الرئيسية » الآداب » عندما يسمو الشعر ويرتقي الى ذرى المجد

عندما يسمو الشعر ويرتقي الى ذرى المجد

قراءة تحليلية لقصيدة (ياماردا) للدكتور بدرخان السندي مهداة الى روح القائد الراحل مصطفى البارزاني الخالد بمناسبة الذكرى الحادية والستين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني

بعد ان ابدع الشاعر الالمعي الدكتور بدرخان السندي في تجسيد القضية الكوردية من خلال قصيدته العصماء (يابراقاً) التي القاها بمناسبة استشهاد البطلة الكوردية (ليلى قاسم) وكوكبة من مناضلي الكورد اذ جسد فيها القضية الكوردية باسلوبه البديع ونظمه الوجيز الممتنع انبهر بها جمهور المثقفين والمهتمين بفنون الشعر والادب الاصيل فكانت من اجمل القصائد الثورية جسدت المسألة الكوردية بكل تفاصيلها وملامحها البطولية واهدافها النبيلة في تحقيق الفدرالية ومما زاد في روعة تصويرها الالقاء الجميل المتميز من قبل الشاعر الكبير استحق عليه الثناء الجميل والشكر الجزيل. الا ان الدكتور بدرخان آل على نفسه ان يكمل صورة الملاحم البطولية بقائد الثورة الكوردية الذي نذر نفسه لتحقيق آمال وطموحات الشعب الكوردي في نيل حقوقه المشروعة ناضل من اجلها اكثر من نصف قرن فكان ثائراً ومناضلاً منذ طفولته اذ لم يعرف له جهد سوى النضال من اجل القضية الكوردية استطاع ان يضع عجلة النضال على المسار الصحيح دون زوغان وانحراف من خلال الثورات التي قادها مع اشقائه منذ مطلع الثلاثينيات في الثورات البارزانية الثلاث للاعوام 1931، 1943، وسنة 1945 كما شارك كقائد محنك من البيشمركه البارزانيين الابطال في الدفاع عن جمهورية مهاباد عام 1946 التي تأسست في كوردستان ايران برئاسة قاضي محمد الا ان جمهورية مهاباد الفتية لم تدم طويلاً فتم افشالها والقضاء على ابطالها الميامين واعدام رئيس الدولة قاضي محمد عام 1947 التجأ القائد البارزاني مع البيشمركه الابطال الى الاتحاد السوفيتي وقد تم انتخابه في 16 اب عام 1946 رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني وعند سقوط النظام الملكي واعلان النظام الجمهوري في 14 تموز عام 1958 عاد البارزاني الخالد الى العراق وقد تم اعلان الدستور الجديد الذي تضمنت بعض بنوده منح الحقوق القومية للشعب الكوردي الا ان بعد مدة قليلة انحرفت الثورة عن مسارها الثوري الصحيح ازاء القضية الكوردية مما سبب اندلاع ثورة ايلول عام 1961 فاستمر القتال العنيف بين قوات البيشمركه الابطال والجيش تكبد فيه الطرفان الخسائر الفادحة في الارواح والاموال ثم توقف القتال عام 1970 لصدور اتفاقية 11 اذار الذي تفاءل به الكورد لنيل حقوقهم المشروعة على تنفيذ كل بنود اتفاقية اذار في غضون اربع سنوات. استؤنف القتال عام 1974 بعد ان نكل اعضاء القيادة البعثية ببنود اتفاقية اذار وقدموا من طرف واحد بنوداً جديدة لاقيمة لها في تحقيق طموح وآمال الشعب الكوردي فأيقن البارزاني انهم ارادوا كسب الوقت عندما اقترحوا تنفيذ الاتفاقية خلال مدة اربع سنوات وقد انفقت القيادة السياسية في الحكومة المركزية مع حكومة شاه ايران لاجهاض الثورة الكوردية مقابل تخلي الحكومة المركزية في العراق عن اراضيها المائية في شط العرب لحكومة الشاه بشهادة الرئيس الجزائري عام 1975. الا ان الثورة استئنافت نشاطها بشكل اكثر تنظيماً عام 1976 فاندلعت ثورة كولان. انتقل الزعيم البارزاني الخالد الى جوار ربه في الاول من اذار عام 1979 وقبل وفاته في الرابع من كانون الاول من ذات العام تم انتخاب نجله الاستاذ المناضل مسعود البارزاني رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني في المؤتمر التاسع للحزب فتسلم من والده الماجد مشعل الثورة وراية كوردستان الخالدة فهو خير خلف لخير سلف. هذه نبذة مختصرة تعد مدخلاً لسبر اغوار فكر شاعرنا العبقري لشرح مضامينه ورموزه السحرية الخلابة والتي تعد ملحمة شعرية تجسد بطولات البارزاني الخالد في سفر نضاله الطويل وقد وصفه الشاعر الكبير بـ(المارد) والمارد في اللغة العربية وكذلك في اللغات الاندو اوربية تعني الشجاع البطل الذي لا يقهر وهو اختيار موفق ووصف دقيق لرمز كوردستان الخالد الزعيم الراحل مصطفى البارزاني ففي المقطع الاول من قصيدته ينثر الشاعر درره المنظومة بقوله:
خطت على وجنات الراسبات سجاياه
وحكى الموج في آراس
والضفتان
بعضاً من ذكرى البطولة
خسئ الزمان ان تخزل
البطولة فيك هذه الكلمات وان كانت من الشعر الحر تعد معلقة جديدة يجب ان لا يمر عليها القارئ مر الكرام فلنقف عند المقطع الاول الذي يقصد به الشاعر ان النضال الدؤوب ترك اثراً بليغاً على سفوح الجبال الراسبات التي ابلى بها القائد البارزاني بلاءاً حسناً ملقناً الاعداء دروساً موجعة مما سببت آن تهوى عروش اسيادهم وحكامهم وجب على الاجيال ان يستذكره بكل فخر واعتزاز.
اما اراس فهو النهر الذي يفصل الحدود السوفيتية عن الحدود الايرانية اذ بعد ان تم اعدام القاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد عام 1947 شنت القوات العسكرية الايرانية بالتحالف مع القوات التركية والعراقية هجوماً واسعاً على قوات البيشمركه الميامين وقائدهم البطل البارزاني الخالد الذي استطاع بصموده البطولي مقاتلهم مدة 48 يوماً فلم يتمكن الجيش الايراني الجرار وحلفاؤهم من القضاء عليهم بالرغم من دعمهم العسكري واللوجستي فالتجأ قائد الثوار البارزاني مع خمسمئة من المقاتلين الشباب الى الاتحاد السوفيتي قاطعين زهاء مئتي ميل سيراً على الاقدام في الجبال الوعرة ثم عبروا نهر اراس الخالد في تلك المسيرة العسكرية التاريخية مما اشهد الشاعر النهر وضفتيه على بطولة واستبسال هذا القائد التاريخي وبعده، يذم الشاعر الزمان الذي تواطأ فيه بعض الاقزام مع الاستعمار وحكموا البلاد للنيل من الثورة الكوردية وزعيمها البطل ولكن محاولتهم باءت بالفشل وزلزلت عروشهم وهوت الى وادي سحيق.
والمقطع الثاني الذي نصه:
يا معرف الكورد شرق الينا وغربها
في غفلة من الزمن الابكم
ظنو انهم يعلو المفرق يأسا
وما علموا
ان همك القدسي
عن امة
فكم من ظالم تربص بك
فذاك شاه وذاك قيصر
وذاك في بغداد يرى منا
رؤوساً اينعت
انه على رقابنا حجاج ما اروع الكلمات في قوله (يامعرف الكورد شرق الدنا وغربها. في غفلة من الزمن الابكم) التي لا يقدر عليه الا من كان صنعته الشعر متبحراً في فنونه وديباجته ونسجه البديع.
وحقيقة القول ان الشعب الكوردي لولا البارزاني الخالد لكان الان شعباً مهمشاً مواطنين مهمشين من الدرجة الثانية او الثالثة ليس لهم تفاعل ايجابي في المجتمع العراقي فهم في اية لحظة وحين مهددون بالترحيل والتهجير بذريعة التبعية والطائفية وغيرها الا من كان تابعاً للحكام في السلطة متنكراً لقوميته وقضيته ذليلاً خنوعاً منبوذاً من قبل اسياده وقومه والشعب ولكن البارزاني الخالد من خلال مسيرته النضالية استطاع ان يبرز القومية الكوردية على الساحة السياسية والاجتماعية كشعب اصيل له ثقله السياسي والايديولوجي المؤثر على الساحة السياسية لا يفرقهم عن اخوتهم العرب سوى جغرافية المنطقة بالرغم من الصمت الاعلامي استطاع من معاناته النضالية ان يعز امة الكورد بعد ان كان الحاقدون عليه ينعتون الكورد بانهم ليسوا بأمة لانهم ليس لهم دولة قائمة كبقية امم العالم
وقد تربص بقيادة البارزاني الكثيرون من الشوفينيين الحاقدين على الكورد وحاكوا له المؤامرات العديدة لاغتياله مع رفاقه الابطال ولكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع ولعلنا نتذكر القرية المفخخة التي دبرتها الزمر الخائفة بعد اتفاقية اذار في مطلع السبعينات فاعداء الكورد محاطون في عموم كوردستان وهم ليسوا اعداء تقليديين انما دول لها اجنداتها الخاصة ومصالحها واستراتيجياتها لقمع النهضة الكوردية وسحق شعبها وقد شخصهم الشاعر جليا في السلطة المركزية وايران الشاه وتركيا التي كانت ومازالت تتبع سياسة التتريك والتي لحد الان يصف الكورد بمنتهى الازدراء كونهم اتراك الجبال ولا يعترف بهم كقومية حية لها تاريخ مجيد تمتد جذورها الى حضارة سومر التي نشأت قبل اكثر من 3000 عام في وادي الرافدين فالسومريون باتفاق كل المؤرخين والباحثين هم الكورد الكوتيون والميديون هم الكورد الذين عاصروا البابليين وقد وصف الشاعر طاغية بغداد بالقائد الاموي المستبد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قتل ظلما الصحابي الجليل سعيد بن جبير والكثيرين من الابرياء والصالحين وقد ابتلاه الله بمرض البطنة الخبيثة وعندما عجز الاطباء عن معالجته طلب ان يزور شيخ المتصوفة الحسن البصري العبد الصالح والعالم الزاهد لعله يدعو الله ان يشافيه فقال له الحسن البصري كم نصحتك ان لا تتعرض للصالحين اما سمعت حديث النبي (ص) (من اذى ولياً آذيته بالحرب) اما حجاج بغداد فقد عادى في الظلم والاستبداد والضلال. فقتل من الشعبين الكوردي والعربي مئات الالوف من الاطفال والشيوخ والنساء واستباح ارضهم وعرضهم بابشع صورة فسلط الله عليه من لا يرحمه. وفي المقطع الثالث يعبر الشاعر عن النضال الدؤوب المستمر للبارزاني الخالد دون كلل او ملل او ضجر او طمع لمال او جاه حيث حاول القادة في السلطة باغرائه لكنه ابى الا ان يحقق حلمه في كوردستان وهو في سن الشيخوخة يقاتل كالشباب وقد انار درب النضال للاجيال اللاحقة ولم نقرأ في التاريخ نظيراً لنضاله الا القائد الليبي الثائر عمر المختار الذي قاوم الاستعمار الايطالي لاكثر من عشرين سنة في صحراء ليبيا اما القائد الكوردي البارزاني الخالد فقد قاوم لاكثر من خمسين سنة في جبال كوردستان الراسبات. حتى وافاه الاجل في الاول من اذار عام 1979 فكل شبر من كوردستان كانت تتمنى ان تضم رفاته الطاهرة وفاء لدفاعه المستميت فيها.
وفي المقطع الرابع يعبر الشاعر عن تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 16 اب عام 1946 وانتخاب البارزاني الخالد رئيساً للحزب وها قد مضت به الاجيال ويستلهمون من مدرسته الدروس والعبر في التضحية والفداء والاستبسال والبساطة والتواضع وحياة الزهد والتقشف فكان كالشمس تنبر درب الثائرين وقد خلف تراثاً ثرا لسيرته الوضاءة سار على نهجه القويم المناضلون الكورد.
وقد عبر الشاعر بقوله (المعجز يا معبداً شيدته النسور في عز آب..؟) كناية عن تأسيس الحزب في منتصف اب من قبل الكورد الابطال وقائدهم الهمام البارزاني الخالد الذي اكد اهدافها الرصينة على النضال من اجل نيل الحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن كوردستان البطلة والدفاع عنها بالارواح والانفس ضد المتربصين بالكورد والمتصيدين بالماء العكر وتعليم النشأ الجديد الصبر والثبات على المبادئ وتحمل الجفاء والصعاب للوصول الى الهدف المنشود وقد شبه ذلك بمهنة الحلاج الشاقة.
وفي المقطع الاخير ربط الشاعر المسيرة النضالية للقائد البارزاني بانها جنت ثمارها بعد وفاته اذ تحقق ما كان يصبو اليه بتحقيق الفدرالية في كوردستان البطلة الامنة والتي في ظلها تعيش كل الشعوب الكوردستانية احراراً معززين مكرمين بفضل المدرسة التي انشأها ووضع لبنتها الاولى قائد الثورة الكوردية الزعيم البارزاني كما يعبر الشاعر في نهاية المقطع عن المستقبل المشرق في تأسيس دولة كوردستان الكبرى لتحرير الشعب الكوردي من الاضطهاد والاستبداد ونيل استقلالهم في الدولة الكوردية الموحدة. والحق يقال بان هذه القصيدة الخالدة يستحيل على اي كان ان ينظمها بهذا الشكل المنسق الجميل ما لم يكن ملماً بتفاصيل القضية الكوردية والسيرة الوضاءة لقائد الثورة الكوردية يستحق عليها ناظمها الثناء الجميل والشكر الجزيل والشرح الطويل من لدن المثقفين الكورد واتحاد ادباء كورستان ولعل المرء يتساءل اين دورهم الاعلامي ونشاطاتهم في رفد الثقافة القومية للقضية الكوردية التي ظلت مبهمة لدى الشعب العربي وكذلك قسم من الشعب الكوردي الذي يجهل ابسط المعلومات عن القضية الكوردية والمسيرة التاريخية لقائد الثورة الكوردية بل اين دور الاعلام في التعريف برموز القضية الكوردية وملامحهم البطولية لذلك ارتأي دعم الشعراء المتميزين والادباء والمثقفين الكورد ومكافأتهم بجوائز تقديرية تثميناً لجهودهم المخلصة وتشجيعاً لتواصلهم لرفد كل ما هو اصيل ومتميز والا سوف تتلاشى تدريجياً الحركة الثقافية الكوردية ويعزف روادها عن كتابة الشعر والنظم الجميل الذي يجهله الكثيرون فهذا الفن الابداعي ليس سهلاً كما يظنه البعض بل هو من اصعب الاعمال المعرفية يتطلب ثقافة عالية وخيالاً خصباً وحساً مرهفاً او اعجازاً في دقة التعابير وحسن البيان لذلك كان القدماء يقدمون الشعراء في كل مناحي الحياة وقد اطلق عليهم الخليفة العباسي الامين بقوله (الشعراء زينة المجالس) كما كان لكل ملك او سلطان او خليفة نخبة من الشعراء والادباء وفي الجاهلية علقوا القصائد الجميلة للشعراء المميزين على اسوار الكعبة تشجيعاً لهم سميت اعمالهم بالمعلقات مازالت في الذاكرة.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *