الرئيسية » مقالات » حول دور الأحتكارات النفطية في العراق ! 2 من 2

حول دور الأحتكارات النفطية في العراق ! 2 من 2

وفيما يرى متخصصون في الشؤون العسكرية واللوجستية، ان مكونات السوق السوداء تلك، كانت السبب المباشر لقدرة انواع العصابات ومجاميع الأرهاب والأسلحة على التسرب الى البلاد، ولأمكاناتها في الحركة غير المقيّدة داخلها. . اضافة الى كون انها السبب الأساسي للقدرة على تسريب النفط الخام من البلاد بكميات فلكية بحماية انواع الميليشيات الطائفية هذه المرة اضافة الى انواع عصابات الأجرام التي تطعمت بالعناصر الفاسدة من عناصر المرتزقة وشركات الحماية الخاصة المتعددة الجنسية، وممن محسوبين على العملية السياسية وفي داخلها، الذين تعج بنشر نشاطاتهم وافعالهم الصحافة ووكالات الأعلام المحلية الأقليمية والعالمية .
مؤمنة بذلك سيلان النفط رخيصاً الى اطراف من مكوّنات عين تلك الأحتكارات النفطية المتعدية الجنسية بعد ان ازدادت تنوعاً عن السابق (1) ـ بما فيها من مساهمين عرب وغير عرب من الجوار، كحكومات اواشخاص متنفذين اوشركات (2) . .
التي تحاول من جانبها وبكل قواها وبكل ثمن وفريق . . اطالة الأزمة العراقية والأبقاء على حالة عدم الأستقرار في البلاد ، للحفاظ على ارباحها تلك وزيادتها سواء كانت وفق عقود اصولية او في السوق السوداء . . والبلاد تتدمر ـ كشكل من اشكال تطبيق مبدأ ايزنهاور بتحطيم منابع النفط ان لم يُتمكن من حمايتها، بتقدير خبراء ـ ولتزيد من الفوضى والعنف، اضافة الى زيادة خسائر الدولة المالية واعاقة تطبيق برامجها للبناء، من جهة.
ولأجل انجاح محاولاتها هي في فرض وجهتها واهدافها على الصعيد الأقتصادي الأجتماعي الداخلي ، وبالتالي العسكري والسياسي، من جهة اخرى، في ظروف مشجعة لها بسبب مواقف عدد من الدول الأاقليمية التي تخشى نهوض العراق مجدداً، خوفاً من تاثيره على انتاج واسعار نفطها خاصة والنفط عموماً، والذي ستتضرر من ورائه بتقديرها !!
الأمر الذي يؤكد صحة اقوال اكثر من خبير نفطي عراقي، سواءاً تلك التي تناقلتها صحف عراقية معروفة ووكالات انباء دولية وخاصة في مطلع شهر تموز الماضي، والتي افادت بـ : ” ان اكثر من نصف النفط العراقي الخام يذهب الى جهات مجهولة نتيجة عمليات سرقة منظمة تشترك فيها بعض الدول وشركات دولية كبرى . . ” . مشيرة بالأسم الى دول اقليمية خليجية وكيانات ومؤسسات نفطية عراقية ضالعة في تلك العمليات، الأمر الذي اكدته مصادر نفطية اقليمية اخرى من مصادرها هي، اضافة الى اعراب مسؤولين كبار في هيئة النزاهة الوطنية حينه عن عقبات كبيرة تواجهها الهيئة في مجال تعقّب ملفات الفساد الأداري الضخمة في وزارة النفط .
ان نظرة سريعة الى دور النفط العراقي الغزير والعالي الجودة والسهل الأستخراج والتصدير للعالم عبر البحر الأبيض المتوسط، والعائد الى بلد متنوع الخيرات والثقافات والقوميات والأديان والفكر والتكوينات والطاقات والكفاءات في منطقة خليج النفط . . ان تلك النظرة الى دوره في المنطقة والعالم، يمكن ان تلقي ضوءاً هاماً على اسباب استعصاء الأزمة العراقية :
لقد دخل النفط العراقي وبالذات نفط بابا كركر المعروف آنذاك، كسبب هام من اسباب اشتعال الحرب العالمية الأولى لتكالب الدول الصناعية عليه وخاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الحديثة التواجد في المنطقة آنذاك، ودخل كسبب اساسي في تحديد خارطة المنطقة الأقليمية الجديدة في ضوء نتائج تلك الحرب العالمية وبالتالي في رسم حدود دولة العراق الوليدة . . اثر رفض مكونات شعوب وادي الرافدين باطيافها ـ بالتالي شعب تلك الدولة ـ وبشكل عام . . الأحتلال وصيغة الأنتداب (3) .
وقد ادىّ رفض الجانب العراقي بعد ذلك لتصديق مسودات عقود النفط الأولى التي عرضتها الأحتكارات النفطية الغربية عليه بصيغ ” بلا قيد ولاشرط ” ، الى اسراع الأحتكارات اكثر في تكثيف التنقيب عن النفط في السعودية والكويت والبحرين اضافة الى الغاز في قطر (4)، التي كان ممثلوها يستعجلون ممثلي التنقيب التوقيع على الأتفاقيات المماثلة لما طرحت على العراق، اضافة الى استعجالهم للتوقيع على الأتفاقيات التي تطلق يد الأحتكارات اكثر مقابل دعم من كان يؤهّل من اولئك المُمثلين او يُدعَم لتولي الحكم . . بعد ان عثر على النفط والغاز فعلاً هناك في ذلك الوقت .
الأمر الذي ادى الى المباشرة في انتاج وتصدير النفط من دول وامارات وتكوينات الخليج آنذاك، والى تواصل التنقيب الكثيف عن النفط وتحديد اماكن آباره في العراق، واعتماد الأنتاج والتصدير غير الكامل من نفط كركوك بشكل اساسي، وتأجيل الأنتاج والتصدير في الحقول التي تم تحديدها في اراضي العراق، وخاصة في زمن الملك غازي .
من جانب آخر، فان نجاح ثورة 14 تموز عام 1958 التي كانت مفاجأة كبيرة للأحتكارات النفطية، ثم صدور قانون 80 لعام 1961 القاضي بتأميم اكثر من 98 % من الأراضي الخاضعة لأستثمارات الأحتكارات النفطية . . ادىّ بالأحتكارات الى تقليل انتاج النفط وتصديره من العراق بشكل ملحوظ في تلك الفترة، وحتى ايقاف انتاجه بدعوى عمليات الصيانة . . لأعاقة الجمهورية الفتية من الحصول على العملات الصعبة، وبالتالي لأعاقة تمويل مشاريعها في الأصلاح .
وبعد ان عملت حثيثاً لخلق وتوسيع الفتن ولشق وحدة كلمة مكونات الطيف العراقي الأساسية، استطاعت اسقاط حكم الجمهورية الأولى، الذي تم في انقلاب عسكري دموي في شباط / 1963 كان الأول من نوعه في تأريخ العراق الحديث، من حيث سعة أعمال القتل والتعذيب والتصفيات الجسدية، بحق القوى الوطنية والديمقراطية والقومية التحررية عربية وكوردية ومن كل الأطياف العراقية. . الذي فتح الباب عريضاً لنشاط الأحتكارات النفطية الغربية التي بدأت بالضغط على منافسة المؤسسات النفطية العائدة للدول الأشتراكية العاملة في العراق آنذاك ساعية لألغاء عقودها، اضافة الى تجميد والغاء الأعمال التي كان يقوم بها قطاع وطني ناشئ . . (5).
لتبدأ بعدئذ بسلسلة نشاطات ونتائج، وصلت الى مرحلة جديدة في تنظيم عملياتها ابتدأت بـ (ثورة بيضاء) في تموز 1968 قطعت الطريق على تزايد احتمالات مجئ بديل وطني تقدمي . . حيث دعمت واتت بحزب البعث جناح البكر ـ صدام، وبالتالي بالدكتاتور صدام للحكم، في ظروف دولية واقليمية كانت تشهد تصاعداً في نشاط الحركات والأحزاب الراديكالية والأشتراكية والقومية التحررية، عربية وغير عربية، ابتدأت بردود الفعل الشعبية على نكسة 5 حزيران، وظهور حركة المقاومة الفلسطينية، وتصاعد الثورة الكوردية القومية التحررية . . وحتى انتصار الثورة الأيرانية .
ليبدأ الواقع الذي تحوّل اليه المجتمع العراقي باطيافه، والذي لم يعرف من النفط الاّ بكونه آلية لم تجلب له سوى الدمار والمرارات والأحزان، وترى قطاعات ليست قليلة بانه قد لن يسمح للعراق بامتلاك امواله من عائدات النفط، لأن ( الأحتكارات جرّبت ماذا سيعمل العراق اذا امتلك امواله )، رغم ان اطرافاً نافذة منها هي التي سهّلت وصول حزب البعث للسلطة وسهّلت مجئ الرئيس السابق الذي اسقطته بعد ان لم يعد ينفعها، والتفاصيل لايتسع لها المقال . ان المرارة التي تسببها النفط في تاريخ البلاد، جعل اوساطاً منها تدعو لأنواع المقايضات من اجل انقاذ البلاد وتحقيق حياة افضل الآن وليس في خيال المستقبل . . بعد ان لم تثمر الوعود .
ان السؤال في مراحل اليوم يدور عن اهمية الأصطفاف الى اقطاب دولية ومراكز قوى قادرة على ضمان الأمن في البلاد وعودتها الى حياة طبيعية بحماية قانون فاعل على اساس الفدرالية والتساوي بالمواطنة، مقابل تسهيلات مقبولة في عقود النفط الجديدة، بعد ان غرقت بديون فلكية لايمكن تصفيتها وجدولتها الا بدعم دولي، في ظروف لاتكف فيها اوساط ايرانية بمطالبتها بتعويضات هائلة، اضافة الى تشدد دولة الكويت في ديونها . . مضافاً اليها تكاليف اعادة البناء والتسلح ونفقات القوات المتعددة الجنسيات، في ظروف اعمال عنف داخلية هائلة تلعب فيها دول الجوار ادواراً صارت واضحة .
ويدورعن ضرورة الأعتدال واستيعاب ظروف ومنطق اليوم . . والكف عن النفخ بـ (التاريخ العريق)، والهروب بالأحلام الى الماضي الغابر الذي نريد تجديده بـ (الفورات العاطفية) دون معرفة حقيقية للأسس ولامن اين المنطلق، والكف عن استصغار تجارب الآخرين، وعن نزعة تزعم الآخرين ! فأن استثمار النفط في اغناء الحياة الوطنية لايتم بالتمنيات والشعارات فقطً ؟ وانما بالتوافق الوطني وبالقدرة والمرونة المتعددة الأسس والمعارف، على انتاج وتسويق النفط واستثمار عوائده.
والاّ فان البلاد ستغرق اكثر في الطائفية وفي سياسات الحروب والمطامع الأقليمية، التي تسعى اطراف هامة من الأحتكارات النفطية لأبقائها واحتوائها واللعب على اطرافها من جهة، في وقت تسعى فيه احتكارات السلاح من جانبها الى زيادة حدتها وتسعيرها لأهدافها العسكرية ولـ ( تحقيق صفقاتها الواعدة ) من اسلحة ووسائل دفاع وصيانة الى تحريك وهجوم في بقاع اوسع . . في اغنى مناطق عالم اليوم، وفي زمان التناقضات العاصفة العولمية الهائلة . .
في ظروف تتغيّر فيها وجهة وتكتيك القوات الأميركية في الواقع العملي سواءاً في مواجهة القاعدة و في كيفية تحقيق وضع امني ضروري لبناء البلاد، اوفي ماهية (الديمقراطية) الممكنة والضرورية المتفاعلة مع الواقع الأقليمي . . اثر المعوقات وحركة تطور واقع البلاد، رغم عدم تكامل وضوح خططها وتكتيكاتها بالكامل، وبعد مالعبته القاعدة وبقايا النظام المنهار في اثارة النعرة الطائفية، ومالعبه اعلان الأحتلال ونظام المحاصصة الطائفية (المقر دستورياً) ، وما يتسبب به الأرهاب الديني الطائفي والسياسي المتواصل .
وفي الوقت الذي حرّضت فيه الأحتكارات النفطية الغربية على الحرب، التي حققت فيها هدفاً هاماً من اهداف ستراتيجها في اخضاع حاجات المجمعات الصناعية الآسيوية من النفط الى قرارها، والتي زادت من فرص اطلاق يدها في البلد النفطي العملاق، العراق. يصعب القول ان كل الذي صار في البلاد الى الآن هو نتاج لخططها فقط ومنذ البداية، فاضافة الى خطورة دورها، لعب تطور الأحداث وافعالها وردود الأفعال المتنوعة في البلاد والمنطقة والعالم وخاصة ارهاب القاعدة وادوار الجوار، وتغيّر سياسة الأدارة الأميركية وحجم نفقاتها، ادوارا اوصلت البلاد بالتكامل الى حالتها الراهنة . .
في بلاد نفطية غاية بالثراء، لعبت الأحتكارات النفطية الغربية دوراً اساسياً في تقرير نوع الحكومات التي حكمتها منذ تأسيس الدولة العراقية وفي فترات تاريخية متنوعة . . الحكومات التي عطّلت وحطمت بانفرادها ووحشيتها طاقات البلاد العلمية والثقافية والسياسية، ووضعت باستبدادها حركاتها السياسية، واحزابها في مآزق وضغوطات ” موت او حياة ” اشغلتها وتفرغت اساساً لمواجهتها، اضافة لما تركته طبيعة مراحل الصراعات العالمية والسلوك تجاهها، واوضاع المنطقة وتفاعلاتها وتأثيرها . . على تكوينها وتجارب ارثها.
في ظروف العولمة واعادة تشكل الشركات المتعدية الجنسيات وتزايد تركّز الأحتكارات الأضخم التي صارت هي ذاتها تضمّ اجنحة تتصارع باشكال متعددة العنف بادوات محلية او اقليمية، يتداخل قسم منها بقسم من اطراف الموجة الدينية والأرهاب الديني والطائفي، وفي ظروف انعدام التضامن العربي على اساس الرفاه والتقدم الأجتماعي، وقصور تضامن الدول المصدرة للنفط اوبك . . فيما تجري ضجة حول تسابق للأستعاضة عن النفط الخام في مجالات توفير الطاقة والمحروقات !! (انتهى)

24 / 11 / 2007 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وغيرها من اوساط تجارية متنفذه في السوق السوداء .
(2) راجع وقارن كتاب ” الأرتباطات السعودية ” ، روبرت باير، دار بيرتلسمان 2003. بالألمانية.
(3) راجع غريترود بيل، الأوراق الشخصية 1914 ـ 1926 ، اليزابيث بيرغوين . المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت، 2005 .
(4) والى توسيع استثماراتها واستخراجها النفط في المحمرة واهواز. . راجع مذكرات محمد حديد ، دار الساقي ، لندن 2006 .
(5) راجع وقارن : مذكرات هاني الفكيكي ، مذكرات طالب شبيب ” عراق 8 شباط من حوار المفاهيم الى حوار الدم ” ، ” كتاب العراق ” ـ حنا بطاطو . . حول انقلاب شباط 1963 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *