الرئيسية » مقالات » حكايات أبي زاهد (بعد خراب ألبصره)

حكايات أبي زاهد (بعد خراب ألبصره)

البصرة الفيحاء ثغر العراق الباسم ،وبوابته على الخليج،والرئة التي يتنفس منها،يتمتع أهلها بمزايا رائعة،وصفات بديعة،جمعوا عذوبة الفرات،وحلاوة دجلة،وتأثروا بثقافات متعددة لاختلاطهم مع الأجانب،ويتعايشون مع الجميع،لذلك ندر أن شجر خلاف بين طوائفهم لتميزهم بقبول الآخر،والاهتمام به،ونجد فيها مختلف المذاهب والأديان،تظللهم جميعا راية العراق،تجمعهم الأهداف إذا فرقتهم المذاهب،وعاشوا بوئام ومحبة،ينعمون بما نعم فيه العراقيون من خير،ويعانون ما عانوه من شر.
وعندما سقط الصنم…وانهارت مؤسسات الدولة،أستحوذ على مفاصلها الحيوية بعض الطارئين من نفايات الجاليات الأجنبية،وعشعشت فيها بعض العصابات الإجرامية المدعومة من وراء الحدود،وأخذت المخابرات الأجنبية تصول وتجول،دون حسيب أو رقيب،لضعف السلطة وعدم قدرتها على بسط سيطرتها،ووجود الطارئين الذين لا يحسبون لمصلحة الوطن أي حساب،وكان همهم الوحيد،سرقة الأموال،وتهريب النفط،وتدمير البنى التحتية،وسرقة المعامل وبيعها لدول الجوار،التي فتحت أشداقها لابتلاع العراق ،وتدميره وأحالته إلى ركام،وظهرت فيها الكثير من الواجهات العقائدية،التي تؤمن بالمقولة الميكافيلية”الغاية تبرر الوسيلة” ،فاتبعوا أخس الوسائل لتدمير ما يمكن تدميره بحجة محاربة قوات الاحتلال،فكانوا أشر على العراق وأهله من تلك القوات الغازية،بما ارتكبوا من الموبقات التي يندى لها الجبين،وحاولوا فرض أجندتهم باستعمال الوسائل المشروعة وغير المشروعة،وقاموا بكبت الحريات،وفرض آرائهم وأفكارهم السوداء بالقوة المسلحة،والإرهاب الأهوج.
وهكذا أنحدر ثغر العراق،وتفاقمت الأزمات في هذه المدينة الباسلة،وقد حاولت الحكومة الجديدة رأب الصدع،وإصلاح ما فسد،فأوفدت نائب رئيس الجمهورية الأستاذ عادل عبد المهدي لإصلاح ذات البين،وأردفته بمعالي الدكتور المالكي رئيس الوزراء، الذي حاول أعادة الأمور إلى نصابها،ألا أنه جوبه بالحقيقة المرة التي يصعب إصلاحها،فكانت حلوله الترقيعية غير ذات جدوى،إذ شكل لجنة برآسة وزير شؤون البرلمان وعضوية النائبين سلام المالكي وهادي ألعامري لمعالجة الأزمة، وإيجاد الحلول لها،ولله در المتنبي الخالد:
يا أصدق الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
فمشكلة البصرة ليست بين الأحزاب السياسية العلمانية،أو بين العشائر البصرية،وإنما هي خلافات بين مليشيات حاكمة تحاول الاستحواذ والسيطرة على مقدرات أغنى مدينة في العالم،وأهم مفصل من مفاصل البلاد،يسيل لها اللعاب ،وتحنى لها الرقاب،وبها الكثير من اللحم والكباب،وخصوصا ونحن مقبلون على أقامة نظام فدرالي،حيث يحلم الكثيرون بتشكيل ولايات وتكوين زعامات،وبناء ملكيات، و أمارات مدعومة من الأرض والسماء،وإقامة الحكم المطلق الذي لا يخضع لأي قانون سوى رأي أولي الأمر،ومن وجبت طاعتهم فيما يفعلون،وقد صرح السيد ماجد الساري،مستشار وزير الدفاع( أن الاغتيالات في البصرة وصلت إلى معدلات مخيفة،ففي كل ساعة قتيل،وأتهم الحكومة المركزية ووزارة الداخلية بتجاهل ندا آت المساعدة في حل الأزمة،وعدم الاهتمام الجدي لما يدور في المدينة،وأن بعض رجال الدين هم وراء هذه الفتنة العمياء).
ويبدوا أن الظلاميين الذين يعيشون في الجحور المظلمة يسوءهم أن يعيش الناس في النور،لذلك حاولوا حجب بصيص النور المطل من عيون زرقاء اليمامة وابتسامة موناليزا الجنوب،وهالهم أن يتسرب النور من ثنايا النسوة التي تضفي على الحياة أفانين الحب وأغاريد البهجة،وحاولوا احتكار كل شيء لهم ،فكانت هجمتهم الشرسة على صبايا أم البروم،وحسان التنومة،وفتيات خمسة ميل،وبائعات القيمر في أم البروم،بحجج ما أنزل الله بها من سلطان،لأن المرأة في أعرافهم خلقت من ضلع أعوج،وهم المسخرون لتعديله بما منحتهم السماء من صلاحيات،فكانت السياسة الجديدة دافعا لقتل النسوة البصريات تحت ذرائع لا تنسجم والديمقراطية وحقوق الإنسان،وأصبح قتل النساء علامة فارقة في العراق،لأسباب لا تخفى على من أوتي شيء من الفطنة.
وفيما أكتب أقتحم خلوتي صديقي المؤثر(سوادي)فبادرته بعد رد السلام:رب صدفة خير من ميعاد،وأنها لنعمة غير مرتقبة أن تزورني وأنا على وشك الذهاب لزيارتك،فقال لي بسخرية لاذعة:”شتسوي ألما يجي وياك تعال آوياه”صار أيام ما جيتني گلت خلي أزورك،شكرت له اهتمامه،وبعد تناول الشاي سألني: “لازم مدوختك حسبه،أشوفك مهموم مغموم،حسبالك تاجر غرگانه مراكبه ..خيرك..”فقلت له:ومن أين يأتي الخير،وأينما التفت أرى ما تشيب له الولدان،ألم تسمع بما يجري في ألبصره من دمار وتخريب وقتل وسرقات وفساد؟ فقاطعني”تهيه… بهيه..هذه الچنه حاسبين حسابه،وقاريين كتابه،گلنه من أول يوم يمعودين ديروا بالكم من أهل العيون السود،تره باچر يعصون عله الجابوهم،ولا واحد سمع، داسوا عله الحچايه وشربوا عليه تنكر ماي،هسه جايني”بعد خراب ألبصره” تگلي شنسوي؟ بويه”أحسن ما تگلها كش أكسر رجلها”و”أطفر النهر ما طوله ضيگ”وهاي العصابات لتسرح وتمرح بلا حساب ولا كتاب هي وره الخراب،واليوم “أدفعها بگچصبه،گبل ما تحتاج مردي” وبالبصرة كل الوادم تدري ياهو ليذبح ،وياهو اليبوگ،وتكاكينهم فاكيها علن بوضح النهار،وماكو شي مضموم،وكل الناس تعرف ربع أبو ناجي،وربع حسقيل،وربع البلوه السوده،ويدرون الجيش المن ،والشرطة منين،ويعرفون”الحيايه الصفر التلدغ وتظم روسها” وإذا همه الحاكم وهمه الحكيم،والوادم خايفه”جاك الواوي جاك الذيب” وحكومة بغداد ما تدري باليصير با لسماوه،و”صاير ه كلمن أيده اله” والشياطين معشعشه بكل مچان”وإبليس ما يخرب عشه”وهذه امتحان للحكومة ،لو تنجح بيه،لو الله ليستر،”وأبو گريوه يبين بالعبره” وخلي أنشوفهم شيسوون،”يگدرون يگولون للسبع حلگك جايف” لو يظلون يطمطمون بيها،والنار تظل جوه الرماد،وكلما تگب هويه توجر النار،وأحنه ضالين لا أعمار،ولا بنيان،ولردينه عله مهجمات أهلنه،لكن أسفي عله الوادم الزينة اللي تشوف وتسكن،ليش ما يحچون ما يسولفون”لو أولاد ألسنه يكبرون على شيوخ العام” :

وإذا صار الحچي بيد الزعاطيط                          مات النشو وتكسر العيط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *