الرئيسية » الآداب » كيف عاشت الروائية أغاثا كريستي في عامودا

كيف عاشت الروائية أغاثا كريستي في عامودا

قد تكون معلومة نادرة وخبر يثير الدهشة عندما نعرف أن الروائية الإنكليزية الشهيرة أغاثا كريستي قد عاشت مطولاً في سورية، وكتبت عن تفاصيل تلك المرحلة عند إقامتها, ولم تكتف بالتعبير عن مشاعرها وتوثيق بعض من تفاصيل حياتها اليومية وسيرتها الشخصية في سورية وحسب، وإنما رصدت بعين الروائية الدقيق الكثير من التفاصيل الجغرافية والعمرانية، كما تحدثت عن خصوصية الحياة الاجتماعية في مناطقها الشمالية والشرقية، وفي بعض القرى والبلدات الكردية على وجه التخصيص. لقد عايشت أغاثا كريستي المجتمع، وتعرفت على مكوناته عندما كانت ترافق زوجها العالم الأثري ماكس مالوان، الذي كان بدوره يقوم بأعمال التنقيبات الأثرية في بعض التلال والمواقع التاريخية في الجزيرة الفراتية، وأهم تلك المواقع كان “شاغر بازار” الذي يقع جنوب مدينة قامشلي وشمال مدينة الحسكة، وكذلك عمل في “تل براك” الواقع شمال شرق مدينة الحسكة. وتابع عمله في التنقيب والاستكشاف الأثري في تل أبيض شمال محافظة الرقة.

في الوقت الذي كان ماكس مالوان منشغلا بعمله التنقيبي كانت زوجته أغاثا كريستي تدون تفاصيل تلك الأعمال والرحلات الداخلية في سورية، ومستلزمات العمل، وكذلك استعدادات الرحلات بدءاً من لندن عبر أوربا وتركيا وصولاً إلى لبنان. تم سرد كل ذلك في كتاب على شكل مذكرات كان قد نشر بالإنكليزية سابقاً وترجم إلى العربية مؤخرا (1).

توزعت مذكرات أغاثا كريستي على أكثر من عشرة فصول معنونة حسب محتوى الفصل الذي يوضح مرحلة من الرحلة أو مكان الإقامة في سورية، بعضها معنون مثل (التحزيم: في لندن لبدء الرحلة, الخابور والجق جق. استكشاف وادي نهري الخابور والجق جق. شاغر وبراك: التلال اللذان تم فيهما التنقيب, وكذلك عين العروس كمكان أخير للتنقيب في منطقة تل أبيض)

يغطي النص مساحات جغرافية ويتوزع على فترات زمنية متقطعة يتم الربط بينها بأسلوب السرد المباشر, وبالتالي تحكي أغاثا قصة تجوالها وإقامتها في سورية في المرحلة الأولى من نشوء الدولة السورية الفتية، الدولة التي كانت تتشكل في ظل الانتداب الفرنسي، وتحديداً خلال أعوام 1935/1934م.

تقص أغاثا كريستي حكايات عديدة عن علاقتها مع محيطها الريفي الجديد, وكيفية التعامل مع العمال والخدم والنساء، وتكرر معاناتها من عدم معرفتها اللغة العربية, لذلك كانت دائماً تستعين بزوجها مالوان الذي كان يلم بالعربية.

سجلت أغاثا كريستي لحظات عن طبيعة الحياة في الجزيرة السورية، والتقطت صوراً لأماكن عديدة للبوادي والسهول ودونتها في الكتاب، إثر تجوالها ومرافقتها لزوجها للبحث عن مكان وتل مناسب للحفريات والتنقيب الأثري، تحكي أجاثا وتبدي شغفها بالطبيعة المحيطة بنهر الخابور:

“من بعد ذلك صعدنا إلى “تل سوار” الواقع على ضفة الخابور اليسرى. المكان مقفر موحش. ليس فيه شيء من الأشياء, لا يقطنه القاطنون حتى أن خيام البدو الرحل لا أثر لها, القمر يطل علينا من السماء. وفي الأسفل نهر الخابور المتعرج على هيئة حرف الـ S في انحناءة هائلة, وأنسام الليل العليلة تنفحنا من بعد حر الهاجرة. كان منظر الطبيعة يخلبني ويأسر مشاعري فأقول: إنه تل رائع فلماذا لا نحفر ها هنا؟ ويرد ماكس في أسى ومرارة وينطق بقراره المحتوم:

<!–[if !supportLists]–>- إنه تل روماني.<!–[endif]–>

<!–[if !supportLists]–>- ولكنه مكان جميل وجذاب.<!–[endif]–>

<!–[if !supportLists]–>- إنني لا أبحث عن الأماكن الجميلة والجذابة, ولكنني أبحث عن بغيتي وعسى أن أعثر عليها.<!–[endif]–>

<!–[if !supportLists]–>- وهل تعتقد أنك لن تجد ضالتك المنشودة ها هنا؟ ثم قلت له بتوق شديد, ولهفة: لقد شغفني تل سوار” ص56<!–[endif]–>

ووقع اختيارهم أخيراً على تل شاغر بازار (وأصل التسمية: شكر بازار، أي سوق السكر باللغة الكردية) وفضل ماكس مالوان الحفريات هنالك لرجحان قدمه التاريخي وإقامة الشيخ أحمد القادري في القرية، التي كانت عامرة وكبيرة نسبة لمحيطها الريفي في ذلك الحين. لذلك كان يراهن على تأمين الإقامة الجيدة وعدد كافي من العمال وكذلك الحماية لهم، نظراً لنفوذ الشيخ الديني الكبير في المنطقة. لقد أعجبت أغاثا بالمكان سواء القرية أم التل، وتفاعلت مع عالمها الجديد والساحر: “أتجول بعيداً عن أماكن العمل…..أتجول في الأماكن البعيدة المحيطة بالتل….أجلس بين الأزهار. أتطلع في اتجاه الشمال إلى الروابي والهضاب. ثم أغفو واستسلم لسبات عذب. مجموعة من النسوة آتية من بعيد باتجاهي. إنهن نسوة كرديات وهذه الألوان المبهرجة تدل عليهن, إنهن ينهمكن بين الحين والآخر في الحفر عن جذور بعض النباتات والبقول وقطف أوراق من الكلأ والأعشاب..إنهن يأتين إلي من طريق النحل “من أقرب” المسالك, وها هن الآن جالسات حولي في دائرة” ص 114

لقد عايشت أغاثا كريستي الناس من عمال وبدو رحل وموظفين ونساء ووقفت إلى جانب زوجها ماكس مالوان ليستمر وينجح في عمله. كما ساعدت في الوقت نفسه النساء والأطفال، وكانت أحيانا تقوم بتطيب بعض النسوة والأطفال، وتعطي لهم ما بحوذتها من أدوية وعقاقير.

إلا أن معاناتها الحقيقية كانت في الإقامة في بيت طيني. لقد استأجروا لها بيتاً طينياً في بلدة عامودا، والمشكلة أن الفئران كانت تسكن إلى جوارها وتسبب لها الأرق وعانت هول العيش مع الحشرات: ” ما أن أطفئت القناديل حتى اندفعت الفئران بأعداد لا حصر لها من جحورها في الأرض والجدران … هرعت إلى إشعال قنديل يا للهول الجدران مغطاة بمخلوقات غريبة فاقعة اللون كالصراصير وفأر قد أقعى على حافة سريري وقد أبدى كل اهتمامه لشواربه فهو يلمسها ويفتلها..” ص 100

لقد عانت أغاثا كريستي العيش في هذا الجو الريفي البدائي لحين تم تشييد مبنى طيني مخصص للبعثة في قرية شاغر بازار, في العام التالي, كان المنزل يحقق طلبها، وقد صمم المنزل مهندس بريطاني مرافق للبعثة: “بمزيد من التأثر والتوق التفت عيناي بمشهد دارنا ..إنها تنتصب هناك شامخة بقبتها كمعبد كرس لخدمة قديس مهيب.

قال لي ماكس: إن الشيخ مغتبط بهذه الدار فقد رأيت الشيخ يتبعه رجال من مريديه يلتفون بالدار وينظرون إليها بإعجاب. لقد بددت أموال طائلة في تشييدها, وهي في النهاية ليست لنا إننا مستأجرون وحسب وسوف يؤول أمرها إلى ملكية الشيخ. انسابت السيارة ثم توقفت بعد أن استعمل ميشيل المكابح بطريقته العنيفة “فرجة” فتدفق إلى الخارج كل من كان في البيت. رأينا وجوهاً أخرى جديدة وغريبة”

وهذه الدار التي شيدت بطريقة تراثية من مادة الطين وصممه مهندس بريطاني مرافق لماكس مالوان لم يعد قائما الآن.

إن قراءة مذكرات أغاثا كريستي الممتعة هذه تكشف النقاب عن الكثير من التفاصيل والعلاقات الاجتماعية في منطقة الجزيرة وكذلك تصف الواقع العمراني والبيئة الطبيعية في تلك المرحلة.

ويبدو أن أي قارئ أو باحث لا بد من أن يستنتج الكثير ويستمتع بالتفاصيل التي تتضمنها مذكرات الكاتبة الروائية الإنكليزية الأشهر، لأنها كانت تعرف عن ماذا تتحدث, وتسلط الضوء على زوايا معتمة من واقعنا، وتصف تلك المرحلة التاريخية بدقة.

وقد حملت أغاثا كريستي ذكريات جميلة عن إقامتها في سورية، وكانت شديدة الإعجاب بالحياة التي عاشتها في بيئة المشرق إبان تلك المرحلة فتختتم تجربتها وجانب من حياتها في المذكرات: “إنني أتذكر الآن عامودا والنجار الذي صنع لي كرسيا، ووضع لي المغسلة أمام الباب وحضور الليوتنانت الفرنسي والراهبات لاحتساء الشاي، وأتذكر الحصان الجميل بأرجله الرشيقة، والقط المحترف وماك بوجهه الضئيل… أتذكر النساء الكرديات في شاغر كزنابق مخططة، والشيخ الجليل بهيبته المهيبة ولحيته المخضبة بالحناء، أتذكر الكولونيل راكعا ومعه حقيبته السوداء يولي جل اهتمامه لما يكتشف وقد تردد بين العمال وشاع فيهم بأنه طبيب جاء لمعاينة المرضى والمدنفين… وأتذكر تلا صغيرا غطي سطحه بأزهار الأذريون الذهبي حيث تناولنا طعامنا في يوم من أيام العطل.

أغلقت أجفاني … أستطيع أن استنشق من حولي روائح الزهور العابقة وشذى الأرض الخصبة … قلت لماكس: إني أفكر … تلك هي أروع حياة يمكن للمرء أن يحياها. ص 286



رحلت أغاثا كريستي وزوجها عن سورية ولم يعودا وتوقفت الحفريات الأثرية في تل شاغر بازار طويلاً.

شاغر بازار اليوم:

أما شاغر بازار القرية الكبيرة في تلك المرحلة فقد تراجع عمرانها وانكمشت حياتها الاجتماعية نتيجة لهجرة سكانها إلى مراكز المدن في محافظة الحسكة وإلى دمشق وحلب، وتراجعت لتبقى قرية صغيرة، وتهدمت الدار التي شيدها ماكس مالوان في القرية ولم يعد للمبنى أي أثر, حيث عاد إلى الأرض التي أنشأت منها وتحول المبنى إلى تراب من جديد.

هذا وقد استأنفت في السنوات الأخيرة التنقيبات الأثرية في تل شاغر بازار من قبل بعثة وطنية – أوروبية مشتركة لمتابعة ما قام بها الأثري ماكس مالوان وزوجته أغاثا كريستي. ولقد بينت آخر المكتشفات أن تاريخ الإستطان الأول في التل يعود إلى مرحلة حلف أي إلى حوالي خمسة آلالاف عام ق.م.

ــــــــــــ

هكذا عشت في سورية, في شاغر بازار وتل براك وتل أبيض أغا كريستي، ترجمة: توفيق الحسني. دار الزمان، دمشق 2

PUKmedia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *