الرئيسية » مقالات » اليوم الثالث والأخير

اليوم الثالث والأخير

في اليوم الأول من عمله في الفولكس هيلفة ” الشركة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية ” استقل صابر وتوماس حافلة صغيرة وانطلقا في شوارع المدينة مزودان بقائمة صغيرة مكتوب فيها عناوين حاويات يرمي فيها المحسنين فيها ما يزيد عن حاجاتهم من الألبسة يعمل على جمعها من تلك الحاويات ستة سائقين يتناوبوا السواقة .
يجوبوا بسياراتهم شوارع المدينة ، يحشوها أطنانا ً من تلك الألبسة التي تفرزها عاملات في صالة الشركة الواقعة في فينر شتراسة الشارع الملتوي عنقه في نيوفيلد شتراسه ، شرق المدينة حيث يعيش العمال ، وتنثر المعامل ، ومكاتب بيع السيارات المستعملة والرخيصة لأصحابها اللبنانيين كيوسف هاشم ، وهيثم اللبنانيان ، والكرديان كوجَر وحسام ، تفرزها النسوة إلى ملابس صيفية أخرى ، شتوية : سراويل وأحذية وقمصان ، وربطات عنق وربطات شاش ، وماشابه …
ثلاثة عمال يعملون في المستودع هم هانز الخمسيني العمر ، وجيرهارد الذي يجايله ، ثم سومه الأفريقي القادم من كوناكري عاصمة غينيا المعروفة بعاصمتها المذكورة آنفا ً .
ثلاثتهم يتناوبوا على سياقة رافعتين تسميان بلغة أهل المدينة ((شتابلر)) …
النسوة في الصالة تعملن بنشاط غير عادي (كالزنبرك) بلا انقطاع ، يفرزن ، يخيطنّ ، ويعبئنّ ، ويحملن الأكياس .
تنقلها سواعدهن الناعمة من جهة إلى أخرى بحركة سريعة .. ثم ينادين هانز ليحمل الأكياس بالرافعة ويأتي بصندوق فارغ لتعبئته .. وهكذا ..
وهناك في الزاوية الجنوبية من الصالة امرأة خرساء اسمها ايلينا ، وعربي قادم من اسكندرون ( اللواء الذي كان سوريا ً وُهضم حقه ) اسمه شاكر .
مازحه صابر قائلا : ” أنت شاكر بن أبو شاكر .. والله كنت بعرف واحد بياع سلاح اسمه ابو شاكر ، الله يرحمه ويحسن إليه .. كان يبيع أولاد حارتي مسدسات وخرطوش ”
و عجوز متصابية تعشق العربيً الشاب الذي أصبح استنادا ً إلى موافقة نظام بلادنا على التنازل عن لواءه اسكندرون كليا لتركيا ً ، وبدون استشارة أعضاء مجلس الشعب ” الموقرون” اعتباره تركيا ً وإسقاطه من الخارطة التي تعلمنا خطوطها منذ أن ُأعلن استقلال سوريا وتكونت خارطتها الوطنية .
ذات مّرة جلس معه في فترة الاستراحة وكي لا يتدخل بأمور سياسية راح يقنعه بأن كلمة ” طز” إنما هي كردية بالأصل ، وان باص ال Tuzutu ماهو إلا من مرادفات كلمة Toz التي تعني “غبار” باللغة الكردية ، مما أغاظ شاكر الذي أصرّ واعتمادا ً على مصدر من جده الذي توفي متأثرا ً بنوبة قلبية لمّا لم يجد اسم اسكندرون في الخارطة السورية أن هذه الكلمه تركية وأن الأتراك كانوا يسيطرون على العرب في مراكز التفتيش ، و العرب في تلك الأيام من أيام الاحتلال العثماني للشرق والغرب كانوا يسافروا إلى بلاد الأناضول لمبادلة القمح بالملح ..
عندما يمر العربي خلال بوابة العسكري التركي حاملا ً اكياس الملح يشير إليه التركي بيده إيذانا بالدخول ودونما إكتراث بقوله (طز) (طز) (طز) فيجيب العربي (طز) بمعنى أنه ملح أي لا شئ ممنوع أو ذا قيمه فيدخل دون تفتيش .
سرد له أيضا ً وللتأكيد على نظريته هذه ما كتبه اميل حبيبي الكاتب التقدمي الفلسطيني عن “الطز” حيث يقول حبيبي : ” ..انه أثناء الحرب العالمية الأولى كان الجباة الأتراك يداهمون البيوت في فلسطين بحثا عن المؤونة لفرض الضرائب عليها وهم يفرضون الضريبة على أكياس القمح والشعير والسمسم والفول والحمص والملح. ولكن اقل ضريبة كانت على الملح، ومن اجل التهرب من الضريبة كان الفلسطينيون يدعون ان أكياسهم مليئة بالملح وحده وهكذا يدخل الجابي فيدور الحوار التالي مع صاحب الدار:
ماذا في هذا الكيس؟
ملح!
فيصرخ الجابي بمرافقه: َسجل طز .
في اليوم الثالث غاب سومه الكوناكري ، لم يحضر في الموعد المحدد ، اتصل بمكتب الشركة وطلب يوم راحة ، وغاب ماكس المشرف على العمل .
فتسلم هانز مهمة الاشراف على العمال والعاملات بدلا ًمنه ، وتحكم بالعمال .
أرسل ايفان ومينو وصفوت الألباني ، وتوماس الذي يقطع ثمانين كيلومترا ً من بيته الواقع في مدينة هاغ ، وأبقى صابر مع النسوة اللاتي يفرزن الألبسة .
في غرفة التحقيق المحقق سأل صابر : من هم رفاقك ؟
فأجابه بالنفي ، قال لا أعرف إلا أنــي من هذا الحزب ، ساعتها شــوّفوه نجوم الظهر ، خلوّه يشوف النبي كردي ، والصحابة أرناؤوط ..
لم يدر في خلده أنه سينقل أموات إلى مثواهم الأخير بين حدود البلدان الأوربية .
فقد َنقل متوفي ألباني من مدينة فيلز القريبة إلى جنوب مدينة نيش في يوغسلافية .. قطع يومها ومعه محرز التونسي حوالي ألف وثمان مئة كم خلال 24 ساعة لأنه يريد أن يلحق احتفالات عيد رأس السنة مع عائلته التي كانت قد أعدت شجرة عيد الميلاد ، وطاولة عليها ما لذ وطاب ، وكؤوس شراب .. والطريف أنه لمّـا أجاب شرطي الحدود الصربي بلغته الصربية التي تعلمها نتيجة اختلاطه بالشعوب السلافية اعتقد الأخير أن صابرا ً كان في عداد المجاهدين الذين حاربوا الصرب في البوسنة سيما وأن زميله كان مسلما ً أيضا ً كما صادف أن المتوفى وأخوه المسافر معهم كانا من ألبان الكوسوفو .
بعد ذلك بثلاثة أشهر مات رجل بوسني آخر بذاك المرض اللعين ، فحمّـله صابر في سيارة مكتب دفن الموتى الذي يملكها صديقه الجزائري وسافرا معا ً إلى البوسنة ، وفي طريق عودتهما تناولا طعام الغذاء في أحد المطاعم البوسنية المرمية على الطريق المؤدي إلى كرواتيا .. كان صاحب المطعم يشوي خروفا ً (كما هو ، بشحمه ولحمه ، حتى أن رائحة شويط الصوف كانت تعم المنطقة ) على الفحم مما دفع الصديقان أن ينزلا ليأكلان ويشربا الركيا اليوغسلافية ..
في اليوم الثاني وفي زحمة العمل ، وبينما كان صابر يساعد السيدة نيكول في فرز الألبسة التي يجمعها عادة من حاويات التبرعات .
فجأة ، توقفت رئيسة القسم عن العمل ، توجهت إلى السيد هانز نائب المشرف العام على العمل في الصالة وقدمت لها باقة ورود باسم العاملات والعمال مع قطعة كاتو صغيرة توسطتها شمعة ، وأنشد الجميع : ” .. هابي بيرس دويو .. سنة حلوة ياهانز .. ” ولفترة دقيقة ونصف لاأكثر جميع الزميلات والزملاء .. وعدهم بفنجان قهوة أثناء استراحة الغذاء ، ثم ما لبث أن توجه الجميع إلى العمل كم كانوا دون تعليق يذكر ..
في اليوم الثالث وبعد أن أنهى صابر وزميله توماس مهمتهما في جمع الألبسة من الحاويات الأربعة عشر ، والواقعة في حي أورفر غرب المدينة وذلك خلال زمن قياسي وهو ساعة ونصف ، في حين أن الحاويات تزن ملا يقل عن الثلاثة أطنان من الألبسة المختلفة أرسلهما السيد ماكس المشرف على العمال بمهمة خاصة (تابعة للعمل) حيث أن سيدة نمساوية كانت قد اتصلت بالشركة وأخبرت السكرتيرة ياسمين بأنها تتبرع بملابس للشركة ويجب حضور العمال لاستلامها .
انطلق صابر وتوماس إلى المنطقة القريبة من الشارع الذي أشارت إليه الســـــيدة الـُمهاتفة ، وبعد ثلاث ساعات استطاعا أن يعثرا على العنوان ، ولما ً لم يكن هناك مصعد كهربائي اضطرا إلى أن يصعدا الخمسة طوابق مشيا ً .
توقفا عند الباب حيث وقفت سيدة نمساوية ومعها كيسان صغيران سلمتهما إياهما كتبرع منها للفقراء الذين لايعرف عددهم في النمسا إلا الله .
شحاذ نمساوي يقف عادة على باب سوبر ماركت (Billa ) يستعطف زبائن المحل فيعطوه نقودا ً ليأكل فيها ، لكنه يدخل المحل ويشتري بيرة ..
نظر إلى صابر الذي بقي في السيارة ينتظر توماس ريثما يشتري طعام غذاءه ، وجريدته اليومية ، واشياء أخرى ( فصابر يأتي بطعامه من البيت لأنه أرخص فاجرة عمله طيلة النهار لا تتعدى العشرون أويرو ) وقال مشيرا ً إلى امرأة ناولته نقودا ً وانطلقت بسيارتها الإلفا روميو :
هل تعرف من هذه المرأة يازميل ؟ إنها السيدة ” ماير باور ” أغنى سيدة في هذه المقاطعة ، أعطتني فقط خمسة أويرو !!
خمسة أويرو !!
لو لا حاجتي لأرمي هذا المبلغ التافه في وجهها .. خمسة أويرو .. طز !! ؟؟
وتمتم بشتائم كثيرة غير مفهومة ..
========
* كاتب وناشط سياسي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *