعي يتمثل في مرحلتين الاولى مجابهة السلطة الرأسمالية وكذلك السيطرة الدينية والثانية موقف الحزب الشيوعي للطابع الطبقي للمجتمع أي تمييز الدين بصفته سلطة ووسيلة استغلال للكادحين المستضعفين وبين الدين كتقليد راسخ في أذهان الناس البسطاء والكادحين عن أيمان واعتقاد فنحن نفضح بشدة سيطرة الدولة والمؤسسات الدينية على جماهير الشعب واستغلاله ونكافح ضد كل أنواع التميز الديني واضطهاد الديانة الرسمية للديانات الأخرى واستخدامها وسائل لخلق العنعنات والتصادمات والتي تبعد الشعب عن وحدته في النضال ضد الطبقات المستغلة دينية كانت أم دنيوية ليس لدينا أي عداء للناس البسطاء في معتقداتهم وديانتهم ولنا موقف جميل ومرن معهم ومازالوا مؤمنين بديانتهم رغم أنهم مناضلون أشداء ومخلصون ضد الاستغلال ومنضمون للحزب الشيوعي في الوقت نفسه وهذا الأمر متخذ بمزيد من الأهمية في عراق اليوم العراق الجديد مثلاً حين تكون مقاومة الاحتلال مشروعة على رأس مهام الماركسيين وحين ينضم إلى المقاومة كل إنسان يشعر بظلم المحتلين لكن الإرهاب إرهاب بوجود مسبباته وهذا له معنى آخر أن الماركسيين يميزوا بين معاداة الدين والمتدينين وهو لا علاقة له بالماركسية وبين الرياء والتملق للدين وهو الآخر لا يمت إلى الماركسية بصلة نحن لا نضطهد المتدين بسب تدينه لكننا نكافح ونناضل اضطهاد الاستغلال الديني.
الإسلام والماركسية
اسمان لتيارين كبيرين في العصر الراهن دخلا إلى أعماق الملايين من الناس :
الأول:أتساعاً مفروظاً منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام بالدعوة المحمدية وهو فكر ودين .
الثاني:أتسع بهجمات سجالية أيدلوجية (( أحياناً كانت دامية )) منذ مائة وستين عاماً بالدعوة الماركسية فكر ونظرية.
التيارين واجه مصاعب درامية كثيرة أقصيت تيارات كثيرة بدورها لكن أياً منهما لم يستطيع أن يقصي الآخر والسؤال هل للماركسية جذور تأسيسية في الإسلام كنظرية أم هناك جدلية بين الإسلام والماركسية ؟؟
وللبحث في الجوهر الحقيقي للعلاقة بين الماركسية والإسلام هنا نواجه نقطتين أساسيتين في المجهود الفكري النقطة الأولى هي البحث في المعطيات الفلسفية ـ التاريخية في الأدب الإسلامي والثانية مقدمة معطيات مباشرة من أناس لا يقرب إنتاجهم في الثقافة الإسلامية إلى غنى وكمال كما هي كثافة المنتوج الفكري حول الماركسية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
أن الانتباه إلى الحركة الجدلية في فكر التاريخ الإسلامي ابتداء من النبي محمد الذي يعتبر (( أول سياسي في الإسلام )) بمعنى إيجابي يعي النقائض القائمة بين مجتمع الجاهلية والمجتمع الذي أراد أن ينشئه (( ومضة : وصف الكثير مرحلة ما قبل الإسلام بالجاهلية وهو تصور يندرج ضمن التوصيفات الاطلاقية فالبلدان المحيطة بالجزيرة العربية ومكة كمدينة مركزية تجارية ودينية كانت تلك البلدان المحيطة تمتلك حضارة وشروط تطورها في مختلف ميادين وتفرعات الحياة المادية منها والمعنوية وليس لوصف من الموضوعية إلصاق صفة الجهل (( بمعناها الديني )) لوصف مرحلة تاريخية كاملة )) وانتهاء بأستقراءاته عن أعداء الإسلام الحقيقين في كشفه النقائض المتعارضة مع الإسلام هكذا كان النبي محمد.
فالماركسيون (( الشيوعيون )) يحاولون الآن شف أيديولوجيا الدين الإسلامي في مرحلته الراهنة لمعرفة أبرز نقاط الإحراج المنطقي فيه والذي من شأنه أن نؤكد الربط بين المشكلات المثارة بين التيارات المختلفة في الإسلام معتمدون على التيارات الفكرية الجدلية الماركسية وعلى أطروحة الواقع الاجتماعي المتناقض أعني بذلك أيجاد حالة من التوافق بين الموقف الديني والقيم الجماهيرية المتوجهة ضد الاستبداد المحلي والعدوان الخارجي اللذين يدعوان دائماً إلى إنهاض وتعبئة المشاعر الإسلامية التي توجه الجماهير للصراع مع القوى الغاصبة وليس بالضرورة الاندماج في فروض الدين أو الشعور الديني .
نحن الشيوعيون نحاول الربط بين الدين كحضارة وبين الناس كصناع حضارة معتبرين الموجودات الإسلامية هي موجودات ثقافية ـ حضارية غير متعارضة مع رغبات تيارات فكرية تقدمية أخرى وفي مقدمتها الماركسية فمثلاً أن بعض المناهج الاقتصادية في الإسلام فيها قيم المشاعيه (( كتحريم الكنـز )) كما في القرآن الكريم للتأكيد على تحريم (( الاستغلال )) كما في الماركسية ولنركز على التمسك المشاعي في الإسلام بريادة الأمام علي وأبي ذر الغفاري وهناك رؤيا أخرى هي التقابل بين البنية النضالية من أجل مجتمع إسلامي وبين بنية التبادل والإنتاج السلعيين في الاقتصاد الماركسي ولابد أن نعمل من أجل وجود سبل تطور لاحق يجمع بين البنيتين وأقول أن إسلام الجماهير لا يشترط التدين كنهج فردي ولا السلفية كنهج سياسي إن فلسفة الحياة بما في ذلك النظرة إلى الإسلام يجب أن تخلو من التصورات الناقصة والتصورات المبالغ فيها (( هلك في اثنان محب مغالي ومبغض قالي ـ الأمام علي )) .
أن الفكر الفلسفي يمكن أن يأتي إلى الإسلام بمنهج ماركسي مثلاً ليتوجه على قاعدة متينة من التحليل والقواعد والأسس لأن الفلسفة كما أكد (( هيغل )) لا تدرس الوقائع الجزئية ولكنها تدرس (( الكل )) أي النظام السياسي كله ـ الوجود كله ـ الأخلاق كلها فلا توجد عند الشيوعيين عداء للإسلام لوجود صفات لجمع بين أسس عقلية مشتركة لكليهما اعتمادا على المقارنة والاستنتاج والشيوعيون يناضلون عن مشروع جديد يؤسس لعلاقة واحدة تضم هاتين القوتين (( الإسلام والماركسية )) باعتبارهما قوتي التاريخ المضاد للاضطهاد والعدوان في الزمن المعاصر ولكشف عن بعض البنى الفكرية الخاوية ، التي يؤكد أصحابها وخاصة من ذوي النوايا غير الطيبة (( تعارض الماركسية مع الإسلام تعارضاً مطلقاً وفي كل الحالات وبشكل حاسم )) وهذه من النشازات الفكرية الدعائية .
أن الشيوعيين يفرقون بين ( المسلم ) و ( المؤمن ) فالمسلم وصفاً يشمل جميع أولئك الذين عاشوا في العصور الإسلامية وأخذوا بحضارة الإســـلام بصرف النظر عما إذا كانوا مؤمنين بالإسلام (( وهكذا أكدها القرآن الكريم ـ قولوا أسلمنا )) فهناك خصائص ومميزات من الممكن أن تجمع بينهما علينا الفصل بين العفن الفكري الموجود تحت بعض (( العمائم )) المتأسلمة العديدة وبين (( أجساد )) إسلامية متطهرة بتوكيدات النبي محمد وسلوكيات أولياء صالحين آخرين فهل مشروعية تخلص النظرة الإسلامية من اعتمادها على الأفكار ألا جدلية التي تدين بها بعض المنظمات والتكوينات الإسلامية ذات الأصولية السلفية التي تريد الوقوف في محجر لا تتعداه والناتجة عن النظرة الصلدية للنص القرآني أو الحديث النبوي أو ما شابههما ‍‍‍!؟ فهل من المعقول القول في عصرنا الحاضر أن الإسلام فرائض ثابته غير قابلة للتجانس مع متغيرات الحياة الاجتماعية المعاصرة المتحررة والتي بالإمكان أيجاد نوع من علاقة منظمة بموجب الشـريعة ذاتها (( وجود مبدأ الاجتهاد عند الشيعة نموذجاً ))، فلا يجوز إطلاقا التجاوز على حرية الإنسان و تقربه من حالة القمع و الاستبداد فالشيوعيون استطاعوا استجواب (( الإسلام المعاصر )) حول حلوله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
وهم بدورهم يدينون السلفية وفي مقدمتها السلفية المسلحة التي تتحالف مع الغرب ودوائره الاستخبارية سراً أو علنياً بهدف تقويض الفكر العربي التقدمي كله واستنتجوا أن الخطر الجمودي الفكري عند المتأسلمين مازال قائماً لذلك ركزوا على العملية الفكرية في الدعوة (( للقيم اللقاحية )) من أجل أقامة مجتمعات إسلامية متعايشة عادلة متطهرة من أسس الاستبداد والقمع تتبنى القوانين العصرية مع روحه المتطورة وهكذا الماركسية ليس وصفة جاهزة فهي منظومة من الفكر الحي المتحرك والشمولي الجدلي تتكامل مفاصلها من دون تعارضات جوهرية وهي تتسم في جملتها باثنتين من السمات الجدلية الكبرى .. الأولى دقة منهجها العلمي والثانية نزعتها الإنسانية وهذه الفكرة ليست غريبة عن الإسلام أن لم تكن من صلبة ولقد مارسها وبنجاح وثقف عليها الأمام علي في حياته بعد وفاة النبي محمد وهكذا نجدها (( أي الأفكار )) في عهد الأمام علي لمالك الأشتر عندما ولاه مصر (( نهج البلاغة )) شاهداً على ذلك فعلي بن أبي طالب والخاصة من أتباعه وحمدان قرمط والوصفاء من الشيعة الإسلاميين وكذلك الشيخ كارل ماركس وبليخانوف ولينين لهم الصرامة المنهجية والفلسفة الإنسانية التي اعتمدت على الحقائق في العمل الفكري وفي النشاط الفكري متوفرة فيهم وجاهدوا في حياتهم ضد الجهل وضد الظلم فهم أهل علم أخضعوا نشاطهم لشروط التفكير العلمي الحازم ضد التبسيط والاستدلال ولغتهم نابضة حيوية تنم عن شفافية المفكر المترع بالقلبية العظيمة لست أظن أن الشيخ كارل ماركس بأشواقه المشاعية المعطرة برائحة التراب وكـأنه أحد تلاميذ ومريدي الأمام علي فلقد غرف الكثير من منهجه وعقليته وتطبيق بعض أفعاله في حياته العملية والفكرية وفوق الجدلية العقلية التي نهجها الأمام علي.
والآن علينا أن لا نصغي للفكر الغربي بما يخص حتمية الصدام بين الماركسية والإسلام هذا ما أثبتته حقبة السبعين عاماً من النظام السوفيتي (( الشيوعي )) حيث التعايش مع الإسلام في أسيا الوسطى برغم الكثير من الأخطاء الشيوعية التي صاحبت تجربة هذا التعايش ولم يكن هناك صراعات عنيفة بين المعسكرين (( الإسلامي والشيوعي )) كما هو حال الصراع بين المسلمين والرأسمالية الغربية في أكثر من مكان بالعالم فنحن نقول ( ليس كل مسلم هو سلفي أو أصولي ) فالمسلم يمكن أن يكون قومياً أو ليبرالياً أو شيوعياً ويبقى محافظاً على أيمانه الديني بطريقته الخاصة وكذلك القول أن الماركسي ليس بالضرورة كافراً كما تروج لذلك ماكنة الدعايات الاستعمارية والرأسمالية وكل المعادين للشيوعية كان تخويف الماركسية من المسلمين وتخويف المسلمين من الماركسية أهم هدف من أهداف الفكر الرأسمالي والاستعماري (( ومضة : المستشرقة الإيطالية ( أيزابيلا كاميرا دافليتوا )تطرقت لهذا الموضوع بشكل صريح وواضح وأكثر تفصيلاً فتقول (( الغرب كان وما يزال بحاجة إلى ((اختراع)) عدو حتى يضمن لنفسه خطاً دفاعياً ويظل مترفعاً ومتعالياً على ما تبقى من العالم لسنين طويلة أو حتى لعقود كان هذا العدو متمثلا بالشيوعية وبالمعسكر الشرقي وعندما أنهار الاتحاد السوفيتي برز لدى الغرب التساؤل التالي : من سيكون عدونا المقبل ؟ وإذا به يسحب من خزانةٍ تراكم عليها غبار الزمن صورة العدو التاريخي القديم المتمثل بالعالم الإسلامي وحاول ترسيخ ملامح (( البعبع )) في (( الأصولية الإسلامية )) في صورة (( العدو العنيف )) أن قضية الأصولية الإسلامية واجهت تضخيماً مبالغاً فيه من قبل أجهزة الأعلام الغربي )) .
الحق بجانب من ‍!؟
الكثير من الكتاب يحاولون دائماً أن يجعلوا الحق بجانبهم ويجعلون أفكارهم هي المرجع وهي الأساس في تقرير الخطأ والصواب في الكون والحياة، فكثير من المفكرين الأصوليين يرون أنه لا يوجد غير الإسلام على صواب مثلما كان عدد من الشيوعيين يقولون غير الماركسية على الصواب لكن ظهور نظرية ( صاموئيل هنتجتون ) عن (( صدام الحضارات )) التي مهدت أفكار العالم إلى صدام محتمل بين الحضارة الغربية والإسلام أو بين نوعين من الحضارات يقف في الصف الأول الحضارة المسيحية اليهودية وفي الصف الثاني يقف المسلمون والصينيون كحضارتين مقابلتين .
في الحقيقة أن مختلف أنواع السجالات الدولية بما فيها السجال بين الإسلام والماركسية هي من النوع الذي يترك آثاره على عملية الانتقال في التحليل السياسي الذي شغل العالم في مستوى التسعينات من القرن العشرين وخاصة تنامي ظاهرة العولمة بعد سقوط دولة الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الأخرى الذي فتح الطريق أمام ظهور نظرية (( صدام الحضارات )) ومحاولة تصويرها أنها سوف تحل محل النظرية الماركسية عن الصدام بين الطبقات وليس بين الحضارات وهكذا أرتكز الغرب الى تحديد الصراع بين الغرب والإسلام فالأسباب المحتملة للصراعات الكبرى ( الحروب العالمية ) لم تنشأ ولم تنتج من الصراع الماركسي ـ الإسلامي وليس من المحتمل إذا صح القول أنها تقوم مستقبلاً فهل نكرر الأسئلة ونقول من يتصارع ويتصادم مع الحضارات الأخرى ؟ هل هم الشيوعيون أم قوى الاستكبار العالمي المتمثلة بالرأسمالية والصهيونية والرجعية فأن نشوب الحروب كالحرب الكورية والحرب الإيرانية العراقية وحرب الخليج الثانية والثالثة لم يكن للصراع الماركسي الإسلامي أي دور فيها أيضاً.
ما قبل الختام
إذا كان الجدل الفكري بين الإسلام والماركسية قد وصل الى حدود عرف كل طرف فيها وعيه والتزاماته وغاياته خلال قرن ونصف من الزمان فأن الجدل السياسي بينهما يمكن أن يتحول الى جدل تحالفي يخلق بين الطرفين نوعاً من الالتزام المشترك خلال القرن الحادي والعشرين هذا التحالف فيه نوع من الإسلام الذي يعارض مضمون القوى الاستعمارية والاستغلالية فمن العقلانية أن يتطلع المسلم والماركسي وكلاهما غير مستغلين إلى السعادة على الأرض حتى وأن ظل الإنسان المسلم متطلعاً إلى سعادته السماوية الأبدية وعلى المسلم أن يدرك الحقائق بكيفية عقلية متنورة مستقلة كما هي في الماركسية الجدلية الفكرية لتحقيق المعرفة المباشرة ليس اعتمادا على الإلهام أو وحي القلب أو الحقائق المقلوبة التي يحتويها العقل التأليفي في التاريخ الإسلامي نحن الشيوعيون نحاول جاهدين من أجل إيجاد نسقاً عضوياً بين الإسلام والفكر المعاصر خاصة مع الفكر الماركسي ، نحن نحترم الدين الإسلامي .
مسك الختام
أن الشيوعيون لديهم تيسيراً دقيقاً ولطيفاً للتفتح الفكري ينبغي على إخواننا المسلمين أن يكونوا عليه ليجعلوا من الحرية الدينية معنى قادراً على تكسير أغلال الناس الذين يئنون من ثقل أحجار الدولة عليهم في كل العصور بما في ذلك أثقال الدولة الدينية ومشايخها ومرجعاتها الدينية (( المتأسلمة )) لنجعل الإسلام أداة لتحرير الوطن من كل ظلم ومن الاستعباد وكذلك لتحرير عقول الناس من الظلم الداخلي ومن ظلاميات العصور السحيقة من أجل رؤية المسافة الحقيقية بين العدل والواقع أن الوعي الأيدلوجي يأتي متأخرً بعد أن تكون قد ظهرت ضروب متعددة من التصورات والأفكار المأخوذة بواسطة الجدلية المنفتحة ، وأرى هناك جوهر متجانس بين عناصر الدعوة الإسلامية باعتبارها ضرورة من ضرورات الخلاص من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان إذا وجدت صرحاً عملياً بالغ التحقيق والكمال لبلوغ لحظة الانتصار على الظلم نفسه وعلى الظالم نفسه وكذلك عناصر الفعل الماركسي باعتباره أداة من أدوات تحرير الإنسان الضعيف من طبائع استغلال القوي وهكذا هي التصورات الأولى في الوعي الماركسي بخصوص العلاقة مع الإسلام وكذلك الوعي الإسلامي بخصوص العالقة مع الماركسية فالشيوعيون كما أرى نفسي روح (( ماركسي ـ مسلم )) أو هي روح ( مسلم ـ ماركسي ) علينا كمسلمين وشيوعيين أن نعي المراحل المعرفية من الوعي الحسي إلى الموضوعية الذهنية في حياة المجتمع الداخلية الى مرحلة تحويل الأفكار إلى موضوعات اجتماعية محتكة مباشرة بالعلوم التجريبية فنحن في الحزب الشيوعي نحترم الإسلام والماركسية ونفاخر بهما وكلاهما يمثلان العقل الواحد الحي الذي يمكن أن يتحول عمل يوجه الإنسان نحو الحرية والسلام.

من المراجع
1. في ذكرى رحيل هادي العلوي / جاسم المطير .
2. النـزعات المادية ـ للشهيد المفكر حسين مروة .
3. الماركسية والأديان ـ حسقيل قوجمان.
4. فصول من تاريخ الإسلام السياسي ـ المفكر المشاعي الراحل هادي العلوي.
5. بعض من أدبيات الحزب الشيوعي العراقي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *