الرئيسية » مقالات » كيف تتحرك الملفات الأساسية في بغداد؟ وما العمل؟

كيف تتحرك الملفات الأساسية في بغداد؟ وما العمل؟

في بلادي تتحرك أربع عمليات مهمة وإنجازها يشكل طفرة نوعية في حياة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعلاقات الخارجية. ولكن في بلادي تتحرك الأشياء , كل الأشياء , ببطء عجيب ولا مبالاة وعدم تجانس أو تنسيق. في بلادي لا يسود أي احترام أو اعتبار للزمن , فالزمن طويل وكفيل بحل كل الأشياء. في العراق تتحرك أربع عمليات أساسية هي :
1. العملية السياسية التي يفترض فيها أن تحقق التوافق أو المصالحة الوطنية بين القوى السياسية المتصارعة , وليس بين الشعب , فالشعب متصالح أساساً. وتعتبر هذه العملية من حيث الواقع الأكثر أهمية إذ أنها مفتاح الحل لبقية المشكلات , ولكنها لم تقطع حتى الآن شوطاً كبيراً , بل هي لا تزال تزحف في مواقعها وتعاني أحياناً كثيرة من ارتدادات قاسية , لأن القيمين عليها لا يحاولون التخلص من أسباب نشوء تلك المشكلات والعلاقات المتوترة , التخلص من الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية وما يمت إليها بصلة. والإجراءات الثانوية التي تتخذها الحكومة على أهمية بعضها والتي يفترض أن تصب في المجرى العام , نجد أن طريق المجرى العام مسدود أساساً , وبالتالي فأن الإجراءات الثانوية لا تنفع كثيراً ويكون لها تأثير وقتي لأن بعض مكونات الحكم لا يريد النزول عن بغلة الطائفية السياسية ولا القبول بالمشترك الوطني العام , المواطنة وحقوقها المتساوية. كما أن المشارك من الطرف الثاني يدعو إلى المواطنة , ولكن في خلفيته الفكرية والسياسية تبرز الطائفية السياسية أيضاً , لأن التحرك من حيث المبدأ طائفي سياسي النزعة , وهو الذي يصيب العملية السياسية بالشلل أحياناً وبالتقهقر أحياناً أخرى ولكن لا يبدو في الأفق أي تقدم حقيقي على هذا الطريق. ولهذا السبب نجد الجمود الفعلي في نشاط الحكومة السياسي وعجزها عن حل القضية وفق أسس عقلانية. وفي هذا الخضم تفقد الدولة دورها وهيبتها لأنها “مجبرة” على منحهما جزئياً لغيرها , لجماعات أخرى طائفية وعشائرية , وهي التي يصعب التكهن بطريقة تعاملها لأنها تتحرك وفق مصالح ضيقة وليست وفق مبدأ المواطنة والوطن , بل العشيرة والطائفة , وهو الأمر الذي سيخلق إشكاليات جديدة للمجتمع , رغم الرؤية القاصرة حالياً لأبعاد ما يجري في العراق في هذا الملف وعلاقته بالملف الأمني.
2. العملية الأمنية التي تنفذها قوات الاحتلال المسئولة عن الأمن في العراق بالتعاون والتنسيق مع القوات العراقية قد حققت حتى الآن نجاحات طيبة , ولكنها غير حاسمة , إذ أن الإرهاب يتحرك وفق قواعد معينة , إذ ينتقل من موقع إلى آخر وفق حالة الضغط التي يتعرض إليها صوب المواقع والأطراف الهشة ليمارس عمله هناك , ليعود بعد أن يخف الضغط إلى مواقعه السابقة مع عدم التخلي عن المواقع الهشة السابقة التي أسس له فيها بنية تحتية جديدة. العملية الأمنية التي تمارس القوة في مواجهة الإرهاب تحقق نجاحات مؤقتة ما لم تعززها بنجاحات ملموسة ومتطورة في العملية السياسية. فجوهر المشكلة في العراق سياسي وليس أمني , وحين نحقق نجاحات أمنية دون نجاحات سياسية سيجد الحكم نفسه أمام أحد أمرين : إما عودة الفوضى إلى البلاد بعد حين , وإما استخدام القوة لحفظ الأمن والتحول إلى حكم استبدادي من نوع آخر , إذ عجز عن معالجة المشكلة السياسية أصلاً. وإذا لم تُدرك هذه المسألة , لن يستتب الأمن في العراق , بل سيعود , وهو لم ينته بعد , بصيغ وأساليب وأشكال صراع جديدة وبين قوى كانت في السابق متحالفة , كأن يكون سني – سني وشيعي – شيعي , لأن الحكم يقوم على أساس طائفي , فالصراع يستمر طائفياً ويتشظى طائفياً أيضاً , كما يجري اليوم في جنوب وغرب العراق.
3. العملية الاقتصادية التي تمارسها الدولة والمجتمع والتي تشمل إعادة الإعمار والتنمية الوطنية تسير ببطء أكبر من بطء العملية السياسية لأنها مرتبطة بالعمليتين السابقتين. وهذه المشكلة معقدة جداً لأنها ترتبط بثلاث مسائل جوهرية : إنها تعني التعامل وصرف الأموال الكثيرة جداً , وهي تعني التعامل مع مصالح متباينة لقوى كثيرة في الحكم , كما أنها تعني التعامل مع مقاولات وشركات أجنبية ومحلية لها مصالح وأجندات مختلفة.
ولكن العملية الاقتصادية تعني بالأساس وفي الوقت نفسه كيفية التعامل مع حياة ومعيشة وعمل الشعب وموارده ومصالحه الحيوية الراهنة والمستقبلية. وهي تحتاج إلى نجاح العمليتين لكي تبدأ وتتواصل بفعالية متطورة. إن ما يواجهه العراق حالياً تلك العوامل المؤثرة سلباً على العملية السياسية والأمنية وتجليات ذلك على وفي العملية الاقتصادية التي تزحف ببطء أكبر عن العملية الأمنية والسياسية , خاصة وأن هناك قوى تستفيد من هذا الوضع لتستمر ممارسة الفساد المالي ونهب موارد الدولة المالية بطرق شتى ومن الباطن أيضاً. كلنا يعرف بأن الإرهاب والفساد يشكلان وجهان لعملة واحدة أحدهما يغذي الأخر ويتغذى عليه ويواصل حصوله. تحدث السيد رئيس الوزراء قبل فترة وجيزة عن قضايا لا تبدو أنها تشكل أحد اهتماماته الكبيرة لأنه تحليله لها بدا بعيداً عن الواقع , تحدث عن تقلص في البطالة في العراق وأنها تراجعت من 55-60 % إلى 29 % ولم يسأل نفسه عن السبب بل تصور أنها قد استوعبتها فرص عمل جديدة. والحقيقة هي في مكان آخر , هي في الهجرة المليونية للشبيبة العراقية العاملة والعاطلة عن العمل إلى الخارج بحيث أصبح عدد العراقيات والعراقيين من القوى القادرة على العمل في الخارج تبلغ حوالي ثلاثة ملايين إنسان. أي ليست فرص العمل الجديدة , وهي شحيحة , هي التي استوعبت البطالة في العراق , بل الهجرة التي تملأ شوارع الشام وعمان وأوروبا وغيرها من بلدان العالم وأكثر بكثير من السابق , إضافة إلى البطالة المقنعة التي أصبحت ظاهرة سائدة في كل العراق دون استثناء.
والمشكلة في الاقتصاد العراقي تبدو في حقيقة أن أموال النفط والمساعدات التي تأتي إلى العراق تذهب إلى العملية الاستهلاكية مباشرة وقليل جداً منها يذهب إلى مشاريع عامة , فاقتصادنا ريعي استهلاكي لا غير , والأيديولوجية الاقتصادية المهيمنة على فكر جمهرة من الحكام حالياً هي أيديولوجية المحافظين الجدد واللبرالية الجديدة التي تدعو إلى استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على عمليات استخراج وتصدير النفط الخام وزيادة الموارد المالية من جهة , وتوجيه تلك الموارد إلى استيراد السلع الصناعية والزراعية لتغطية حاجات السوق المحلية , بدلا من إقامة الصناعة الوطينة وتحديث الزراعة وزيادة دور الإنتاج المحلي في تغطية نسبة مناسبة من حاجة السوق المحلية , فهذا الاتجاه أسهل وأكثر تناغماً مع سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول الصناعية الأكثر تقدماً. والأموال التي تصلنا تدخل في جيبنا المثقوب , لتعود منه إلى من دفعها لنا ثمناً لنفطنا الناضب.
4. وعملية وضع حد للتدخل الخارجي المباشر في شئون العراق الداخلية وتنظيم إشاعة الفوضى والموت وتمويله والحفاظ على استمراريته ما تزال بطيئة رغم الجهود الاستثنائية التي تبذل على هذا الطريق لأن الدول المجاورة أو قوى فيها لن تترك العراق هادئاً ما دام يمارس سياسة لا تتناغم مع مصالحها الطائفية والقومية , وبالتالي لا بد للعراق من أن ينتهج سياسة عقلانية تسقط ورقة الطائفية وتسحبها من تحت أقدام الجيران. وما دامت العمليات الثلاث الأخرى بطيئة سوف لن يحقق العراق طفرة نوعية في هذه العملية المهمة , كما أن استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق سوف يبقى يلعب دوراً مزدوجاً بسبب اختلاف أجندة تلك القوى مع الأجندة الوطنية العراقية.
ولا شك في أن الأهداف السياسية للإدارة الأمريكية في العلاقة مع إيران وسوريا ستبقى تتحرك من العراق أيضاً , وهو العامل الذي سيبقي التدخل السوري الإيراني مستمراً ولن تنفع النصائح التي تقدم لهم بالكف عن العبث بالشأن العراقي , فهما يريدان مصارعة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وليس في بلديهما. والجدير بالإشارة إلى أن المسألة الكردية في كل من تركيا وإيران وسوريا ستساهم في تطوير تحالف سياسي – أمني – عسكري إقليمي خطر على منجزات إقليم كُردستان العراق وحكومته وعلى العراق في آن واحد , وهو الذي يفترض العمل على تفتيت هذا التحالف العدواني كي لا يتحول إلى خطر دائم ومقلق للعرق وشعبه.
ومما يزيد مصاعب العراق حالياً تلك الاختلافات التي بدأت تنشأ بين حكومة الإقليم والمركز في بغداد حول العديد من القضايا الشائكة التي يمكن في الظروف الاعتيادية حلها بسهولة , ولكن , وبسبب كونها تجربة جديدة في التعامل بين المركز والإقليم , فأنها تحتمل بروز مشكلات وصعوبات يستوجب حلها الهدوء والابتعاد عن التهديدات والعنف أو الاتهامات , بل يفترض حلها سياسياً وبعيداً عن الإعلام اليومي المنشط للخلافات. ويبدو لي أن السيد الدكتور برهم صالح , نائب رئيس الوزراء العراقي , يسعى لأن يلعب دوراً مهدئاً لتلك الخلافات بسبب وجوده في المركز وإطلاعه على سياسة المركز والإقليم في آن واحد.
العراق بحاجة إلى شد تلك العمليات الأربعة ببعضها والتنسيق والتكامل في التوجه لحلها ومعالجتها. ويصعب تصور أن في مقدور الحكومة الحالية بسبب تركيبتها المشوهة الراهنة والتفكك الذي تعاني منه وسياساتها الطائفية واختلاف أجندات القوى الطائفية المشاركة فيها , سواء اعترف بها السيد رئيس الوزراء أم رفض الاعتراف بها , فهي موجودة وفاعلة ومعطلة للتقدم في العراق. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى رؤية أكثر شمولية لمشكلات العراق الراهن ورؤية أكثر واقعية بسبل الحلول المنشودة لهذه المشكلات والانطلاق من المصلحة الوطنية العامة والمواطنة لمعالجة المشكلات.
إن التغيير الحكومي أصبح حاجة ملحة في كل الاعتبارات , وإلا فلا بد من حل المجلس النيابي وانتخابات جديدة , التي يمكن أن تأتي بتركيبة نيابية جديدة أفضل مما هي عليه الآن وأقل طائفية سياسية وأكثر وعياً بواقع العراق وحاجاته وأكثر شعوراً بالمسئولية إزاء المهمات التي تلقى عادة على مجلس نيابي وتنبثق عنه حكومة جديدة تمارس سياسة جديدة.
ويتطلب الأمر من القوى السياسية العراقية أن تعيد النظر بواقعها وتحالفاتها وسبل الوصول إلى صيغ جديدة تسمح بتغيير التوازن الراهن لصالح الاتجاهات الديمقراطية في المجتمع العراقي. إن التبعثر الراهن في صف القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية العربية بشكل خاص وبعدها عن ذات القوى في الصف الكردي والقوميات الأخرى يسمح للتيارات الطائفية السياسية الهيمنة على العملية السياسية وعرقلة حل الأوضاع وفق أسس الوطن الواحد والمواطنة المتساوية.
إن تحالفات القوى الديمقراطية واللبرالية القائمة مفككة وضعيفة وبعيدة عن مشاعر الناس وحاجاتها , وأن اختلفت في ما بينها في هذا المعيار أيضاً , وهي بحاجة إلى تغيير كامل في مساراتها وسياساتها وخطاباتها السياسية وتكتيكاتها اليومية وعلاقاتها بالشبيبة التي تعرفت على طبيعة وأهداف التيارات الدينية الطائفية في العراق وعرفت ما تريده وما تسعى إليه , وهو مخالفة لكل طموحات الشبيبة وآمالها وآفاقها الرحبة , إنها تضيق الخناق على الإنسان , الرجل والمرأة بشكل خاص , وعلى الشباب من الجنسين بشكل أخص.
الشباب من النساء والرجال هم الأساس الذي يفترض أن تعمل معه وعليه القوى الديمقراطية العراقية في المرحلة الراهنة , إذ أن ترك هؤلاء سوف يجعلهم عرضة للفكر الديني الطائفي وغير المتنور السائد حالياً في العراق والذي تهيمن عليه الجماعات والأحزاب الدينية الطائفية والمتشددة في صراعها الطائفي السياسي. إنه التحدي الذي تواجهه القوى السياسية الديمقراطية العراقية , وأي تحالف جديد للقوى الديمقراطية العراقية لا يأخذ بنظر الاعتبار موضوع العمل مع الشبيبة أولاً , وموضوع التحالف بين القوى الديمقراطية في مكونات الشعب القومية ثانياً , ودور المرأة ثالثاً , والعمل من أجل حقوق الإنسان و حقوق القوميات وتوفير فرص العمل للعاطلين وتحقيق مستوى معيشي أفضل للكادحين والمنتجين والتزام قضاياهم والدفاع عنها رابعاً , سوف يتعذر عليه تحقيق نجاحات كبيرة أو تغيير فعلي في العملية السياسية وفي موازين القوى الراهنة.
لا يكفي أن نشكل تحالفاً جديداً بين قوى سياسية ديمقراطية معروفة في العراق , بل يفترض التوجه صوب توسيع المشاركة في هذا التحالف وتوسيع قاعدته الشعبية والشبابية و النسوية على نحو خاص , وتفعيله في الساحة السياسية من النواحي الإعلامية والحركية والاحتكاك بالناس في مواقع عملهم ومحلاتهم والابتعاد عن الصراع حول المراكز داخل هذا التحالف واختيار أسلوب جديد يساعد على ضمان قيادة جماعية عقلانية لهذا التحالف بدلاً من الفردية التي يعاني منها العراق كله وهذه التحالفات أيضاً.
لقد تعددت التحالفات السابقة وتشكلت في العراق تجربة غنية في مجال التحالفات السياسية , فهل في التحالف الجديد بين القوى الثلاث الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية ما هو جديد؟ وهل سينشأ له تحالف وعلاقة نضالية مع التحالف الكردستاني ؟ وهل سيستطيع تعبئة قوى وأحزاب أخرى جادة إليه ؟ وهل سيستطيع الوصول إلى قوى إسلامية غير طائفية معتدلة وديمقراطية ومتنورة ؟ هذا ما لا يمكن التنبؤ به حالياً , ولكن يأمل الإنسان أن لا يكون هذا التحالف صفراً على الشمال , بل شيئاً جديداً يبعث حياة جديدة في مثل هذه التحالفات التي عجت بها الساحة السياسية العراقية خلال السنوات المنصرمة وتفككت بسبب الفردية والعنجهية لدى البعض , وبسبب الشيخوخة الفكرية والسياسية لدى البعض الأخر , وبسبب المنافسة على المراكز ومحاولات الانتهازيين ركوب الموجات والتحالفات ثم النكوص عنها لأنها لم توفر لهذا أو ذاك المنصب المناسب والموقع المناسب .. الخ. والأهم من كل ذلك أن يطرح التحالف الجديد برنامجه المكثف وأن يطرح أساليب عمل جديدة وخطاب شبابي جديد ورؤية جديدة للتحالف مع قوى أخرى في العراق وأن يجد طريقاً له بين الشباب من النساء والرجال.
22/11/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *