الرئيسية » مقالات » اللاجئون الفلسطينيون في لبنان : بين النفي والمعاناة

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان : بين النفي والمعاناة

 سكرتير اتحاد الشباب الفلسطيني – لبنان
أصدرت منظمة العفو الدولية بتاريخ 17/10/2007 تقريرا حول اوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حمل عنوان” اللاجئون الفلسطينيون في لبنان : بين النفي والمعاناة”. تناولت فيه مجموعة من القوانين والقيود التي تظل تؤثر على اوضاع وحياة مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بعد مضي 60 عاماً على النكبة الكبرى التي ادت الى تهجير الفلسطينيين عن ارضهم ولجوئهم الى لبنان قسرا.
وفي قراءة موضوعية لهذا التقرير الذي سبقه العديد من التقارير والمذكرات التي اصدرتها المنظمة في اعوام ماضية، وعرضت فيها ايضا الاوضاع الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.
الا ان هذا التقرير يعد من اكثر التقارير تفصيلا وشمولية وجرأة، حيث اشار التقرير الى ان لدى لبنان أعلى نسبة مئوية من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في حالة فقر مدقع وتعاني جميع المخيمات الاثنا عشر من مشاكل خطيرة، وأكد أن استمرار القيود التي تحرم الفلسطينيين من حقوقهم في العمل والتعليم والسكن الكافي والصحة ليس لها ما يبررها على الإطلاق، وينبغي رفعها دون مزيد من التسويف أو التأخير، مستعرضا وبشكل دقيق حقائق الامور بكل ما يتعلق بحياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبابعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والسياسية، مستندا بذلك الى القوانين الصادرة عن السلطات اللبنانية وكذلك الى جولات ميدانية لمندوبي منظمة العفو الدولية للعديد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، اطلعوا خلالها على حالة البؤس والحرمان التي تعيشها المخيمات وتداعيات سياسة التمييز التي يعاملون بها ويكادون يشعرون بالاختناق في مخيماتهم، ما يُضطر الشبان والأصحاء للبحث عن عمل في الخارج ويُكتب على الباقين صراع يومي من أجل البقاء.
حمّل التقرير الاحتلال الاسرائيلي والمجتمع الدولي المسؤولية عن استمرار حالة مأساة اللجوء بسبب غياب الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وعدم السماح لهم بالعودة الى ديارهم التي هجروا منها، الامر الذي جعلهم يدفعون ثمناً باهظاً، حيث يُمنعون من العودة إلى الديار كما يُمنعون أيضاً من ممارسة بعض حقوقهم الأساسية في الدولة التي لجأوا إليها، في اشارة واضحة الى حالة التمييز والحرمان التي تعيشها مخيمات لبنان والتي اشار اليها التقرير بشكل تفصيلي متناولا حالة الضغط السكاني الي تعيشها المخيمات على مساحة محددة من الارض بالرغم من الكثافة السكانية لابناء المخيمات التي تزايدت اربعة اضعاف منذ العام 1948 في ظل قرار منع إدخال مواد البناء إلى بعض المخيمات وغياب البنية التحتية الصحيحة يضاف اليها القيود المفروضة على الفلسطيني لجهة منعه من حق التملك وحق العمل في المهن الحرة وحرمانه من الاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي وحقه في الرعاية الصحية وغيرها من القوانين والاجراءات التي تتسبب بزيادة معاناة اللاجئين. وقد حدد التقرير النقاط الاساسية المطلوب معالجتها من قبل السلطات اللبنانية والتي اوجزها بالبنوذ التالية:
– إلغاء جميع القوانين القائمة على التمييز أو تعديلها.
– وضع حد لجميع القيود غير المعقولة المفروضة على حق اللاجئين الفلسطينيين في إصلاح منازلهم أو إدخال تحسينات عليها.
– ضمان حصول جميع اللاجئين الفلسطينيين على أمن الحيازة لحمايتهم من خطر الإخلاء القسري أو التخويف.
– إلغاء القيود التي يواجهها الفلسطينيون في سوق العمل وضمان احترام حقوقهم أثناء العمل.
– إدخال الفلسطينيين في نظام الضمان الاجتماعي.
– ضمان حصول جميع الأطفال على التعليم بصورة متكافئة.
– اتخاذ كافة الخطوات الضرورية لتنظيم وضع اللاجئين الفلسطينيين عديمي الجنسية، بما في ذلك عن طريق تزويدهم بوثائق رسمية لإثبات الشخصية.
ان هذه البنوذ بالاضافة للكثيرمن النقاط الاخرى التي اوردها التقرير الذي جاء في 31 صفحة والذي تم التطرق فيه الى كافة المراحل التي مر بها الوجود الفلسطيني في لبنان منذ نكبة العام 1948 وصولا الى ازمة نهر البارد وتداعياتها الكارثية على اوضاع النازحين من ابناء المخيم، قد جعلت من التقرير مادة حيوية بين الاوساط المعنية بما فيها اللاجئين الفلسطينيين، الذين استقبلوا التقرير بارتياح شديد نتيجة جرأته، وتوقيت صدوره خاصة بعد احداث نهر البارد وهاجس الخوف والقلق الذي يعيشه ابناء البارد وكافة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذين ضاقوا ذرعا من استمرار المعاناة والحرمان واستمرار حالة عدم الاستقرار التي يعيشها اللاجىء الفلسطيني في المخيمات، لغياب عناصر الاستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، مما زاد من حالة القلق والخوف الذي يعيشه الفلسطيني وحالة الضياع من مستقبل يجهل معالمه، في ظل تهرب المجتمع الدولي من مسؤولياته الاخلاقية والانسانية تجاه اوضاعهم المزرية على كافة الصعد وهو ما اشار اليه التقرير الذي دعا المجتمع الدولي الى توفير الامكانيات المادية من اجل تحسين حياة اللاجئين وتوفير اعلى درجة ممكنة من التمتع بحقوق الانسان.
من هنا تاتي اهمية تقرير منظمة العفو الدولية الذين ينبغي ان يؤخذ على محمل الجد من قبل كل الجهات المعنية بقضية اللاجئين ولا سيما الدولة اللبنانية وان تتعاطى مع استخلاصاته وتوصياته بالطريقة الايجابية، حيث لا يجوز ان تبقى العلاقات الفلسطينية اللبنانية خاضعة لحسابات وتجاذبات داخلية وخارجية، وان يبقى اللاجىء الفلسطيني يدفع الاثمان الباهضة نتيجة هذه التجاذبات، وقد آن الاوان ليدرك اهل السياسة في لبنان ان الشعب الفلسطيني قد وصل الى مرحلة “اليأس” بحياته السوداء في المخيمات ” التي لا تصلح لها حتى كلمة حياة لما تتسم به من صفات البؤس والحرمان وحالة الفقر والبطالة والمستقبل المجهول.
وقد بات من الامر العسير على الفلسطيني تقبل استمرار القوانين المجحفة التي تمارس بحقه في لبنان بحجة رفض التوطين! لان الجميع يدرك انه لا يوجد شعب في العالم قدم وضحى في سبيل قضيته مثلما قدم الشعب الفلسطيني،كما يدرك اصحاب هذه السياسة ان استمرار سياسة الحرمان بحق الفلسطينيين انما تخدم مشاريع التوطين والترحيل التي يسعى اليها العدو الاسرائيلي بدعم امريكي وغطاء من بعض الدول الاوروبية والعربية، وبالتالي فان ما يتعرض له الفلسطينيون في لبنان اليوم من ظلم مجحف وازدياد نبرة العداء والعنصرية بحقهم من قبل بعض الاطراف السياسية وحتى الدينية !! انما تبعث القلق في نفوس اللاجئين الذين يستغربون كل هذه السياسات والمواقف، ويتساءلون عن السبب الحقيقي الذي يقف وراءها، وهل هي ولادة جديدة لعناصر الفتنة؟ ام تساوق مع مخططات التهجير والترحيل التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين؟.
اسئلة كثيرة تجول في خاطر اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وهواجس متعددة تزيد من قلقهم وتخوفهم من المستقبل، خاصة عندما ينظرون الى ما حل بمخيم البارد وتهرب كل الجهات من مسؤوليتها في موضوع الاعمار، وكذلك تسليط الاضواء على مخيمات اخرى ومن زاوية مكشوفة لتبرير اجراءات تزيد من الخناق والضغط على المخيمات الفلسطينية في لبنان. الامر الذي يدفع الفلسطينيين في لبنان للتساؤل الى اين تذهب بنا السلطة في لبنان بسياسة الضغط والحرمان المتواصلة والمتزايدة؟، وهل تخدم هذه السياسة موضوع رفض التوطين ودعم حق العودة؟ وهل يقبل لبنان العروبة والمقاومة استمرار توصيف معاملتة للفلسطينيين في لبنان بالعنصرية؟.
من هذا المنطلق نقول آن الاوان لتنظيم العلاقة الفلسطينية اللبنانية بكل جرأة ومصداقية، وفتح جميع الملفات الشائكة والمعقدة، وتوحيد المواقف من مختلف القضايا المشتركة، حيث ان وحدة الموقف والرؤية الفلسطينية اللبنانية هي مصلحة مشتركة للطرفين، خاصة وان الفلسطينيين واللبنانيين متفقين معا على مواجهة مشاريع التوطين والتهجير، وبالتالي هم معنيون بصياغة ورسم الاسس السليمة للعلاقة فيما بينهم بما يخدم الاهداف المشتركة، وقد اكد الفلسطينيون على احترامهم للسيادة والقانون اللبناني وعلى السلم والاستقرار في لبنان، لانه مصلحة لبنانية وفلسطينية ايضا ورفضهم استغلال المخيمات لاغراض بعيدة عن المصلحة الفلسطينية، وبالتالي فان على السلطة اللبنانية ان تبادر الى الغاء اسباب المعاناة والحرمان، خاصة وان الكثيرمنها لا تحتاج معالجتها الى انتظار استئناف الحوار الفلسطيني اللبناني، لان شان هذه الخطوة ان تولد حالة من الارتياح لدى اللاجئين الفلسطينيين وتوفر المناخات الايجابية وتساهم في بناء الثقة بين الطرفين وتفتح الافق لانطلاقة جديدة وايجابية للحوار الفلسطيني اللبناني الذي من المفترض ان يستند اولا الى دعم نضال اللاجئين وحق العودة وفقا للقرار الدولي 194، وتوفير كل مقومات الحياة الضرورية لهم لتمكينهم من القدرة على مواجهة كل الاخطار التي تهدد حق العودة.
اخيرا يمكن القول ان تقرير المنظمة الدولية هو بمثابة اشعار لاهل السياسة والقرار في لبنان لخطورة الاوضاع الماساوية التي يرزخ تحتها اللاجئين الفلسطينيين، على امل ان تتم الاستفادة من هذا التقرير لجهة القراءة الصحيحة والسليمة للوجود الفلسطيني في لبنان باعتباره وجودا قسريا ومؤقتا لشعب له قضية وصاحب مسيرة نضالية، وان تدرك السلطة اللبنانية ان موضوع منح الفلسطينيين في لبنان لحقوقهم الانسانية والاجتماعية هو احد اهم العناصر التي تمكن اللاجئين من الصمود والتمسك بحق العودة ومواجهة كل المؤامرات والتحديات التي تعصف بقضيتهم الوطنية.