الرئيسية » مقالات » الإسلام السياسي والسلطة الدينية… وصنّاع التعاسة

الإسلام السياسي والسلطة الدينية… وصنّاع التعاسة

حسم تصريح محمود الزهار (9/11/2007)؛ أحد كبار قيادي حركة حماس ومن أبرز فقهائها الشك باليقين، تصريحه بالقول: «إن مقاتلي الحركة الذين سيطروا على قطاع غزة في حزيران (يونيو) الماضي، سينتزعون السيطرة على الضفة إذا انسحبت إسرائيل منها» مخاطباً مَنْ في الضفة «اعتبروا مما حدث في غزة، وخذوا العبرة، وانتبهوا أن ما حدث في غزة من سنن الله، لذلك اعتبروا يا أولي الألباب، وتذكروا وادرسوا ما حدث». الدم الفلسطيني المسفوك والانقلاب العسكري «من سنن الله» فلا راد عن قدره…
ويضاف تصريحه هذا؛ إلى ما سبق وأكده الزهار إثر سلخ قطاع غزة، عن الضفة الفلسطينية؛ «الهدف الأسمى تشكيل سلطة دينية لإقامة دولة إسلامية (إمارة) في القطاع»، وتشبيه ذلك الحدث بـ«فتح مكة» حسب منطوقه. ويستعيد الذهن الفكر الشمولي الإخواني، وعقليته التي لا تكتفي بتصفية الخصم، بل تشّوه بـ«التكفير» و«التخوين»، زيف الشعارات أمام إغراءات الإمارة، ولوطن ما زال تحت الاحتلال الصهيوني، حين يكون المنتصر خاسراً، يخسر حرباً ضد نفسه، لأنه لم ينتصر عليها، ثم إنتاج سلطة أقرب إلى مجلس الحداد.
تحكم السلطة الدينية بمقتضى فهمها الخاص للشريعة الإسلامية، حين تتطابق الأصوليات الدينية مع الفلسفات الشمولية، في نظرتها للتطور التاريخي والمجتمعي، من حيث إدارتها للدولة والمجتمع، والتداخل الإداري الاقتصادي الأخلاقي، فتتسم بالانغلاق والشمول. معيار الحكم على الأشياء لدى فقهاء الأصولية، ليس العقل ودراسة الظروف الذاتية المحلية والإقليمية الدولية؛ كما يفعل العقل، وفي تناقض جذري مع ما ترفع حماس اليوم، للواء الديمقراطية، ومعها أخواتها من حركات وأحزاب الإخوان المسلمين على النسق العربي، بدلاً من شعار «الشورى» الإسلامي التقليدي. بيد أن تحليل الخطابات والبرامج «الإخوانية» تؤكد بلا أدنى شك بأن الهدف الحقيقي هو إقامة دولة دينية، وفرق «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، قمع الجماهير بمفهوم الانغلاق وتطبيق الشريعة وفق «الأصول» بحذافيرها السلفية، ورؤية مغلقة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع.
في الجوار «العابر» لحماس نموذج الجماعة في مصر وبرنامجها (إسلام أون لاين آب / أغسطس 2007)، والهدف الدولة الدينية من بابه إلى محرابه، الباب الأول: توجهات الحزب، وفي فصله الثالث؛ السياسات والاستراتيجيات… الفقرة 3 تقول: هدف الإخوان المسلمين هو تأسيس دولة دينية في مصر تقوم على الفتوى ولا تقوم على التشريع، تأسيس دولة دينية «تخضع قرارات رئيس الدولة للفحص بواسطة كبار الفقهاء» مجلس أعلى يراقب الرئيس والمجلس النيابي. وبالنظر إلى أن الحركات الإخوانية في الجوار العربي تتبنى إيديولوجية واحدة، لكنها تتبع لذلك الهدف أساليب شتى بحسب الوضع في البلد المتعين، وهنا لا يكفى تحليل الخطاب والبرامج وحدها، بل الممارسة.
وتفاوتت الأصولية الدينية في التطبيق المعاصر، فحين تحولت النظرية إلى التطبيق في أفغانستان فقد جمعت بين الحرب الأهلية ومشاريع حروب إقليمية في آنٍ واحد، وصولاً إلى 11 سبتمبر ووقوع أفغانستان تحت الاحتلال الأطلسي. وفي نموذجها العربي الراهن تطورات الوضع في السودان والحرب الأهلية في الجنوب على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، وبروز دعاوي تنظيرات الحرب بأن «الجنوب» مسيحي (الآخر)، لتفتح بعده مأساة دارفور المسلمة، المؤمنة بإسلامها السني وصوفيتها، فللحروب الأهلية «واقع مستقر وقوانين» بالنظر إلى ما تحمله السلطة من صفات «مقدسة» جامدة، تشير إلى أن التجربة فاشلة من بداياتها إلى نهاياتها. فالمعضلة هي أن الأصولية الدينية السياسية ما دخلت بلداً إلا وقسمته، ووضعت أعضاء جسده في حالة احتراب مع بعضها البعض، فلا يشغل بالها النقد والتقييم في ارتكابها حماقات ضد وطنها، نموذجها صدام الأصوليات السياسية السنية ـ الشيعية في العراق تحت الاحتلال، وممارسات القتل والتهجير وانتهاك المقدسات، مذابح جماعية على الطرفين بـ«الصفات المقدسة»، بينما محركها وقيادتها غارقة في مكاسب دنيوية بحتة. والخلاصة أنها لا تستطيع حل المشكلة الوطنية، أو تسترد حقوقاً وطنية مسلوبة، فهي لا تخرج من مأزق إلا وتدخل في شرك معضلة كبيرة أخرى، حين لا ينفع معها نداء الوحدة والتضامن والعدو المشترك، فأزمة تستولد أزمة. أزمة مصداقية دينية، تستولد أزمة مصداقية سياسية؛ بين الفكر السلفي والواقع، وعندما تتوحد الأصوليتان يكون العدو هو (الآخر) دينياً، مجرد أنه الآخر، والخلاصة هي الفشل، ثم العجز عن رسم صورة نموذجية لجماعات الإسلام السياسي السلفي، والناتج أزمة حقيقية في قراءة الإسلام في سياق منتجات الحضارة الإنسانية الهائلة وفي سياق اللحظة التاريخية المعاشة، بالنكوص نحو معطيات أزمنة بعيدة صائبة في زمنها معالجة واقعها ذاك، والأزمة بتكرار الصورة النمطية السالفة.
على المستوى التاريخي؛ من الأجدى استخلاص عبر التاريخ بشق باكستان المسلمة عن القارة الهندية، التي استولدت بعدها بنغلاديش؛ الانشقاق عن الهند القارة «الكافرة» أوقف الإسلام عن الانتشار والتفاعل بين أكثر مليار هندوسي، بينهم الآن 75 مليون مسلم يعيشون تطور الهند الديمقراطي، رئيسها «أبو الكلام» المسلم. بينما الحالة معكوسة تماماً في باكستان التي تنتقل من فشل إلى آخر، هذه النتائج هي برسم كل من يملك عقلاً يحاكم الحماقات التاريخية، وجوهر الأديان السماوية هو وحدة الخالق وتكريم المخلوق، ولدى الإسلام بالذات؛ الإنسان مستخلف في الأرض، والإنسان حرية وعدل وتنوع، ويصطدم هذا المفهوم العميق حين تحصر الشريعة بأنها نظاماً للجريمة والعقاب، وهي قيمة للتنوع إنصاف المظلومين ونصرة المستضعفين في الأرض. بما تعني من رسالة إلى السلوك الدولي، ومساعدة الشعوب المستضعفة التي تتعرض حقوقها للسلب والانتهاك. في حين ترسم ذاتها أداة الصلة بالخالق والصراع على الإمامة في تحديد مكان الصلاة. وفي الإسلام «فأينما تولوا فثمة وجه الله»، وهذا في فلسطين المنكوبة بالاحتلال الصهيوني، وهي القبلة الأولى ومكان الإسراء والمعراج وأرض الأنبياء ومهد الرسالات، فأي مذهب فقهي، قانوني، دستوري يجيز الدم والهراوات، ويشتبك مع مَنْ يخالفه الرأي حتى بمكان الصلاة، سوى احتكار الصلاة ذاتها لإمام ما، بينما يحتكر الاحتلال الصهيوني عائدات الانقسام السياسي بالكامل.
اليوم في قطاع غزة جوع ـ على حد تعبير السياب، لكنه جوع يدمي القلوب، والطعام مبذول في غير أمكنة في القطاع ذاته، فائض ومحتشد بما لذّ وطاب من ألوان الطعام والشراب، فماذا يرد «الفقهاء» على مقرر اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في فلسطين حول غائلة الجوع «غزة منطقة منكوبة إنسانياً، الوضع مأساوي والأرقام تتحدث عن نفسها، أوضاع متردية مزرية ترتفع نسبة الفقر إلى 75 بالمئة وفقاً لإحصاءات المنظمات الدولية…» بماذا نرد على المواطن الغزاوي الفقير العبد لله، الذي لن يقنط من روح الله بيوم الاستقلال، ينادي عبر فضائيات الأثير العربي ليلة العيد: «اللهم أجعتني وأجعت عيالي، وتركتنا في ظُلّم الليالي بلا مصباح بلا كهرباء، اللهم خلصني من التجربة ومعي جماهير التعساء البؤساء، وأبقنا في الكفاف وفي زمرة الفقراء»الكفاف ليس أكثر، فأين التعاضد والتضامن والتآزر وهل هذه التعاسة هي مقاييس الحياة الصالحة وفق سلفيات القرون الوسطى وهذا ليس قدراً، وكان بالإمكان ألا يحدث، ولنضعه بين قوسين، لطموحات الإيديولوجيات الأصولية الدينية.
لم يكن الانقلاب العسكري لحماس في قطاع غزة صدفة، أو لأسباب أمنية ليست سياسية، وليس نتاجاً لجلسة سمر على ضوء القمر، صيغت به برنامج «المنازلة» العسكرية الاقصائية، فالهدف الصلب هو السلطة بعد خروج الصهيوني، ما يشير له الزهار في الضفة، نحو الخلافة، ثم نحو الخلافة الكبرى مع الجوار، والمشروع لا علاقة له ببرنامج ما من «النهر إلى البحر»؛ بل أي أرض يخرج منها الصهيوني من الـ1967، وهكذا فالمعضلة أعقد من صندوق الاقتراع، طالما أن الديمقراطية لا تلغي الألوان الفكرية الأخرى، وحق التعبير عن الرأي، وحق البحث، فهي مثل نسبية الحقيقة، لكن أن تتحول اللعبة الديمقراطية ذاتها إلى أداة اختطاف رهيبة، بالعزف على سيمفونية العاطفة الدينية، فهذه هي المعضلة، فالديمقراطية تعني المساءلة لها لا التحيّز ضدها، وتعني الوعي الديمقراطي في تحديد البدايات والنهايات وهي ذاتها إن حملت سلطة إسلام سياسي ـ حكومة بطابع ديني، فتتماهى الأخيرة بالدين لتمنع المساءلة. وهكذا فالمهمة برسم صانع الوعي الذي يتحمل مسؤولية استزراع الشروط الديمقراطية، لا أن ينتظرها تنزل من السماء.
العودة عن الخطأ فضيلة، والعودة إلى العقل الإنساني عند من يعقل، فالعقل وديعة وهبة ربانية، خاصةً لدى أولئك الذين ينشدون العدالة في الأرض والإصلاح والصلاح والفلاح، ولا يقف ضده إلا من عفى عليه الزمن …، إن الخيار الديمقراطي وحده الذي يمنع روح التسلط والشعور بالغبن، والاستخفاف بالمصير الوطني، لأن الديمقراطية الحقيقية تقوم على الاحترام المشترك والصالح العام، وهي صمام الأمان الوحيد من التصارع الدموي.

* كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *