الرئيسية » مقالات » ما تبقى لي من كربلاء

ما تبقى لي من كربلاء

ينفرد بذكرياته / يقلبها / يصلح هيئتها / يرمم ما تآكل منها / ولكن اسئلة تتعاظم / تهجس / تتوجس / تشتعل / تتجمهر / ثم تنطفئ عند سقوط رذاذ قادم عليها .
هكذا قال الشاعر حميد العقابي وهو يصغي الى رماده ، غير ان الذكريات ليست رمادا ، انها النار التي لا تنطفئ ، والذكريات ابقى من الحقيقة ، فالواقع مؤقت ومحكوم بفترة زمنية ، وما تبقى لي من كربلاء هي حفنة من الذكريات الا انها غاية في النفاسة ، وان العلاقة بين مدينة الولادة والمولود علاقة ازلية لا تنفك بعامل الهجرة ، وتظل محفورة في الذاكرة ومنقوشة في الاوراق الثبوتية.
انا ولدت في كربلاء وفي محلة العباسية الشرقية بالتحديد ، وذلك قبل اكثر من نصف قرن ، وعليه فان انطباعاتي عنها ستكون قديمة ايضا ، على ان الذكريات التي باتت تؤذيني وتعتصرني ، تتعاون مع الحنين الذي يجرفني الى الطفولة.
كربلاء ايام زمان كانت تعني كربلاء التنوع حيث الناس الوان واجناس ، وعندما كنا صغارا نتهاوى بدشاديشنا المقلمة ونتراكض خلف سيارة اللا ندروفر التابعة للبلدية التي ترش الدخان في الفضاء لقتل البعوض وكنا نختفي داخل سحب الدخان دون ان ندري بان الدخان الذي نبتلعه قد يضر بصحتنا ، والظريف انها لم تكن تضر بالصحة ، حيث كنا نتعقب السيارة من شارع الى شارع دون ان نكل او نتعب ، واحيانا نضع طرفا من الدشداشة في الفم حتى لانسقط كما كنا نمسك النعال البلاستيكي في ايدينا لنتمكن من السرعة .
وكنا في نفس المحلة نلعب مع الهندي والباكستاني والايراني والافغاني والحساوي ولم نكن نعلم شيئا عن القومية والقطرية والطائفية ، وكنا نذهب للسباحة في عز الصيف في نهر الحسينية الزاخرة بالسلابيح .
واذكر من العباسية الشرقية حمام المشروطة العمومي ويقابله دار العجزة و لطالما كنت اغافل اهلي لادخل الى الدار واحادث كبار السن فاجد عندهم زخما هائلا من الحنان والرفق والعطف ، ولم اكن ادر بان هؤلاء قد هجروا اولادهم او هجروهم رغما عنهم لاسباب مختلفة .
ولعل من الايام التي لا تنسى يوم غزت اسراب الجراد مدينة كربلاء فحجبت السماء واظلمت الدنيا وكنا نمسك باوراق المقوى ونرميها في السماء لتسقط علينا عددا من الجراد من الحجم الكبير .
واذكر من مناطق كربلاء الحر وباب السلالمة وباب الخان وباب الطاق والمخيم .
وكنت اتبع امي من العباسية الشرقية الى حضرة الامام العباس عليه السلام وكانت تعتقد به كثيرا وتسميه ابو راس الحار وتروي لنا كيف ان اخي الاكبر قد مرض في صغره واشرف على الموت وتقول : اخذته وهو جسد لا حراك به وذهبت به الى صحن العباس وقلت له : ياسيدي ومولاي هذا ابني البكر ، وهو كما تراه لا يبدي حراكا وانا اريده منك ، وما كان الا لحظات حتى دبت الحركة من جديد في اوصاله وصار يتقلب يمنة ويسرة فحملته معافى مشافى .
وكنت ارغب في بعض الاوقات ان اذهب لوحدي الى الحضرة وكان دكان عمي ملاصقا للحرم الحسيني من الخارج مقابل الحسينية الطهرانية ، التي تجاورها دار خال والدي الذي كنت اشاهده يجلس على دكة الحسينية الطهرانية بعصاه وسنواته الثمانين ينظر في المارة ويستنشق هواء الامن والامان في ظل ابي عبد الله الحسين عليه السلام ، فكنت اتوقف في الطريق الى المخيم ارفع راسي واتامل تانكي الماء العالي وارى اصحاب المقاهي يرشون الماء على الارض فتفوح منها رائحة زكية ، وكانت هناك دكاكين اخرى اطراف الخزان ، محل بايسكلات ، محل كباب وستوديو ابيض واسود ( ونحن الان في زمن الديجيتال ) ، محل لبيع اللنكات (البالة ) و دكان لبيع خواتم ومسابح وتُرب ، وكان هناك محل لكوي الملابس علمت فيما بعد انه للرادود الشهير حمزة الصغير رحمه الله وقد اشتهر في ذلك الزمان معه بين الرواديد مهدي الاموي فيما كان نجم ملا وطن في بداية بزوغه ، وما اجمل قصائد حمزة الصغير في تلك الايام والتي يفتتحها اولا بــ ( آ ياحسين ومصابه ) منها جابر ياجابر ما دريت بكربلا اشصار وهي قصيدة خاصة بعودة السبايا في يوم الاربعين ، وتتحول كربلاء في ايام الاربعين الى مدينة كرنفالية من الطراز الاول لايعرف فيها الليل من النهار لكثرة الحركة والاضواء والزحام وتسمع اصوات الشيخ عبد الباسط وعبد الزهرة الكعبي في كل مكان ذاك يقرأ القران بصوته العذب وهذا يقرأ المقتل بصوته الحزين ، وكنا نخرج مع الخارجين وبايدينا المشاعل لاستقبال المشاركين في عزاء طويريج الذين يصلون على شكل مجموعات الى كربلاء سيرا على الاقدام ، وكنا نرى الحصران الممدودة وعليها التمن والقيمة يتناولها الجميع ببساطة نادرة وتواضع جم ، ولا انسى اليوم الذي دخلت فيه الى موكب اهل المشخاب بعد ان شممت رائحة التمن العنبر يفوح ، واكلت معهم دون ان اعرفهم او يعرفوني( انها سفرة ابا عبدالله الممدودة من الف عام ويزيد ) وكنا نرى التنوع في اللبس ، فذاك بالكشيدة وهذا بالعقال وعمائم سود وبيض وعرقجينات ملونة ، وكان والدي يتاجر بالعرقجينات فيشتري بالجملة من الحاج مجيد الصابري احد اكبر متعهدي العرقجينات بكربلاء ، كما كان يشتري الهاونات المذهبة من التاجر( حجي عباس ماي لحم) ويسوقها في كركوك.
وكم كانت الحركة الادبية والنشر مزدهرة في ذلك الزمان واذكر باني رايت كتابا من اصدار منابع الثقافة الاسلامية باسم ابن السكيت الكوفي لمؤلفه كمال جمعة بهرام وهو استاذي الذي كان يدرسني التاريخ ، وعرفت فيما بعد بانه استشهد في سجون النظام البائد .
و كانت هناك بالاضافة الى مجالس العزاء للرجال مجالس (قرايات ) نسائية في كل بيت تقريبا وكنا ندخل ونحن صغار في كل مجلس تقريبا لاخذ خبز العباس وهو خبز فيه لبن او جبن مع قليل من الكراث او الرشاد او الريحان احيانا ، وكنا نسمع القرايات باللغتين العربية والفارسية ، وحتى حمزة الصغير كان يقرأ باللغتين العربية والفارسية وبطلاقة .
ولا انسى سراديب كربلاء الباردة حيث يهرع اليها الاهالي في الصيف طلبا للبرودة وكانوا يقضون ساعات رائعة للقيلولة فيها وكانت جدتي ( بيبيتي) تحتفظ بالرقي في السرداب كي يبرد .
ولم تكن كربلاء بعيدة عن السياسة في يوم من الايام واذكر ان والدي كان ياخذني الى دار اية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الزنجاني قدس سره وكان معروفا بنشاطه السياسي وكنت اسمع هناك احاديث سياسية مختلفة لم اكن افهمها جيدا .
وكانت كربلاء تغرق في اللون الاسود ابتداء من اول محرم حتى بداية ربيع الاول حيث المواكب ومظاهر العزاء واللوحات والتكايا ومواكب الزنجيل المهيبة .
وكان اهل المدينة يهرعون الى الرزازة وهي بحيرة جميلة تقع خارج المدينة طلبا للنسيم العليل والراحة النفسية والجسدية .
وبعد سنوات غادرت كربلاء الى كركوك بصحبة العائلة الااننا كنا نزورها مرة في العام لقضاء عطلة الصيف فاجدد العهد مع اقراني وخلاني ، ثم غادرت العراق في بداية الثمانينات وظللت اتنقل في ارض الله الواسعة حتى حطيت رحالي في منفاي البارد وكنت اسمع من خلالها بان الدولة منعت الحياة في كربلاء وارادت ان تغير معالمها فمنعت ( العزيات ) ونشرت المخابرات والامن بين الناس ، وقيل ان حسين كامل دخلها واطلق النار على القباب الذهبية ، و ان جزءا منها تهدم وصارت كربلاء لبعض الوقت مدينة اشباح.
ثم قيل انها بعد السقوط انتعشت وازهرت وازدهرت وان اخر مناسبة عاشوراء جمعت حوالي خمسة ملايين شخص في يوم واحد وعلى صعيد واحد، ولم يعجب ذلك شرذمة من التكفيريين واعداء الجمال فارادوا ايذاء الزوار وتفجير المراقد .
ولا ادري هل ستعرفني المدينة لو عدت اليها يوما وهل ساجدها كما الفتها ام انها تغيرت ، وهل ستذكر العباسية الشرقية فتاها ، ذلك الغلام الاسمر المائل الى الصفرة ، النحيف الضعيف الذي طالما غافل ابويه في حر الصيف وخرج الى المحلة والازقة مع اقران له تجمعهم شقاوة الاطفال وفورة الصبا .
وقد حصلت بعد هذه السنوات الطوال على ارقام لبعض اقاربي ومنهم خالتي التي كانت في ظل النظام السابق تخاف من تتبع اخبارنا ، هاتفتها ، سمعت صوتها الخافت، انها تذكرني تماما وتقول :ارفع صوتك خالة ترة ما دا اسمع زين ، خالة اشوكت تجي، اريد اشوفك قبل ما اموت خالة ، بعد عيني بعد روحي متقلي اشوقت تجي ؟
فقلت لها خالة فدوة اروح لج انا ما اقدر اجي هسة عندي ظروف ثم الاوضاع عدكم مو زينة ، بس انت شتردين مني ؟ قالت : لا ماريد شي ، بس اريد احب عيونك اريد اشوفك اشم منك ريحة المرحومة باجي اختي الجبيرة وينج باجيتي وانطلقت تبكي وتنتحب في نشيج مرير حزين وتقول : باجي باجي وينج باجي وانقطع الخط.
وهذا كل ما تبقى لي من كربلاء .
فسلام على الحسين وعلى اصحاب الحسين ، وسلام على اهل كربلاء وسلام على مسيرات العزاء وهيئات الزنجيل وعلى حمامات الحرم
وسلام على الطفولة والحلقوم والشكرلمة والخبز بالدهن وبيض اللقلق وشعر البنات واللوزينة وسلام على كل شئ جميل
ويظل الشوق للمنائرالذهبية مستعرا في الاحشاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *