الرئيسية » مقالات » التقويم القمري لإكتمال حُسن البصرة في المجموعة الشعرية الجديدة لمحمود بدر

التقويم القمري لإكتمال حُسن البصرة في المجموعة الشعرية الجديدة لمحمود بدر


الشاعر البصري الهاديء محمود بدر، المعلم مثل غيمة بيضاء في صحراء قاحلة، المأخوذ بالبصرة التي غادرها شاباً فشاب رأسه بعد غربة قسرية عنها. هذا الشاعر، كان الجميع يعرف ما يشغلة وما يستتر في داخله من ألم، رغم أنه لم يُظهر سوى الجانب المفرح فيه لأصدقائه، فرحه مشاع لهم لكنه بخيل بالحزن يحتفظ به له وحده أشفاقاً على أصدقائه وحفاظاً على أفراحهم الصغيرة من أن يشوبها بعض من المرارة والشكوى. لا أملك الحق في أن أتحدث عنه بهذه الصورة ، أي أن أكشف أشياءه (أشياءنا) الأخرى، لكنه سيمنحني إياه بعضاً مما يعطي للآخرين الذين يعرفون تماماً ما يؤلم هذه المعلم. أرض البصره التي سحبت من تحت قدميه ومن طفولته وسُورت بالأسلاك والحراس الغرباء القساة والسلاح المستوفز. البصرة أرض طفولته وملعب صباه، التي كانت متاحة ملاعب وأنهاراً وحدائق نخيل، تحول جزء منها إلى خراب خلفته الحروب المتواصلة طيلة عقدين من الزمان ومازالت، والجزء الآخر ضُرب عليه طوق من الحراسة المشددة والبنادق الجاهزة لاغتيال أي فرح طفولي وذكرى أصيلة. صار ملكية خاصة يتمتع فيها الفاشيون الآفلون وصغارهم وخدمهم وجلادوهم هواة ومحترفين. تحولت إلى قصور كئيبة مرعبة ومقرات قيادية للحزب وفروعه ومبان للأجهزة الخاصة وبرك مائية ومزارع محظور الإقتراب منها. لم يقل ذلك سوى مرة واحدة حين جمعتنا وأياه أمسية شعرية في مدينة سويدية (ميناء تجاري) تقع على البحر المواجه لجمهوريات صغار ثلاث كانت سوفيتية، من ميناء تلك المدينة كانت سفن تجارية تتجه إلى البصرة حاملة علب الثقاب (الشخّاط السويدي) ذات النجمات الثلاث إلى البصرة والتي تصنع في معمل صغير يطل ومازال منذ قرن من الزمان على البحر هناك. كنا نطل علية مع الشاعر في ذلك الصباح المر. لعله كان قد تذكر البصرة وتذكر أيضاً : أن المحافظ هناك قد بنى قصره على أرض كانت ملعب محمود ورفاقه، وأحاط مسؤول الحزب بسور عال بستاناً كان يقضي فيه أسماره مع الأصدقاء، ووضع مدير الأمن حارساً يخبيء عند خاصرته مسدساً ويقف تحت عمود الشارع حيث يراجع محمود دروسه تحت مصباحه الذي كان مشاعاً للدارسين والعاشقين وسكارى أخر الليل، وصادروا الطريق الترابي المختصر بين المدرسة والبيت ولم تعد ثمة دروب مختصرة في البصرة سوى واحدة تفضي إلى الموت. وكذلك صادروا صفحة الشط الذي كان يرمي حصاته فوق مياهه ويراهن كم مرة ستقفز الحصاة على قماش المياه الساكنة الأليفة، ولم يكتفوا فصادروا النخيل والأنهار الصغيرة وأودعوها الحرب.
يقول هذا المعلم بعد أن يهدي قصائد مجموعته إلى مدينة البصرة التي يصفها بعين الدنيا وسلة العراق :
“في بساتين النخيل والبرتقال، تلك البساتين المسكونة بالبسطاء الذين دفنوا أنفسهم منذ عشرات السنين في هذه البساتين، والذين يخضعون دوماً للظلم. جاءت الحرب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً أزاءها سوى تقديم أعز ما لديهم – فلذات أكبادهم – صاغرين ولائذين بالصبر الجميل.
إنتهت الحرب وعاد ما تبقى من الأبناء والذين أنجزوا خدمتهم العسكرية ولسنوات عديدة.
الآن صار بإمكانهم أن يتحدثوا كما يحلو لهم عن المستقبل، لكن لم يدر في خلد أحدهم أن الحرب قادمة وستأخذ ما تبقى منهم، ولتجلب لأهلهم المآسي ولبساتينهم الخراب.”
بعد مجموعتي (للنخلة حديث آخر عام 1995 والشمس وبيوت الطين عام 2000 ) صدرت مجموعته الجديدة (الحرب وأشياء أخرى في الربع الأخير من عام 2003) مزينة بثلاثين قصيدة وثلاث عشرة لوحة إضافة إلى لوحة الغلاف للفنان التشكيلي المبدع شاكر بدر وهو ذاته الذي رسم لوحات مجموعتيه السابقتين.

تقويم قمري في لوحات
هو عمر اكتمال القمر. هذه هي الثيمة المشتركة لجميع رسوم المجموعة مقسمة عليها جميعاً من لوحة الغلاف الأولى حتى اللوحة الداخلية الأخيرة، متسلسلة قمرياً مثل تقويم عربي. القمر هو الثيمة.
قبل أن أقول ما سأقولة عن التشكيل، لابد أن أشير إلى مشاكسة أولى مع التشكيلي شاكر. حين طلب محمود بدر ملاحظتي الشفاهية الأولى على المجموعة بعد تصفح سريع لها، بادرته : عليك أن تغير الرسام. ليسرع شاكر ضاحكاً : إسمع نصيحته، فالحق معه على الأرجح وملاحظته صحيحة! لعله أدرك اكتشاف فكرة اللوحة لديه. لأن مفرداته الفنية لا تبتعد عن البيئة البحرية، بحر وشراع ونخلة وبيت بسيط. والقمر هذه المرة، الذي يتوزع خيطاً وهلالاً ومحاقاً على أربعة عشر تخطيطاً (أربع عشرة ليلة) ثم يصير بدراً مستديراً كاملاً في الليلة الأخيرة. ولعله كما نحن أيضاً كان يفجر أملاً في انحسار الدمار وانزياح الغبار والدخان عن وجه البصرة وما خلفته الحروب الظالمة المتتالية من دمار. ويعود للبصرة والعراق ذلك الوجه المضيء والثراء والعافية. وتعود الدورة الدموية مضيئة صفاء الوجوه البصرية السمراء وسحر عيون البصريات. لنعود رغم الخمسين ونعد غزلنا المعروف في بصرتنا التي نبشر بها فردوساً عراقياً دائم الخضرة والجمال.

القصائد : خيار أول
بالحزن المفضي إلى الفرح تبدأ المجموعة الشعرية. ربما أراد الشاعر فرحاً جديداً لقارئه. مثلما تعوّد. فاتحة للفرح تطرد أو تخفف حزناً مقيماً كدسته الحروب والجريمة، غيمة من الشاش لمسح البارود المحروق.
ما بين سنبلة تداعبها النسائم في الطريقِ
وبين (كوت الزين)
تشتعل المساكن …
تلتهب الدروب.
فالنخل، حتى النخل،
تجرفه القذائفْ،
وتلفه سحب الدخان
وأنت وحدك تسأل الآتين
عن قلب تحاصره الهواجس في الطريق.
أطبق على حزن المدينة مقلتيك!
كأن الشاعر يريد أن يخطو في طريق العودة معكوساً من الحرب إلى البيت. من كوت الزين التي كانت جبهة ضارية لصواريخ ومدفعية الحرب، ومن جبهات الحرب الأولى مع إيران، لم تُبق إلا القليل ممن ساروا إليها، بل إن الذاهبين إليها داهمتهم الحرب قبل أن يصلوها فقتلتهم في منتصف الطريق إليها أعني كوت الزين التي ابتلعت هي والمسالك إليها ضحايا يصعب حصر أعدادهم. يريد الشاعر إياباً من الحرب لا رجوع بعده، ليقدم صورة أخرى معاكسة حيث يرحل الليل وتعود الصباحات الجميلة والعشاق ينتشون وتمتليء أحضان الصبايا بورود الربيع.
في الطريق من الحرب يوميات أيضاً يفتتحها الشاعر بسقوط حصان الرهان الفائز دوماً ليس بسبب منافسة وعناد الخيول الأخرى، بل بسقوط سوط سيده عليه، لأنه كان في سباقه الأخير. خسارة حصان الرهان وفوز المراهنين. هي خسارة بمثابة الحكم النافذ من الكبوة الأولى.
خيار ثان
أدهشتك العصافير
تبحث في كومة التبن
عن بعض حاجتها
فلما اهتدت شاركتها الطحالب
بعض الطعام.
لماذا لم يقل الشاعر أجهزت الطحالب على كومة التبن كلها بعد أن التهمت القمح. وهذا هو واقع ما كان يحدث بالفعل خصوصاً في فترة الحصار العصيبة. حيث كان الدغل يستفز النخيل والطحالب التي رعاها أعداء الحياة كانت تلتهم كل شيء دون أن تبذل أي جهد. ولم تشرك العصافير حتى بقشور البيدر . كان الحصار مناسبة للطفليين في التفاخر بأن الطفيليات كانت أكثر شبعاً من أبناء البلاد باذري وزارعي وحاصدي خيره. وبأنهم قدر أسود يُجيع ويُشبع من هم الأشرف والأبهى والأكثر أصالة. في زمن كان حصراً على السراق والأدنياء واللئام والموصومين وذوي النفوس الجدبة. لم تمر البلاد بمرحلة أكثر سوءاً وبلاء من سلسلة الحروب والحصارات وحملات القمع والتجويع والإذلال المقصود والمبرمج التي مرت بها بلادنا خلال الخمسة والثلاثين عاماً الماضية. لقد مرت شعوب أخرى في فترات صعبة التهمت فيها جذور الأرض والتراب لكنها كانت كوارث طبيعية شملت الجميع وليس عمليات سرقة وحرق منظمة. كما فعل طغاة بغداد الذي تميزوا عن غيرهم من أمثالهم بنزوعهم للتخريب وبعقدهم العدائية التاريخية المتراكمة. لقد أفرزت فترة الحصار التي يشير إليها الشاعر محمود بدر أكثر الممارسات انحطاطاً في تاريخ العراق الحديث مارستها أكثر الأنظمة انحطاطاً من خلال جيلين من الأباء الفاسدين وجيلين من الأبناء هم أسوء الأبناء تربية وإعداداً لقتل الحياة وتدمير الشخصية العراقية وبتغذية أحط النزعات وأشد النفوس دناءة وأشد العقد النفسية خطورة لأناس مُخرَبين أساساً وهي عقدة الأنتقام.

البسطاء : الخيار الدائم
في مجموعتيه السابقتين كانت ترد في قصائده أسماء لا نعرفها وحين نسأله عنهم كان يقول هؤلاء هم الناس البسطاء الذين عايشتهم وأراهم يستحقون أن أكتب عنهم بأسمائهم وليس بشكل عام أي مع الحشر ليتحولوا إلى مجاهيل صغيرة ضمن مجهول هائل هو السواد العام، لماذا يسمى العراقيون أهل السواد وقد ساد إبداعهم العالم والتاريخ. الذين تسألون عنهم هم جمرة الإبداع الأولى، بل هم النزيف الذي يفتح أبواب الإبداع وما نحن سوى المستثمرين لهذه الجمرة وذلك النزيف، هذا ما كنت أفهمه على الأقل من محمود، لم يكن يقوله إدعاء بل ما كانت تقوله قصائده الأولى التي كنا نصفها بأنها مهيضة الجناح تئن بثقل تلك الأسماء التي يعرفها البصري محمود وحده وقليل من أهل مدينته ولا نعرفها نحن. هؤلاء البسطاء الذين يجمع الشاعر أسماءهم وصفاتهم وشيئاً من حياتهم من قائمة الشارع والمقهى والمسجد والخانات والفنادق المتواضعة من معدة البصرة وأكثر أماكن المدينة فقراً وتواضعاً لا أريد تسجيل توصيفاً آخر أقسى لبيئتهم، هم مادة شعرة المبكرة. علي أن أتم تعريف الناس بهم قبل أن أنطلق إلى غيرهم، هذا ما كان يقوله، حين كنا نقول له : أخرج من هذا المحبس الضيق إلى الحياة الممتلئة بالتفاصيل واقتطف مادتك الجديدة. وكأننا نعني بأن ما يلملمه من تلك الأسماء هو عبث ولعبة خاسرة، لن يقرأ هؤلاء ما تكتبه عنهم وإن قرأوا فلن يحفلوا بما تكتب. إنهم يحفلون بحياتهم الصغيرة وأحلامهم التي تزاحمها قبائل من الحرمان لا تنتهي جيوشها يقول : الحق معكم، لكنهم هم أصحاب حق أيضاً ما داموا قد ساهموا بتلوين الحياة بألوانهم الفقيرة. علي أن أكتب لأتخلص من هذا الواجب.
في مجموعته الأخيرة يكتب محمود بدر عن بسطاء آخرين مثل البحار (أبو الهوى)، وأبن دوخة والفلاح (أبو درندش) وملا حميد وأحمد الخصيبي ومحمد بهلوان وغيرهم.
هذه الشخصيات البسيطة هي شخصيات فذة فيما أعتقد لو استدرجنا محمود للحديث عنها، معطلين الوقت أمامه، وتركناه ينطلق بالحديث عنها فسيحكي قصصاً أكثر إبهاراً من قصص ألف ليلة وليلة. وقد نجحنا أنا والشاعر إبراهيم عبد الملك باستدراجه في إحدى المرات ليقص علينا حتى فجر اليوم التالي حكايات من تاريخ البصرة وشخصياتها وأنهارها وسفنها وبساتينها. وعن قصة الأميرة ناقة الباهرة الجمال وهي شخصية حقيقية وأبنة أحد شيوخ القبائل العربية التي كانت تقف وأعوانها المسلحين بالبنادق على أحدى جزر شط العرب قاطعة الطريق أمام عبور البحارة وأصحاب الأفلاك، طالبة حقها منهم وهي ضريبة تفرضها على هؤلاء لقاء عبورهم، المدهش والجميل أن ضريبة الأميرة الثرية الفاتنة هي أبيات من الشعر ولو بضعة أبيات تتغزل بجمالها وكرمها لتنثر في أحضان العابرين كميات من الحلوى والسكائر وليرات الذهب وتفتح النهر للعبور أمام سفنهم الصغيرة وعباراتهم لتنطلق إلى الهند وأفريقيا ودول الخليج العربي. وقد قرأ محمود عشرات الأبيات الجادة والمعابثة التي قيلت في تلك الأميرة العربية الجميلة. لو انتبهنا نحن العراقيين وأوقفنا أمراة اليوم، إمراة عراقية حيث كانت تقف ألأميرة ناقة وطالبنا بحق البصرة والعراق من الشعر والأدب ضريبة يسديها محب لمحبين، ماذا كنا سنبني من صروح الثقافة وماذا كنا سنجني من أدب رفيع ومادة إبداعية رائعة. لن نطلب شعراً فقط، بل سنطلب لوحة تشكيلية وقصة ومشهداً مسرحياً وربما لحناً موسيقيا أو أغنية جديدة، كل مركب سنطلب منه مما يحمل من إبداع. كم ستكون هذة الظاهرة حضارية وكم ستبدع وتولد من فن متنوع جميل. وكم ستظهر من أصوات جديدة. نريد يوماً أو أسبوعاً للأميرة البصرية ودار نشر للتراث البصري وأدب البحر والنخلة وبيت الطين وبسطاء محمود بدر ومهرجان ومسابقة أدبية وجوائز باسم الأميرة ناقة.
لست أزعم بل أستطيع أن أقول بكل تأكيد إن محمود هو عبارة عن كتاب هائل لقصص بصرية غاية في الجمال. هو كتاب (ألف ليلة وليلة بصري) حي، لو تم توثيقة لكان إضافة رائعة للإرث الثقافي ولو كنت أحمل هذا الكتاب لتركت الدنيا كلها من أجل توثيقه. سجل من الرجال والنساء من عصور تاريخية عديدة ومن مشارب مختلفة واماكن وبيئات بصرية وخليجية متنوعة. وهي ميزة تنقصنا نحن الذين نقول إننا أصدقاؤه.
نعود إلى بسطاء شاعرنا المعلم البصري فهو يصف أحدهم وصفاً بسيطاً هو شيخ ماهود في قصيدة قصيرة.
ماهودٌ شيخ..
يتحدى كل شيوخ الأرض
بحب يكفي كل الناس
ولسان يقطر أحلى شهد.

وعن أبي درندش وهو رجل من سكنة جيكور وصديق لشاعر البصرة والعراق الكبير بدر شاكر السياب، ومن مؤسسي جميعة (الجيل الواعي في جبل الراعي).
يقول محمود بدر : إن هذا الرجل كان يتردد على سوق أبي الخصيب متذكراً أيامه مع الشاعر السياب. عن أبي درندش يقول الشاعر:
محتمياً بحد المنجل
وبموضع جندي مكشوف
تخنقه رائحة البارود
ودخان النخل المحروق
يتذكر جلسات السمر الليلي
عند تخوم المختارة كل مساء

محتمياً بحد المنجل
محتجاً ماذا يفعل أهل النخل لنخلهموا
وبساتين النخل البرحي
حرقتها الحرب.
أعترف بأنني كتبت عن محمود بدر أكثر مما كتبته عن مجموعته، وأعترف أن ما كتبت هو إما نقلاً مباشراً عن لسان محمود أو مما أوحاه لي أمانه علي أن لا أتجاهلها وأردها إليه شاكراً. ولن تكفي قصائد المجموعة الشعرية الجديدة التي أصدرها لأن ترسم ملامح الشاعر والتي أسماها (الحرب وأشياء أخرى)، فالحرب هي القطرة، أما الأشياء الأخرى فهي الفيض الحقيقي الذي يدخره محمود نفسه، لا نصل إليه إلا بالإحتيال عليه واستدراجه. وقصة الأميرة ناقة التي أوجزتها هنا هي قصة من عشرات القصص الأخاذة التي يمكن الوصول إليها وسط مدخرات أجمل وأكثر قيمة منها. وهذه ميزته علينا بصراحة ودون مغالاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *