الرئيسية » مقالات » كوردستان ، الملاذ الاول والاخير للكورد الفيليين

كوردستان ، الملاذ الاول والاخير للكورد الفيليين

يوم امس زارني في اربيل احد الاصدقاء من التجارالفيليين . وكنت قد التقيت بهذا الصديق في بغداد بعد سقوط النظام مباشرة . يومها كان سعيدا جدا بسقوط الطاغية ، وخلاص العراقيين جميعا من أشرس نظام ديكتاتوري عرفتها البشرية في تاريخها . وقال ، الان يمكننا أن نعيش بسلام ، ما يأتي بعد اليوم هو لا شئ امام ما عانيناه من هذا النظام الهمجي . وقال ايضا ، قلب بغداد كبير ، ويتسع لنا جميعا !
ولكن مالذي حدث لكي يهجر صاحبي ( بغداده ) ، وكل تلك المصالح والمحلات والكرينات والمزارع ، ويستظل بجبال كردستان !
قال ، كنت في مكتبي في بغداد عندما طوقت المنطقة مجموعة من رجال الشرطة . وسرعان ما دخلوا الى المتجر الذي املكه وهم يشهرون أسلحتهم الاوتوماتيكية . كانوا يعرفون اسمي فقط . لذلك صوبوا اسلحتهم نحوي ، وهم يسالون – انت فلان !! في البداية انكرت ، وقلت انه كان هنا ، وغادر المحل . كان ابني الصغير معي ، صوبوا رشاشاتهم نحو راسه ، وقالوا ، اذا لم تخبرنا راح نفلش راسه !! هنا سقط في يدي ، وقلت لهم انا فلان ، اتركوا الطفل وشأنه . قال ، شدوا وثاقي ، وعصبوا عيني ، ورموني في صندوق احدى السيارات ، وانطلقوا كالشياطين . قلت ، لابد انهم كانوا من عصابات القاعدة ، او الميليشيات السنية ، وانت شيعي !
ابتسم صاحبي بحزن وقال ، لا ! أنا عشت طول عمري في بغداد ، لذلك اعرف كل درابينها قبل شوارعها . واستطيع ان اقود سيارتي فيها وانا معصوب العينين !!
سألته ، والى اين أخذوك ؟ اجابني بحزن ، الى مدينة الثورة . تعرضت للضرب المبرح أياما واسابيع وانا بين الحياة والموت دون أي سبب . واخيرا ، وبعد أخذ ورد ، أطلقوا سراحي مقابل اربعين دفترا .. يعني اربعمئة ألف دولار !!
قال ، يومها قررت أن اترك بغداد لأهلها !! وها أنا هنا ، أنعم بالسلام والاطمئنان . وأعمالي تسير بكل نجاح . حصلت على مقاولات مربحة ، واشتريت أرضا لابني عليه فندقا فخما. وألتقي بالمئات من رجال الاعمال الفيليين الذين يعيشون هنا في اربيل !
واستمر صاحبي في حديثه ، وقال ، نحن الكورد الفيليين علينا ان نتعلم من التجارب المرة التي مرت بنا وبالجيل الذي سبقنا . علينا ان لا نسلم أنفسنا واولادنا الى المجهول لان مصائبنا لا تنتهي . لا نعرف كيف تكون احوالنا بعد عقد اخر من الزمان . أية مصيبة ستنزل علينا ، وتحت أية حجة سيستولون على اموالنا وبيوتنا . حديث صاحبي ذكرني بحكاية سمعتها من جدتي الملكشاهيه التي قالت ، حضرملك الموت عزرائيل ليقبض روح احدهم . فتوسل اليه أن يتركه هذه المرة لكي يوفي ديونه ، ويوصي اولاده . فتركه وشأنه وقال ساعود من جديد ، ولكن هذه المرة لن أقبل أعذارا منك . فاشترط عليه الرجل أن يخبره قبل قدومه بأيام كي يحضر نفسه . فاتت ايام وشهور . وراى الرجل ان جاره قد مات . وابن قريته سقط من حصانه ، وانكسرت رقبته . ومشهدي يارمراي اصبته جلطة واسلم الروح . اما كيخدا عليور فقد عضته كلبة مسعورة ، ومات . وتذكر عزرائيل صاحبنا من جديد ، وفي احدى الليالي حضر فوق رأسه قائلا ، هسه شتكول !!
فاجابه الرجل ، ولكنك وعدتني أن تخبرني قبل قدومك !! فقال له عزرائيل ، مات جارك ، وابن قريتك ، والمشهدي ، والاخرون .. كل ذلك ولم تشعر بوجودي قريبا منك !! نحن لا نتعلم من تجاربنا المرة. ففي بداية الاربعينيات من القرن الماضي ، هجرت الحكومة العراقية عشرات الالاف من الكورد الفيليين . وفي بداية الستينيات حدث الامر نفسه . ومن ثم في بداية السبعينيات ، حتى وصل الامر الى نيسان عام 1980 ، حيث بدأ انفال الكورد الفيليين بصورة واسعة . ووصلنا الى حيث نحن الان ، ولا نريد أن نتعظ . أنا قررت أن لا يتعرض اولادي بعد عشرة أو عشرين سنة الى ما تعرض اليه جدي وأبي و … ما تعرضت اليه أنا ايضا ، عزرائيل سيكون قريبا مني على الدوام !!
وأنا أستمع الى حديث صديقي ، تذكرت سوالف العشرات من التجار والمواطنين الكورد الفيليين الذين تعرضوا للموت والابتزازخلال السنوات القليلة الماضية . المدن الكوردستانية تعج اليوم بالمواطنين الكورد الفيليين الذين قرروا العيش قريبا من أبناء جلدتهم ، وعلى أرض كوردستان التي طالما تغنوا بها ، ودافعوا عن قدسيتها ، وبأغلى ما يملكون . وهؤلاء يستثمرون اموالهم بكل نجاح ، واصبح لهم موضع قدم في مجال الاعمال الحرة التي يبرعون فيها . ولدينا موظفون في مختلف دوائر الاقليم ، والجميع يشهد لهم بالنزاهة ونظافة اليد واللسان . أما في مجال الحقوق فان للكورد الفيليين ما لغيرهم من ابناء كوردستان . وعلى سبيل المثال ، فان شهداء الكورد الفيليين من المغيبين والمحجوزين احتسبوا من الشهداء الذين شملتهم سياسة الجينوسايد في قانون التقاعد . والشهداء الفيليين الذين سقطوا بفعل الارهاب في بغداد ، والمدن العراقية الاخرى ، أيضا لهم حقوقهم التقاعدية . لذلك ندعو اهالي الشهداء الى مراجعة وزارة الشهداء والمؤنفلين لتثبيت حقوقهم التقاعدية . وهذه الامور منشورة في جريدة وقائع كوردستان التي تصدرها وزارة العدل في كوردستان . ثم ان الحزبين الرئيسيين في كوردستان يقدمان معونات مالية لمئات العوائل الفيلية المستضعفة في مدينة بغداد . صحيح ان هذه المساعدات ليست بالمستوى المطلوب ، ولا تصل الى المحتاجين بصورة صحيحة ، بسبب الفساد المستشري في اجهزتنا الحزبية في بغداد ، ولكنها تسد بعض الثغرات . ولنسأل أنفسنا ، ترى ماذا قدمت لنا الاحزاب العراقية التي ( حصدت ) أصوات ابناء شريحتنا في بغداد والمدن العراقية الاخرى !
ماذا قدمت بعض الشخصيات الكوردية الفيلية التي حصلت على وظائف مرموقة من القوى الشيعية !
علينا ان نحزم أمرنا ، ونتحد فيما بيننا ، ويكون لنا صوت كوردستانى . كنا اقوياء يوم كنا نقود اتحاد طلبة كوردستان ، واتحاد النساء ، والشبيبة ، ومالية الحزب . وكنا دائما في الهرم القيادي للحزب الديمقراطي الكوردستاني . وليس من مصلحتنا أن نفقد هذا الدور. لان عزرائيل سيبقى يحوم فوق رؤوسنا ورؤوس أجيالنا القادمة ما لم يكون لنا صوتا مسموعا … هنا في كوردستان !!

* وزير الاقليم في حكومة كوردستان
http://web.krg.org/articles/detail.asp?smap=01010400&lngnr=14&anr=21549&rnr=84

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *