الرئيسية » مقالات » التيارات السياسية السنية في العراق !!!

التيارات السياسية السنية في العراق !!!

لن أقدم أعتذاراً أو أسفاً على أستخدامي لكلمة سني كصيغة لوصف بعض التيارات السياسية في العراق في عنوان مقالتي أعلاه كما يفعل غيري في المقالات المكتوبة أو المقابلات حينما يصف شيئاً بأنه سني أو شيعي وبعدها يستطرد ليقول ” أنا أسف لأستخدام هذا اللفظ “!!!
وسبب عدم أعتذاري هذا يكمن أن هنالك فعلاً من الناحية الواقعية السياسية حركة سياسية سنية من جهة أولى وحركة سياسية شيعية من جهة ثانية في كل من الفضاء السني والشيعي ولكل منهما تخريجاته وايديولوجياته وارتباطاته ومايترتب على ذلك من الزامات وواجبات يتعين على هذه الحركة أو تلك الأخذ بها أو تركها في لحظات أتخاذ القرار مع العلم أنه قد تلتقي الحركة السياسية السنية بالشيعة في منعطف حينما تتماهى الأهداف وتتوحد الرؤى أزاء قضية أو موضوع ما , بل أننا لو وظفنا منهجية اوكست كونت في تحليله للمجتمع الساكن او المجتمع المتحرك لوجدنا أن دراسة المجتمع بصفاته وعاداته كما هي في عصر معين ( المجتمع الساكن ) أو بتحولاته وصيرورته الزمنية( المجتمع المتحرك) سوف تقودنا شئنا أم أبينا الى هذا التصنيف مع الأنتباه الى أن التصنيفات أعلاه هي تصنيفات لمجتمع وليس لحركة سياسية الا انني وضعتها في خانه واحدة لأن الحركة الفكرية سواء كانت فلسفية أو سياسية لاتولد في الفضاء وفي ذهن مبدعها كما كان يرى ذلك الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون بل تولد في خضم تداعيات الواقع المعاش واصطدام أفكار صاحبها بالمجتمع واحتكاكه بمشكلاته الحية وأنغماسه بها ….
وتتحرك في المجتمع العراقي السني _ من وجهة نظري _ ثلاثة تيارات سياسية طبقاً لموقفها من مضمونات ومستلزمات العملية السياسية الجاري طبخها في العراق منذ سقوط النظام السابق وحتى الأن . وهذه التيارات هي:
التيار الأول: جبهة التوافق العراقية.
التيار الثاني: هيئة علماء المسلمين.
التيار الثالث: صحوة الأنبار.
وينبغي عليّ التنبيه الى نقطتين مهمتين:
الأولى:
أن التصنيف أعلاه هو تصنيف أعتباطي عشوائي فلا يعني الترتيب أنه أقدم أو أنضج فكرياً أو أكثر شعبية من الأخر الذي يأتي بعده في السلم التراتبي والتصنيف .
الثاني:
أن كل تيار من هذه التيارات يضم في داخله أفكار متباينة أحياناً في قضية ما ولايتفقون بالمطلق في الرؤى والأفكار التي يحملونها الا أنهم يتماثلون في الخطوط العريضة وفي الأفكار التي تحرك بوصلتهم السياسية .
التيار الأول جبهة التوافق العراقية الذي تشكلت في الانتخابات الاخيرة والذي ضم ثلاث مكونات سياسية هي مؤتمر أهل العراق الذي يتراسه الدكتور عدنان الدليمي وهورئيس الوقف السني سابقاً وجبهة الحوار الذي يتراسها الشيخ خلف العليان وهو ضابط سابق في الجيش العراقي بالاضافة الى الحزب الاسلامي العراقي الذي يعتبر من الاحزاب الأسلامية العريقة والذي كان يتزعمه الدكتور محسن عبد الحميد الذي شارك في العملية السياسية منذ اللحظة الاولى , أما الأن فالحزب بزعامة الدكتور طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الحالي .
وقد مثلت جبهة التوافق العراقية_ والتي هي طائفية التشكيل حالها حال الأئتلاف العراقي الموحد _ عموماً سنة العراق وابناء غرب العراق وشماله وقد حصلت على أصوات في الانتخابات العراقية أهلتها لتكون ثالث أكبر تكتل بعد الأئتلاف والأكراد وقد شاركت_ نتيجة أستحقاقها الأنتخابي _ في الحكومة بعدة وزارات وبمنصب رئاسة البرلمان ومنصب نائب رئيس الوزراء بالأضافة الى منصب نائب رئيس الجمهورية كما أشرت أعلاه , ومايميز الجبهة في عملها السياسي أنها كانت تنتقد الحكومة العراقية وتصفها بالطائفية وهي كانت تعمل في ظلها أي أنها كانت تتخذ موقف المعارض وهي في داخل الحكومة وهو أمر يُعد تناقضاً في العمل السياسي, على عكس الائتلاف العراقي الذي كان يدعم الحكومة ويساندها ولايتجرأ أحد على نقد رئيس وزرائها السيد نوري المالكي الا ماشذ منهم , أما الموقف المهم الذي يميز عملها أخيراً هو انسحابها من الحكومة العراقية وأشتراطهم العودة لهم جملة من الأمور التي تتعلق ببعض الأصلاحات السياسية.
وأما هيئة علماء المسلمين فأرجو عدم الأستغراب من تصنيفي لها كأحد التيارات السياسية السنية التي تعمل في العراق , فالهيئة وأن بدت أنها دينية ومؤسسة تشكلت لغرض الأفتاء وتبيان الأحكام الشرعية للمجتمع السني في العراق ألأ انها في الواقع وبسبب مواقفها من العملية السياسية قد غاصت حد الذقن في السياسة كما أشار الى ذلك بعض أعضاء جبهة التوافق أثر تصريحاتها أزاء الحكومة العراقية والعملية السياسية وأحزابها حيث أعتبرت العملية السياسية غير شرعية مادامت تجري تحت مظلة الأحتلال وهذا مالايوافقهم عليه سياسيو جبهة التوافق العراقية_ الذين يشتركون معهم في المذهب الديني _الذين انخرطوا في هذه العملية بالأضافة الى تصريحات رئيسها الشيخ الضاري النارية حول تنظيم القاعدة والذي جلبت حوله عاصفة من النقد والأستغراب من قبل جبهة التوافق والكثير من ضحايا التنظيم من السنة في غرب العراق , فضلاَ عن موقف الهيئة السلبي من مجالس الصحوة السنية التي كنست تنظيم القاعدة من مناطقها بينما يعتبرها الضاري مجالس عميلة للأحتلال الأمريكي وتنفذ اجندته وتعمل من اجل خدمته وهو السبب الذي جعل من الشيخ أحمد السامرائي رئيس هيئة الوقف السني يقوم باغلاق مقر الهيئة في بغداد !!!
وبالأضافة الى جبهة التوافق وهيئة العلماء يوجد تيار سياسي سني أخر لم يزد عمره الزمني عن السنة تقريباً , هو تيار صحوة عشائر الأنبار الذي أسسه الشيخ الشهيد ستار أبو ريشة والذي تُعد صاحبة الفضل الأول في تقهقر واندحار تنظيم القاعدة ليس في الانبار فقط وانما في مناطق العراق الاخرى من حيث أستهلامه لفكرة مجالس الصحوات التي بدأت تنبثق هنا وتتشكل هناك وتعمل على تاسيس مجاميع مسلحة لبعضها علاقة بمجاميع المقاومة العراقية تقوم تطرد فلول القاعدة من مناطقهم …… وهذا التيار له خصوصية معينة لا أجدها في التوافق ولا الهيئة أجبرتني _ كما قد تجبر غيري _ على تصنيفه كتيار سني ثالث تمثلت في مواجهته المباشرة العسكرية مع عناصر تنظيم القاعدة من جهة أولى فضلاً عن مطالبته بوزارات في حكومة السيد نوري المالكي بعد انسحاب وزراء جبهة التوافق من جهة ثانية , وهو في هذا يعلن في مسكوت خطابه ومنطوقه أنه تيار سياسي مستقل ويعلن طلاقه مع جبهة التوافق التي كانوا يمثلون ابناء محافظة الانبار قبل ظهور تيار الصحوة !!!
وفي الواقع ان جبهة التوافق العراقية لم تقم بمقاتلة تنظيم القاعدة عسكرياً على النحو الذي مارسه مجلس صحوة الانبار , بل كان منطقها يتضمن النقد والرفض والأستنكار لما يقوم به التنظيم
دون الأعلان عن مقاتلتها ومواجهتها عسكرياً , بل ان جبهة التوافق _ وهذه أحدى مهازل الديمقراطية_ رفضت التعليق على مقتل أبو مصعب الزرقاوي حينما كانوا يعقدون مؤتمر صحفي بل طالبوا الصحفيين بعدم توجيه أي سؤال يتعلق بمقتل الزرقاوي مع العلم أن تنظيم القاعدة قد قام باغتيال الكثير من أفراد الحزب الاسلامي العراقي وهو احد مكونات جبهة التوافق الرئيسية ومن ضمنهم الشهداء الثلاثة أخوة نائب رئيس الجمهورية الدكتور طارق الهاشمي !!!
اما النقطة الثانية التي يتميز بها تيار الصحوة وهو مطالبته بشغل وزارات في حكومة السيد المالكي بينما نلاحظ أن جبهة التوافق قد سحبت وزرائها واعلنت عدم العودة للحكومة الا بعد تنفيذ مطاليبها , بل أن بعض اعضاء الجبهة قد أعلنوا أن رجوعهم الى حكومة المالكي أمر شبه مستحيل, وقد وجدت في هذا التباين والأختلاف الجذري في الموقف بين التوافق والهيئة والصحوة العامل الجوهري الذي يبرر لي وضع تيار الصحوة كتيار سياسي سني قائم بذاته يختلف عن الهيئة التي لاتعترف بشرعية الحكومة وجبهة التوافق التي يبدو أخيراً ان بعض أعضائها بدأ بالتخبط في تصريحاته السياسية حول تيار الصحوة بدلاً من الجلوس معها ومحاورتها ومعرفة مطالبها لكونها تنطلق من عين النبع المذهبي _ مع العلم وهذه شهادة يجب أن أعترف بها أن تيار الصحوة لايعدها الكثير من العراقيين تيار سني وأنما تيار عراقي وطني غير طائفي _فنرى النائب خلف العليان يقوم بصب الزيت على نار الخلاف بين الصحوة والتوافق فيهاجم الصحوة ويقول بانهم لايمثلون عشائر الانبار ولايحق لهم الحديث باسمهم ولا تمثيلهم …. ليأتي بعد ذلك الرد المنطقي المباشر عليه على لسان الشيخ علي الحاتم أحد مشايخ الدليم العريقة التي تمثل احد مكونات تيار الصحوة ليقول للعليان وللتوافق ” بانكم قد هربتم الى الاردن بينما كنا نحن نقاتل تنظيم القاعدة ولم تسندونا حتى في تصريحاتكم الاعلامية ضد تنظيم القاعدة “. وبذلك يزداد الانشقاق وتتسع الهوة بين الصحوة والتوافق مما يؤدي الى تمزق وحدة الصف والتيار السياسي السني الذي اصبح مجتمعه كما يحكي لنا اصدقاءنا في الأنبار يؤيد الصحوة ويعدها هي المعبر عن توجهاته ومن قامت بانقاذه من تنظيم القاعدة . وكيف لا والشيعي نفسه خصوصاً ممن لايملك اجرة الطائرة المغادرة الى سوريا أصبح يتنقل بأمان على الطريق البري بين بغداد وسورياً بفضل الصحوة, هذا الشيعي يؤيد الصحوة ويسندها بل ربما يختار بعضهم في الأنتخاباب على غيرها من القوائم الشيعية !!!
أنني على يقين بأن المجتمع السني في العراق ذكي بما فيه الكفاية لكي يميز بين التيارات السياسية الثلاثة أعلاه طبقاً لما أنجزه كل منهم على أرض الواقع المعاش منذ لحظه أنبثاقه وحتى موعد الأنتخابات, وسوف لن يُحدد المعيار من خلال الشعارات والعزف على الوتر الطائفي التي لا أظن أنها أصبحت تنطلي على السني وحتى نظيره الشيعي الذي يريد كل منهما تغيير ملموس على واقعه يتعلق بالخدمات المقدمة اليه لا مجرد شعارات مفرغة من المضمون ومجردة من المحتوى ….والانتخابات القادمة في مجالس المحافظات هي البداية لذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *