الرئيسية » مقالات » حول دور الأحتكارات النفطية في العراق ! 1 من 2

حول دور الأحتكارات النفطية في العراق ! 1 من 2

اعتمدت الشركات ثم الأحتكارات الدولية في التنقيب عن الخامات الثمينة كالذهب والماس واخيراً النفط الذي تربع على عرش الصناعة والنقد والعملات . . اعتمدت وسائل وآليات غاية في التنوع لتأمين تلك الخامات الثمينة لها وحدها، وخاضت صراعات كان في غالبها عنفياً سواءاً مع اهل البلاد الأصليين او مع الشركات المحلية ومع الأحتكارات المنافسة لها .
وقد اقامت الأحتكارات النفطية في بلدانها الصناعية الأكثر تطوراً علاقات كثيرة التشابك والتداخل، سواءا مع الطبقات والفئات الحاكمة واحزابها او مع الفاعلة منها من خلال افراد او فئات، ومع القوات المسلحة، المصارف، مؤسسات البحث العلمي والأستكشافي وغيرها، من جهة .
ثم اقامت علاقات مع المؤسسات المماثلة لها في دول صناعية اخرى، اضافة الى اقامتها الأتحادات والأحلاف النفطية الصناعية المالية، التي تجمع في مكوناتها مصالح تتنوع من تشابه الأهداف والطموحات، الى التعاون لمواجهة الصعوبات والعقبات، في البلدان المنتجة للمواد الخام ـ المتأخرة منها و التي تطوّرت ـ مهما كانت سبل الأنتاج والتصدير، سواء كانت سلمية باتفاقات وفق القوانين المعمول بها اصولياً، او وفق اتفاقات غير معلنة . . او بالتدخل العسكري .
لقد تطوّر نفوذ الأحتكارات النفطية عن السابق، حتى صارت تلعب ادواراً واضحة في رسم وتحديد سياسات دولها ذاتها في مواقفها السياسية تجاه الدول المنتجة للنفط، ووصلت الى حدود قصوى في دورها الهام في قضية اعلان الحرب والسلام، في مقابل تحقيق ارباح كبيرة بل وفلكية لها بشكل مباشر او غير مباشر بتحقيقها تلك الأرباح للدخل القومي لبلدانها، سواء كان في التنقيب وتصدير النفط الخام ام في اسواق بيع وتصريف المنتجات النفطية بعد تصنيعها .
وكانت هي التي تسببت في اشتعال الحرب العالمية الأولى والثانية، من خلال اهدافها باعادة تقسيم مناطق الخامات وبالتالي الأسواق، وبسبب التنافس الشديد لتحقيق اعلى الأرباح، ولعبت ادواراً كبيرة في تغيير خرائط العالم من جهة، وفي تصاعد وبروز المجمع الصناعي ـ العسكري الأميركي، الذي استطاع ـ بمكوناته المتعددة ـ اثر نتائج الحرب العالمية الثانية والى حدود كبيرة، تحقيق تفوقه العسكري على خصومه ومنافسيه في العالم الرأسمالي وحقق هدفين اساسيين فيما يخص قضية النفط في العالم .
الهدف الأول، فرضه تسعير النفط الخام بالدولار الأميركي، والهدف الثاني فرضه تقنين التسلّح وتحديده على الدول الصناعية الكبرى في مستوياته المتنوعة، وجعله الدول النفطية تعتمد عليه وحده ـ بشكل مباشر او غير مباشر ـ سواء كان بالتدخل العسكري المباشر، او بانفراده بتسليحها وفرضه نوعية التسليح وفاعليته . . وجعلها بالتالي تابعة له في شؤون الدفاع عن نفسها وعن حقولها النفطية . . الأمر الذي تعزز اكثر بانهيار القطب المعادل السابق .
لقد اظهر انهيار جدار برلين وسرّع من احداث تغييرات كبيرة في اسواق النفط العالمية، فاضافة الى ظهور البلدان النفطية الغنية المستقلة حديثاً حول بحرقزوين وغيرها، برزت روسيا كعملاق مصدّر للنفط والغاز والمستعد لتلبية حاجات دول اوروبا الصناعية بالغاز . . وبرز قطب نفطي عملاق اكبر يتزايد في الكبر والنفوذ، ويتحرّك بعيداً عن تسعيرات السوق والبورصات والضوابط القانونية والأحصائيات العالمية، هو قطب السوق السوداء الدولي لتجارة النفط، الذي لم تتردد الأحتكارات النفطية الدولية في التعامل معه وتوسيعه، لتحقيق اعلى الأرباح لها، متسببة بذلك في زيادة الفوضى العالمية في عالم النفط، ومتسببة بتكوين ضغوطات فائقة على المواقف الأقتصادية والسياسية والقانونية لدولها ذاتها. بل واخذ الأمر يتوسع مؤدياً الى ضياع الحدود وضياع الخطوط الحمراء التي كان قد جرى الأتفاق عليها واعلانها في سياسات الدول الصناعية الكبرى ومواقفها تجاه الأنظمة السياسية والحكومية في البلدان النفطية النامية . . مادام النفط يسيل رخيصاً ومادامت ارباح اعلى تتحقق .
من ناحية ثانية فان السياسة التي اعتمدتها الأحتكارات النفطية من خلال حكوماتها، في عقد الأتفاقيات النفطية بفرض احتفاظها بعائدات البلدان المنتجة للنفط لديها، بصيغ ودائع مصرفية قادرة هي وحدها على استثمارها. و بفرضها على البلدان المنتجة النامية شراء السلع المصنّعة في الدول الصناعية تلك وخاصة الأسلحة ( كسلع تحقق اعلى الأرباح لأستهلاكها السريع في النزاعات المسلحة ) ، وفرضها عقد المعاهدات العسكرية العلنية منها والسرية . . التي وظّفتها لأشاعة الخوف والقلق بين دول المنطقة النفطية، لأبعاد شبح قيام اي اتفاق او تعاون فيما بينها من دون موافقتها، احتراساً من ان يؤدي ذلك الى تقوية بأسها بمواجهتها ويؤدي الى مطالباتها باعادة النظر بالأتفاقات النفطية المبرمة معها.
وعلى ذلك يرى خبراء نفطيون بأنه لم يحصل ولايمكن حصول اتفاق حضاري اخلاقي في ميادين النفط ، الذي هو وليد نتائج صراع قوى علني اونتائج حروب ظلام . . تقرر ويتقرر فيها القوي الذي يفرض شروطه والضعيف الذي لابد له من مداراة حقوقه وفق حقيقة اوضاعه وقدراته، ومن اعتماده الحكمة والمعرفة والسعي لدى جهات واحتكارات اخرى للحصول على عروض افضل وللتقليل من خسائره، وللأنطلاق من واقعه الى واقع وميادين افضل . . والاّ فأن الأحتكارات النفطية باخطبوطها العالمي الهائل المترابط باسواق السلاح وصناعة الحروب وتشريع القوانين، قادرة على ادخال البلدان المنتجة للنفط في معضلات لاانفكاك سهل منها حتى الآن .
وعلى ذلك فان الأحتكارات النفطية لاتقبل الخسارة بسهولة، وانما تقوم بانواع الفتن والحيل والدسائس لتغيير نظام الحكم في بلد ما لتحقيق مصالحها، كما حصل في انقلاب شباط 1963 العسكري الدموي، وفي الأنقلاب على حكومة د.مصدق في ايران عام 1952 . . او للأيقاع بالبلد المعني، سواءاً في فخ حرب اقليمية تؤدي الى تدمير البلد او تؤدي الى حصاره ومقاطعته، او في فخ حروب ونزاعات اهلية داخلية . . تضعف سيطرة الدولة ورقابتها على مرافقها وفي طليعتها مرافق النفط، الأمر الذي يدفع بالبلد الى ذهاب اقسام من نفطه الى السوق السوداء لتحقيق موارد مالية سريعة .
ومن جهة اخرى فأن الأحتكارات النفطية بعدم سماحها بتحويل عوائد النفط نقداً الى البلدان النفطية الغنية المتوسطة التطوّر او ذات التوجهات والأيدي الفنية القادرة على الأنتاج المستقل . . ودفعها ايّاها لها بشكل صفقات اسلحة اومشتقات نفطية مصنعة لديها . . فانها اضافة الى ضمان تحكّمها بها بذلك، فانها تعيق عمليات التطور الأقتصادي الأجتماعي الحضاري لتلك الدول، كما فعلت حين لم ترضَ عن اجراءات حكومة عبد الكريم قاسم في قانون رقم 80 للعام 1961، واسقطت حكمه.
وكما فعلت لمواجهة القفزة الهائلة في عوائد العراق النفطية مطلع السبعينات بسبب فورة اسعار النفط في العالم . . فتحرّكت لدفع الدولة العراقية الى تبذير تلك الأموال الفلكية، في مشاريع (التنمية الأنفجارية) الفاشلة، ثم في تشجيع الدكتاتورية الغبية بمختلف السبل على تبذيرها في التسلح الهائل المنسجم مع تطلعاتها العنجهية في السيطرة والتوسع وبالتالي في اعلان الحرب على ايران، التي تسببت بنزيف شديد في مالية الدولة . . فخرجت الدولة العراقية الثرية من الحرب وهي محمّلة بالديون، لتقوم بحماقة اخرى في احتلالها للكويت الشقيق . . الأمر الذي ادىّ ـ اضافة الى الخسائر الكبيرة التي مني بها البلد الشقيق ـ الى تصاعد ديونها الفلكية هذه المرة، و الى اعلان الحصار عليها .
الاّ ان الدكتاتورية استمرت في سلوكها داخلياً واقليمياً ودولياً ـ ليس دون دعم اقطاب نفطية ـ رغم الحصار ورغم المعاناة المتفاقمة للشعب العراقي جرّاء ظلمها وجراّء استخدامها للحصار للتضييق اكثر عليه بكل اطيافه. . وسعت الى تقوية نفسها بتسويقها النفط بكل طرق السوق السوداء، اضافة الى رشوتها وشرائها شخصيات ورجال دول وحكومات، و(شرائها) مواقف دول اقليمية عربية وغير عربية وغيرها، بهبات النفط المجانية او بالنفط الرخيص بشكل لامسؤول . .
وانشأت محطات وصهاريج برية مخفية في طول البلاد وعرضها، بعد ان قام رجالها باحداث انواع الثغرات المتحكّم بها في انابيب نقل النفط الخام . . وانشأت اساطيل برية وبحرية ونهرية ومراسي لنقل النفط وبيعه في السوق السوداء بتسهيلات مدفوعة من اوساط متنفذه في غالبية دول المنطقة . . اضافة الى خلقها جيوش من المهربين الذين كانوا يحققون ارباحاً اسطورية بحماية الدكتاتورية وتخطيطها وبامكاناتها الفنية، لتحقيق الموارد التي امّنت لها استمرار حكمها الدامي، على حساب شعبها المتضوّر جوعاً ومرضاً وحرماناً .
من ناحية اخرى فقد تعاملت اطراف هامة من الأحتكارات النفطية الدولية مع النفط المهرّب واشترته وتشتريه بابخس الأثمان، وقامت بتشجيع وانشاء عشرات الشركات الوسيطة للحصول على ذلك النفط الرخيص . . الأمر الذي ادى الى ان تلعب اطراف الأحتكارات الغربية تلك اضافة الى المنافسة الآسيوية لها، ادواراً هامة في اطالة امد بقاء الدكتاتورية، كما كشفت عنه وعبّرت مختلف وكالات الأنباء والصحافة العالمية والأقليمية والداخلية.
واخيراً فان استمرارتلك النشاطات الغير قانونية، واستمرارهياكلها والقائمين عليها والعاملين فيها، طيلة اكثر من خمسة عشر عاماً مضت . . موظفة ومطوّرة الأرضيات والتغيرات الأقليمية التي طرأت على المنطقة طيلة سنوات الحرب العراقية ـ الأيرانية التي سبقتها . . جعل من المنطقة والعراق بالذات قطباً اقليمياً ودولياً هاماً للسوق السوداء ولأشكال النشاطات غير القانونية الأخرى، التي تفاقمت بشكل اكبر مجدداً اثر الحرب واعلان الأحتلال وقيام حالة الفوضي ونشاط انواع الجماعات المسلحة.

(يتبع)

22 / 11 / 2007 ، مهند البراك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *