الرئيسية » مقالات » كردستان واحة خضراء لا تقبل التصحر

كردستان واحة خضراء لا تقبل التصحر

جبال كردستان ووديانها وشعابها وأشجارها الوارفة وانهارها وهضابها وسهولها بقيت هذه الأرض الطيبة على مدى عقود منصرمة ساحة مكشوفة لدراما اجتماعية وسياسية وعسكرية وداهمها ليل معتم طويل خيمت فيه المعانات والظلم . وبعد ان وجد السلام طريقه الى هذه الربوع ، أثبت الشعب الكردي انه ليس شعباً محارباً شجاعاً في ساحات الوغى فحسب إنما هو شعب مثابر قادر على البناء والتعمير ويعشق السلام والتعايش مع الآخرين وفق المعايير الأنسانية السامية .
إن واحة كردستان الوارفة لم تأت بضربة عصا سحرية إنما كانت ثماراً لنضال طويل خاضه الشعب الكردي لعقود طويلة صعبة وكانت قيادته تتجسد في شخصية المرحوم ملا مصطفى البارزاني ( 1903 ـ 1979 ) حيث استطاع ان ينهض بقضية شعبه ويخرجها من غياهب الأهمال والنسيان السياسي ، ومن مجاهلها التضاريسية في كهوف وشعاب ووديان الى المنابر الدولية والى واجهات الأخبار والاعلام ،
لقد اخرجها من المحيط الأقليمي في دائرة تجاذبات الدول المحيطة تركيا وأيران والعراق ، الى فضاء السياسة الدولية لتفرض نفسها في إطار شعب سلبت حقوقه في حق تقرير مصيره .
الملفت للأهتمام ان تركيا ترغب ان تظهر بثوبها العلماني المعاصر وتستفيد من التكنولوجيا الغربية ، وتحاول الولوج في العائلة الأوروبية لتكون عضواً فيها والتي تشترط اولاً مراعاة حقوق الأقليات القومية والدينية من كل الملل والنحل . لكنها من جانب آخر تغمض عيونها عن المطلوب منها في مجال حقوق الأنسان . إن سجل تركيا الأتاتوركية في التعامل مع الأقليات الدينية والعرقية ليس نقياً ولا تريد أيلاء انتباه انظار المجتمع الدولي الى ماضيها القريب ، إنها انهت وجود 3 ملايين مسيحي من أرمن ويونانيين وآشوريين وكلدانيين ، سواء عن طريق الأبادة الجماعية او الترحيل . وإن نزعتها القومية ألغت الكوزموبوليتانية التي كانت مزدهرة في ظل الأمبراطورية العثمانية وعوضتها بالأنتمائية التركية تحت ذريعة خلق انسجام قومي ، وكان هذا الأنسجام على حساب صهر وتذويب كل القوميات في بودقة القومية التركية ، وهي لا تزال تأبى ان تهضم مفردة اسمها كردستان وهناك شعب كردي يريد ان يكون له مكان على الخارطة الدولية وبين أمم الأرض .
إن كانت تركيا تتعمد في تهميش الدور الكردي والقيادة الكردية في اقليم كردستان بالذات فإنها ستقع في خطأ سياسي كبير ، فالمسألة لم تعد قيام بجولة عسكرية في اراضي دولة جارة دون حسيب او رقيب ، فاليوم اقليم كردستان العراق بات ثقلاً سياسياً واقتصادياً يحسب له حساب في المعادلة الدولية ، وها هي اميركا تتباهى في نجاح تجربتها في كردستان العراق وتعثرها في مناطق العراق الأخرى ، وها هي القيادة الكردية تحرص على وحدة العراق ولم تسع الى الأنفصال عنه ، وكما كان يزعم التيار القومي العربي ، فكردستان جزء من العراق ، وتشترك بالعملية السياسية العراقية بكل ثقلها .
إن تركيا التي تؤرقها مشكلة الأقليات إن كان في ماضيها القريب ، وإن كان في الوقت الحاضر ، عليها ان تراعي المنطق المعاصر في حل معضلة الأقليات فالعقلانية والديمقراطية هما السبيل السوي لحل هذه المشاكل . لم تفلح تركيا بالقضاء على حزب العمال الكردي التركي لمدة 25 سنة ، لأنها كانت تلجأ الى الحلول العسكرية والقمع ، واليوم بإصرار تركيا على وضع ملف حزب العمال الكردستاني التركي في إطاره العسكري البحت سوف يعيد المنطقة الى مسلسل الحروب الذي اثبت ان لاطائل من ورائه وسوف يعقد المسألة أكثر ، وبهذا الصدد يقول السيد نيجرفان البارزاني رئيس وزراء أقليم كردستان :
دعوني اكون واضحاً بأن حكومة إقليم كردستان العراق مستعدة تماماً وسوف تظل مستعدة لأيجاد حل طويل الأجل لهذه المشكلة ولهذا الهدف نقترح إجراء محادثات بين أنقرة وبغداد وأربيل وواشنطن .. ولا يستطيع أي طرف ان يجد لها حلاً من نفسه وسوف نجلس في أي وقت مع أي أحد يسعى الى حل دبلوماسي متفاوض عليه .
في مقال سابق أشرت الى ضرورة إشراك القيادة الكردية في اقليم كردستان العراق إن كانت تركيا تريد وضع حل سلمي مشرف للمشكلة ، إن اشراك القيادة الكردية في هذه المفاوضات يعني سلوك الطريق الصحيح ، إذ كيف يمكن لتركيا ان تتجاهل دور القيادة الكردية وقيادة مسعود البارزاني بالذات إن كان على الساحة الكردية او على الساحة السياسية العراقية عامة ؟
إن أقليم كردستان اليوم يحتضن التنوع العراقي ويشكل واحة خضراء وارفة لا يقبل ظمأ وقساوة التصحر .
فمنذ 1991 بات هذا الأقليم رقعة آمنة دأبها السلام والأمان والبناء وبعد نيسان 2003 تعزز هذا الكيان وبات الشعب الكردي يخوض بهمة ونشاط تجربة الديمقراطية والبناء والتعمير ، ولم تعدد المنطقة تتحمل تبعات الأعتداءات والأجتياحات العسكرية ، ولا يمكن ان تشكل كردستان بعد اليوم مسرحاً للمعارك بين جهات متصارعة ، وبدلاً من المعارك العسكرية يمكن اللجوء الى الطرق الدبلوماسية لحلحلة الوضع مهما كان معقداً ، أما من يريد النيل من كردستان وتجربتها فلا أعتقد أن بإمكانه ذلك فالوضع اليوم يختلف عما كانت عليه الأوضاع يوم وإدت جمهورية مهاباد الكردية في مهدها وذلك عام 1946 م .
اليوم كردستان حديقة وارفة وينبغي ان يزدهر خضارها ولم يعد للتصحر منفذاً لاجتياحها .
حبيب تومي / اوسلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *