الرئيسية » مقالات » الحضارة المقتولة

الحضارة المقتولة

“درسا الرياضة والفنية ألغيا بعد أن كانا رافدين للمواهب اللامعة وتحولا إلى وقت للتنظيف”……

هذا مانشرته جريدة الصباح العراقية يوم 13 نوفمبر بتقرير طويل للصحفية شذى فاضل، قابلت فيه مدرسي رياضة وفنون وطلبة كما دخلت للعديد من مدارس بغداد للبحث والتقصي بهذا الشأن، وكانت النتيجة مرعبة، حيث تم فعلا الاستغناء في الكثير من المدارس عن هذين الدرسين واستعاضتهما بدروس علمية او وقت لتنظيف الصف وساحة المدرسة !..
وهنا استحضر مقولات بعض العظماء في التاريخ فقد قال الفيلسوف جان جاك روسو:
“نحن في حاجة إلى المزيد من فئة صانعي الأحداث، لأنهم وحدهم دون غيرهم الذين يستطيعون إن يغيروا وجه التاريخ. وكل من أراد أن يكون من هذه الفئة لابد أن يكون من أصحاب المواهب والقدرات والمهارات المتميزة”….. ولاننسى ان المواهب والمهارات منها مايكتشف بدروس الفن والرياضة..
لولا الموسيقى لكانت الحياة ضربا من الخطأ… الفيلسوف نيتشة
تعلـّم الموسيقى كتعلم الطب… الكندي
“الهوا والعبوا فأني اكره ان يرى في دينكم غلظة”.. حديث نبوي
“المؤمن القوي خير وأحب من المؤمن الضعيف”.. حديث نبوي
العقل السليم في الجسم السليم… حكمة قديمة

ماذكرته من مقولات وحكم وحديثين، يتعلقان بالرياضة والفن وضرورتهما في حياة كل انسان، هو تذكير للمسؤولين عن التربية والتعليم في العراق.
هذا اضافة لما يقوله العلم في هذا الجانب من ان الفن والرياضة غذاء ومتنفس للروح والجسد، فالفن يرتقي بالذوق والروح ويشذبهما من القسوة لتكون مؤهلة لحياة الحضارة – خاصة ونحن في زمن الارهاب الذي نحتاج فيه الى مايقلل من القسوة المؤدية للعنف الذي اجتاح نفوس الشباب ليدمر كل شيء – اما الرياضة فتقوي الجسد وتبعد المرض وتطيل الشباب وتجعل الثقة بالنفس اقوى للتحمل والاقدام والنجاحات.
ان أجمل واعظم أبنية ٍ وتماثيل ولوحات ٍٍ للحضارة البشرية جاءت مع صعود البرجوازية ورومانسيتها التي اهتمت وابدعت في النحت والفنون والاداب والرياضة، وما اثارها الشاخصة حتى الان في العمارة والفن والادب إلا نتاج تلك الحقبة الرائعة من حياة البشرية التي يود المرء لو انه عاش فيها لانها خير من زمن تردت به القيم وغاب عنه الاهتمام بالفن الحقيقي..
واعود لحالتي حين قرأت الخبر الذي هزني فتزاحمت في ذهني صور الطفولة ومدارسنا العراقية التي كانت قبل صدام مراكز تهذيب وتعلّم حقيقيين، وتذكرت الاستعراضات الرياضية السنوية والكشافة ومعارض الفنون التي تتبارى بها مدارس كل مدينة عراقية فيما بينها، واتذكر عند انتهاء الاستعراض وحصولنا على الكأس نحتفل راكضين بشوارع المدينة وازقتها بملابسنا البراقة الجميلة هاتفين باعلى اصواتنا بحياة مدرستنا وتفوقها مطالبين الناس بالزغاريد لنجاحنا :
“ياناس فد هلهولة، حليمة طلعت اولى”.. حليمة هي الابتدائية التي درست ُ بها كما درست والدتي بها من قبلي والتي تأسست عام 1923..
وكانت ملابسنا ذات الكشاكش الجميلة بلون خاص لكل مدرسة, وملابس مدرستي باللون الوردي ومدرسة الثقافة بلونها الابيض ومدرسة السعادة بلونها الازرق، وهكذا كل مدرسة بلون ثياب زاهية وبدلة اطفال رائعة واتذكر مدارس الاولاد، فمدرسة الاسماعيلية ملابس الرياضة فيها بلون اصفر والفرات بلون اخضر ومدرسة السوق الاولى بلون ابيض ومدرسة الرازي بلون برتقالي..
هكذا كانت مدارس العراق سابقا، حتى اسماءها دالة على حضارة هذا البلد وثقافة اهله, لا كما اليوم تقترب اسماء المدارس من اسماء الاضرحة والاولياء وتذكِّر بهم, وكأن العلم والعمل بات دينيا فقط وغاب فضل العلماء وقيم الثقافة بكل تاريخنا الذي يشهد له العالم كأولى الحضارات في التأريخ.
لقد اغرقت مدارس العراق اليوم بالمفاهيم السلفية وبوساوس الوهم والسوداوية، وكأن الدنيا تدور حول المقدسات التي استحوذت على فكر المتأسلمين، فأصبحوا لا يرون سواها وكما قال الفيلسوف كانط ” العميان لا يرون غير ذواتهم”..
المؤلم بالامر اننا بتنا نتحسر على كل ماض مهما كان بعيدا وسحيقا ولا يمت للعصر بصلة، فاين فنون حضارة ارض الرافدين التي دمرت وسرقت حتى صرنا نرضى – بألم وحسرة – ان نتفرج على باب عشتار ومعبد مردوخ في برلين, ونحمد الرب انها هناك وقد سلمت من ايدي الشر واعداء الابداع..
وتقهرني الذكريات, فاعود لطفولتي كلما احاول مغادرتها…..
كانت تقدم في الاستعراضات الاوبريتات والعاب القوى والابتكارات الحديثة في الالعاب البهلوانية والقفز من خلال قوس النار، وسباق القفز والركض بانواع عديدة ولمسافات متنوعة للبنات كما للشباب, كانت ملابسنا جميلة تفرح الطفولة، فكنا كالفراشات ولربما اعطانا شعور الفرح ذاك احساس بالطفولة والبراءة رافقنا حتى هذا العمر وهذه الغربة، فلازال يراودني الشعور بانني تلك الفراشة الوردية التي تنطلق وتركض وتلعب في مدارس وساحات المدينة بكل تلقائية، فاي شعور لدى الطفلة العراقية الان وطفولتها تمسخ بالأحجبة وتجلس مثل العجائز ممنوع عليها الرقص والتنقل والغناء وكل ماكنا نمارسه في زماننا ذاك؟
كانت مدينة سوق الشيوخ وقتها كغيرها من مدن العراق، مدينة حضرية فبالاضافة للاستعراض الرياضي السنوي الذي تتبارى به مدارس الاطفال في العراق، هناك المعارض الفنية التي تبذل لها الجهود والميزانية منذ اول العام الدراسي، لتبدع الطالبات والطلاب بالرسوم والفنون التشكيلية والخياطة والتطريز وابتكار الافكار الحديثة في الكهرباء وعلوم الكيمياء وسواها من العاب ننتظرها كل عام لتفاجئنا بتفوق مدرسة او طالب مبتكر نراه يفرح بكأس خاص..
كيف لي ان امسك تدفق الذكريات؟
الان قفزت الى ذاكرتي صورتي وانا ارتدي العلم العراقي، واتقدم مدرستي في الكشافة ، ثم تذكرت العابنا السويدية التي كنا نتدرب عليها لا في دروس الرياضة فقط انما في دروس اخرى حينما يقترب موعد الاستعراض..
تذكرت المسرحيات التي كنا نقدمها في سنوات الطفولة امام الملأ وتذكرت كيف انني مثلت ُ دور الأسد في مسرحية القوي والضعيف لأحمد شوقي وكنت يومها في الحادية عشر، كما تذكرت انني غنيت وانا ارتدي ملابس بيضاء اغنية للفقراء لازلت ارددها، يومها رافقني عزف كمان لموسيقار هاو من مدينتي وكانت زميلاتي كورسا يعيد ورائي ما اغنيه…
آه ايتها الذكريات وليسامحني السياب اذ استعير من شعره واستبدل بعض كلماته حين يقول:
ياذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
واقول:
ياذكريات علام جئت على النوى وعلى الخراب؟

نعم، الغربة هي خراب العراق،انها اشد وطاة من كل غربة وكل ذكريات حيث تغادرنا حضارة تـُقتل امام اعيننا باعصاب باردة, من قبل عقول مليئة بالزيف والظلام وامراض النفس، ونحن نتفرج ولا نملك مجبرين الا الكلمات والبكاء..
أيلاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *