الرئيسية » مقالات » أين هي خطة فرض القانون من مناحي الحياة الأخرى؟؟

أين هي خطة فرض القانون من مناحي الحياة الأخرى؟؟

يتحسس العراقيون الآثار الإيجابية الأولية لخطة فرض القانون والتحسن المضطرد في الوضع الأمني منذ تطبيق هذه الخطة قبل ثمانية أشهر خلت ولحد الآن. ولا يوجد أي عراقي منصف إلا ويعترف بذلك، بل ويعترف به الخصوم قبل الأصدقاء بالإستناد إلى أحصائيات يومية لا يرقى إليها الشك. ولا يرفض الإقرار بهذا التحسن إلاّ من في قلبهم وبصيرتهم عطب. و يعود الفضل في ذلك بالدرجة الأولى إلى إدراك العراقيين ولو بشكل متأخر مأزق “التدمير الذاتي” وخطأ اللجوء إلى “القعقعة” بالسلاح والعبث به والتحريض الطائفي والمظاهرات العبثية، وما ينتج عن ذلك من قتل متبادل لا يحل مشاكلهم.

ويدرك العراقيون أكثر فأكثر إن “الحوار” الدموي لا تستفيد منه إلاّ أيادي مشبوهة خارجية أو داخلية لا تريد أن ترى العراقيين يحثون الخطى نحو بناء دولة عصرية تحترم القوانين وتوفر لمواطنيها أسباب المساواة والحرية والديمقراطية كي يشقوا طريقهم لبناء هذا البلد المهدم. ويتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى أن هذا الصراع الدموي ليس له أية علاقة بعامة الناس ولا هو مقاومة مزعومة تسعى إلى إسترجاع السيادة للعراق بقدر ما هي مساعي خارجية لتحقيق أجندات الإرهاب الدولي ولا علاقة لها بالعراقيين، كما يضاف إليها مساعي محمومة لفلول النظام السابق نحو إستعادة سطوتهم وتجبرهم على العراق.

وفي هذا الإطار لا يمكن بالطبع تجاهل القرار السياسي الجرئ الذي إتُخذ من قبل الحكومة في إعلان الخطة و تطبيقها من قبل القوات المسلحة والقوى الأمنية الوطنية، وتلقيها الدعم من قبل قوى سياسية متنوعة عريضة على الساحة العراقية. وبالتأكيد ما كان لهذه الخطة أن تلقى هذا النجاح بدون التعاون الواسع للمواطنين الذين يهمهم إستقرار الأمن في البلاد كي يعيشوا حياتهم الآمنة كسائر خلق الله بعد أن تخلوا عن حالة الصمت والترقب ونفضوا عنهم مظاهر التردد والخوف وأخذوا على عاتقهم مهمة إعادة البلاد إلى دائرة الإستقرار والأمان. كما لابد من ألإشارة إلى الدور الإيجابي للقوات المتعددة الجنسيات التي إستفادت من أخطائها السابقة وتحولت إلى قوة دعم ومساندة للقوات العراقية في توفير الأمان للعراقيين بدلاً من إنفرادها وتخبطاتها السابقة. فالعراقيون، من خلال تجربة فرض القانون، هم الأقدر والأكثر خبرة في فرض الأمن في بلادهم وبيدهم هذا المفتاح السحري.

ويُطرح الآن تساؤل مشروع من قبل المواطنين وهو: هل ستتمكن الحكومة من إستكمال خطة فرض القانون ونقل البلاد إلى جادة الإستقرار وكنس جميع مظاهر التناحر العبثي الطائفي والديني والقومي والكراهية وإلى الأبد؟. الجواب نعم، تستطيع الحكومة وكل مكونات المجتمع العراقي أن تسير بالبلاد على طريق تأمين أمن المجتمع ومواطنيه إذا ما توفرت الإرادة والحكمة في إستكمال هذه الخطة وتسريع خطاها من أجل أن تغطي جوانب أخرى من حياة العراقيين.

فلكي نعطي المزيد من الزخم لهذه الخطة ونجاحها بشكل حاسم، ينبغي عليها أن تشمل جوانب تشريعية وقانونية وتدابير إجتماعية وسياسية أوسع، وعدم الإكتفاء بالجوانب العسكرية والإجراءات الأمنية وبعض الإجراءات السياسية المترددة الجارية حالياً.

مسؤولية مجلس النواب

إن أولى المهمات العاجلة للخطة الأمنية هي أن تطال الخطة أعمال أعلى مؤسسة تشريعية في البلاد، أي مجلس النواب, والذي ما يزال يتعثر في عمله وواجباته ولم ينتقل إلى مستوى ما تواجهه البلاد من تحديات. فالمجلس لا يمارس كل مسؤولياته التي حددها الدستور. وأعضاء المجلس يتراوحون بين غائب دائم عنه ويمارس “عمله” من عمان ودمشق أو مدن بعيدة أخرى، وهم يستلمون رواتب من قوت الشعب لا يستحقونها، ولا يحترمون الرأي العام الذي إنتخبهم ولم يبرروا هذه الأمانة، و بين نفر آخر من النواب غير قادر على المشاركة الفعالة في تقصي الحلول بسبب النقص في قدراته القانونية والتشريعية والثقافية، مما يستدعي من رئاسة المجلس تنظيم دورات خاصة لرفع مستواهم المعرفي كي يكونوا مؤهلين لإداء واجباتهم. ولذا ينبغي على المجلس وعلى الرأي العام الذي إنتخبه أن يضغط كي يلتئم المجلس بكامل أعضائه ولا أن يُشل بسبب إستنكاف غالبية الأعضاء عن المشاركة النشطة في أعماله، أما لتعطيله عن عمد أو إستخفافاً بهذه المؤسسة الحساسة. وتتحمل الحكومة أيضاً مسؤولية كبيرة في عدم تفاعلها مع مجلس النواب وعدم طرحها عليه مشاريع قوانين هامة تمس بناء الدولة وإستقرارها مثل التعديلات الدستورية الموعودة على الدستور العراقي وقانون النفط والغاز وقانون الموازنة المائية وقانون الأقاليم وقوانين أخرى هامة تساعد على تطويق ودحر مظاهر العنف والإرهاب في بلادنا.

قانون الأحزاب والجمعيات

إن المجلس لم يستطع لحد الآن، كما أشرنا، مناقشة مشاريع خطيرة تمس حياة البلد. فهو لم يناقش مشاريع قوانين حول تنظيم نشاط الأحزاب والجمعيات المهنية والخيرية لمعرفة مصادر تمويلها ومدى تمسكها بالدستور الذي تم القسم عليه من جميع اعضاء المجلس. فالقانون المنشود الذي يخص نشاط الأحزاب يجب أن ينص على طابع الحياة الداخلية لهذه الأحزاب والجمعيات، والتي يجب أن تتسم بالشفافية بعيداً عن تقاليد المنظمات الماسونية. إن غالبية هذه الأحزاب العاملة على الساحة العراقية الآن ليس لها نظام داخلي ولا إنتخابات ولا مؤتمرات دورية، بل هي إمتداد لحركات شمولية باطنية. والمجلس مسؤول أمام العراقيين في أرساء قواعد سليمة شفافة للعمل السياسي الديمقراطي في البلاد، ولا ينبغي أن يتجول إلى شاهد زور على فوضى عارمة وإنتهاكات خطيرة في هذا الميدان الحيوي. فمازالت بعض الأحزاب والحركات الممثلة في مجلس النواب على سبيل المثال وخلافاً للدستور، تحتفظ بميليشيات وكتائب مسلحة خاصة بها وخارج سيطرة الحكومة المركزية، أو لها علاقات مع أطراف مسلحة بهدف الإبتزاز أو إستخدامها كهراوة دون أن يكون هناك تشريع خاص بالأحزاب التي تمارس هذا النمط من العبث المسلح أو الترويج له.

كما تتخذ بعض الأحزاب أسماء دينية خلافاً لإرادة الخالق أو الأنبياء أو الأولياء، بما يسئ إلى الدين والوجدان الديني. فهناك حزب الله وثار الله وجند الله وجند محمد وفيلق الصحابة وفيلق عمر وجيش المهدي دون أن يكون لأصحاب الشأن يد في هذه التسميات. إن بعض الدول، ومنها مصر، أصدرت تشريعات تحظر إطلاق أسماء الخالق أو النبي أو الدين وغيرها من المسميات الدينية على الأحزاب أو المنظمات درءاً للمس بهذه الرموز الدينية وبمعتقدات الناس والحفاظ على الدين من العبث والمضاربات السياسية. لقد أضحى إستخدام الأسماء الدينية بل وحتى الدين والمذهب في التنافس السياسي المصدر الرئيس للإحتقان الخطير والتناحر في العراق وغير العراق. وهذا ما تعبر عنه أصدق تعبير السنوات الدامية التي تلت إنهيار النظام السابق. كما أنه مازال لبعض الأحزاب أكثر من تنظيم يمثله في المجلس أو في النشاط السياسي وبمسميات دينية أيضاً. فعائلة السيد عبد العزيز الحكيم، الذي نتمنى له الشفاء والصحة العامرة، يمثلها في المجلس ثلاثة تيارات وجمعيات خيرية، المجلس الإسلامي الأعلى وذراعه العسكري منظمة بدر وجمعية خيرية ثقافية غير سياسية هي مؤسسة شهيد المحراب. وبالرغم من كون مؤسسة شهيد المحراب هي مؤسسة ثقافية خيرية، إلاّ أنها تتدخل في أهم الشؤون السياسية، ويصبح السيد عمار الحكيم الناطق بإسمها ناطقاً بإسم قائمة الإئتلاف العراقي الموحد، ويستقبل السفراء والوزراء، ويزكي ويتستر ومن على شاشة تلفزيون العراقية أخيراً السلطات الإيرانية وهي المدانة بسبب تدخلها من الباب العريض في الشؤون العراقية والمزودة الرئيسية للأسلحة والذخيرة للتنظيمات المسلحة في العراق. كما يفتتح السيد عمار الحكيم نفق ساحة النسور في بغداد وغيرها من أمور لاعلاقة لها بمؤسسة ثقافية وخيرية، بل هي شأن من شؤون أمانة العاصمة. إن هذه الممارسات لا تؤسس لعمل سياسي سليم ولا تقدم مثلاً مناسباً في ظروف العراق الدقيقة، بل تؤسس لفوضى ولخبطة في العمل السياسي، كما أنها تثير علامات أسئلة وتجلب الضرر حتى على هذا التيار السياسي، علاوة على الرائحة الطائفية لهذه الممارسات التي تصعد من الإحتقان الطائفي. وينبغي أن يكون هاجس كل الأحزاب هاجس وطني عراقي وليس هاجس طائفي أو عرقي كما أفرزته الفترة الفاشلة السابقة، هذا الهاجس الذي أضر بالعملية السياسية، وأفرز تقليعة المحاصصة الطائفية والعرقية المدمرة.

الإعلام – ركن أساسي من العملية الديمقراطية ويجب حمايته

كما لم تطال خطة فرض القانون مجال تشريع النشاط الإعلامي الحساس وحماية العاملين فيه. فالفوضى عارمة في هذا المجال من قتل وإختطاف وإلى الخوف من تحرير المقالات الإنتقادية الجادة، ناهيك عن النشاط الإعلامي الذي لا يخضع لأية ضوابط. و يعود السبب في ذلك إلى أن مجلس النواب العراقي لم يشرّع لحد الآن قوانين خاصة بالإعلام ومنتسبيه ومدى تمسكهم بشرف المهمة ونبذهم للعنف وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية. ولم يصدر المجلس أي تشريع لحماية الصحفيين من الملاحقات والإنتقام والتهديدات بحيث أصبح الآن من العسير على الإعلامي أن ينتقد هذا أو ذاك من المشاركين أو من غير المشاركين في العملية السياسية دون أن يتلقى التهديد تلو التهديد بالقتل هو وعائلته بحجة المس بـ”قدسية” هذا الرجل السياسي الديني أو ذاك، حتى ولو كان الصحفي خارج العراق . لقد ذهب المئات من الصحفيين ضحية التصفيات الجسدية، وإضطر مئات أخرين إلى ترك البلاد حفاظاً على حياتهم. ولذا بات من الضروري تشريع قانون شامل حول الصحافة والإعلام، خاصة في ظل هذا الإنتشار المريب للفضائيات العراقية ووسائل الإعلام الأخرى، ومنها شبكات الإنترنت التي لا يعرف مصادر تمويل بعضها والقوى الإقليمية والدولية التي تقف وراءها بهدف زعزعة الأمن الداخلي وتأجيج النزاعات بين العراقيين. ولقد لعبت بعض هذه الأجهزة دوراً خطيراً في التحريض على سفك الدماء في العراق وتدميره دون أن تتخذ الأجهزة التشريعية والتنفيذية أية ردود فعل أزاءها. وأضحى من النادر أن تجد الآن وسيلة إعلامية في البلاد دون أن تدعمها قوى خارجية لأغراض مريبة، دون أن يقول التشريع كلمته لحماية العراقيين وأرواحهم وأمنهم الوطني.

دور العبادة

لا يختلف العراق عن بلدان العالم بكونه يمتلك دوراً متنوعة. فهناك دور للتعليم تختص بتعليم أبناء الشعب العلوم والأدب، ودور للصحة والرياضة ودور للأيتام ودور للقضاء والعدالة ودور للسياسة والنشاط السياسي، إضافة إلى دور العبادة وما أكثرها في العراق على إختلاف أنواعها ومذاهبها. ولكل من هذه الدور إختصاصاته ودوره في المجتمع. ومتى ما جرى التلاعب بمهمة هذه الدور وإختصاصاتها، يفقد المجتمع توازنه وتضرب الفوضى أطنابها في المجتمع، تماماً كما حدث في السنوات الأخيرة في بلادنا. إن أخطر ما حدث في العراق هو تحول دور العبادة من دور للتواصل بين المخلوق وخالقه والتضرع له، ومكان لزرع الرحمة والتكافل والدعوة إلى الخير والسلام، نعم تحولت هذه الدور إلى ثكنات عسكرية وترسانات للأسلحة ومواقع لتدريب الإرهابيين والعابثين بأمن العراق وأرواح أبنائه ومحطات للبث الإذاعي التي تحرض على العنف والإرهاب، ومراكز لمحاكمات وإجراءات قضائية صورية بواجهات “شرعية” غير خاضعة لقوانين الدولة ولا يجريها قضاة محترفون، مما ألحق الظلم بكثرة من المواطنين. كما لوحظ في السنوات الأخيرة تحول دور العبادة إلى ميادين للمضاربات السياسية ومكان للدعايات الإنتخابية ولعقد “الكونفرنسات” الحزبية وتقديم التقارير والتحاليل السياسية في خطب الجمعة خاصة، في نسخة إيرانية لوظائف دور العبادة، مما وضع هذه الدور في مواجهة ساخنة بعضها مع البعض، وتحولت بذلك إلى بؤر تكرس التوتر والتناحر في المجتمع العراقي بدلاً من نشر دين الرحمة.

لقد أدركت الغالبية من العراقيين مخاطر هذا التحول في مهمة دور العبادة، بحيث فطنت بعض الاوساط الدينية وبادرت أخيراً، على سبيل المثال، إلى غلق مقر تيار سياسي متطرف موال للقاعدة في العراق وهي هيئة علماء المسلمين في جامع أم القرى في بغداد وتوقف بثّه الإذاعي. كما جرت مطاردة “علماء الأرهاب الديني” في غالبية المناطق التي كانت تعد ساخنة غرباً وجنوباً. إنه تدبير حكيم للحفاظ على دور العبادة ودورها وعلى الدين نفسه من التشويه والتلوث بممارسات وفتاوى سياسية مريبة. وعسى أن تتعض جميع الأطراف الأخرى في مدن العراق المختلفة، وتحذو حذو هذه المراكز الدينية وتحرر المساجد والحسينيات ودور العبادة الأخرى من سطوة الذين يسعون إلى تحويل صلاة الجمعة أو المراسيم الدينية عامة إلى “مهرجانات” سياسية طائفية تحريضية للعنف مما يلحق الأذى بأمن البلاد وشعبه.

وما على الحكومة، إضافة إلى الهيئات الشعبية، إلاّ أن تواصل جهودها الحثيثة على طريق حماية المساجد والحسينيات من العبث المدمر وتضع الضوابط لإدارة دور العبادة بالإتفاق مع عقلاء القوم من رجال الدين كي تنتصر حملة حفظ النظام في البلاد ويسود الأمان والإستقرار وتبقى دور العبادة مراكز للموعظة الحسنة.

القضاء المستقل وشفافيته ودوره في فرض خطة القانون

القضاء في أي بلد هو معيار أساسي من معايير إحترام البلد للقوانين وإستتباب دولة القانون. لقد ورث العراق والقضاء العراقي من النظام السابق أكثر الأنظمة القضائية فساداً في كل تاريخ العراق، بحيث فقد القضاء مهنيته وأحكامه التي تستند إلى العدالة. فكانت الأحكام تصدر على أساس الرشوة والإنتماء الحزبي أو العشائري أو الطائفي. وهذا خير مؤشر على معالم إنهيار الدولة. وبعد سقوط النظام، شرع القضاء العراقي يخطو خطواته المتواضعة نحو بناء قضاء مستقل ونزيه وسط أكوام من العوائق والإنتهاكات. فإذا ما إستطاع القضاء إجراء محاكمات عادلة وشفافة لرجال الحكم السابق، فإنه فشل وتردد في معالجة ملفات قضائية خطيرة حدثت خاصة بعد إنهيار النظام السابق. فالقضاء العراقي الجديد لم يكشف النقاب عن ملف إغتيال السيد عبد المجيد الخوئي ولا التحقيق في حوادث النجف ومدن أخرى في عام 2004. ويتعثر التحقيق في ملفات أحداث السماوة والبصرة والديوانية، وفي ملف كربلاء أخيراً جراء ضغوط معروفة، بحيث شلت حتى اللجنة المستقلة التي شكلها مجلس النواب لمتابعة هذه الأحداث الدموية، وإستقال رئيسها من مهمته إحتجاجاً على تجميد عمل اللجنة. كما لا يعلم الجمهور العراقي أية تفاصيل عن المحاكمات التي جرت وإنتهت بأحكام إعدام لأحداث “الزرگة”- ملف “جند السماء”. ولا يعرف العراقيون أية تفاصيل عن القوى التي موّلت وشجّعت هذا التيار المتطرف. بالطبع ينبغي أن لا يفهم من ذلك إن الهدف هو القصاص يقدر ما هو وسيلة للردع والتبصير. إن هناك العشرات من الملفات القضائية والقضايا المرتبطة بالفساد والتي لم يرفع عنها الغطاء لأسباب تتعلق بضغوط أطراف عراقية لا يهمها إستقرار العراق وإزالة الفساد فيه بقدر ما يهمها الفوز بالغنائم. ومن هنا ومن حق العراقيين أن ينتابهم التساؤل والحيرة حول بعض أنشطة القضاء العراقي ودوره أو دور قوى متنفذة في الحكم وسعيها لحجب هذه المعلومات عن الشعب الذي إنتخب هذه المؤسسات. لقد تم حجب هذه المعلومات حتى عن أعلى سلطة تشريعية في البلاد وهو مجلس النواب العراقي المنتخب.

إنها أسئلة تنتظر الأجوبة، وإلا ستفقد خطة فرض القانون مصداقيتها في هذا المجال القضائي الحيوي، ولا يساعد هذا الكتمان و “تبويس اللحى” على زيادة الثقة لدى العراقيين بحكومتهم ومؤسساتهم القضائية والتشريعية، ولا يوفر هذا الأمر بالتالي تطبيق خطة فرض القانون وتحقيق الأمن والسلام للعراق.

وفي هذا الإطار القضائي، ينبغي حسم مشكلة محاكمات رجال العهد السابق، والتي تتعرض أحكامها لتجاذبات سياسية مخلة بالمؤسسة القضائية ولا علاقة لها بالأحكام عادلة كانت أم ظالمة. كان ينبغي منذ البداية، كما اعتقد، أن تعمد المحكمة الجنائية الخاصة بمحاكمات رجال العهد السابق إلى النظر في جميع الملفات دفعة واحدة، خاصة وإن المتهمين هم أنفسهم من الذين إتهموا بجميع هذه الجرائم من الأنفال إلى الدجيل وغيرها. ولكن تدخل بعض من عقول “الثارات والإنتقام”، حوّل القضايا إلى حالة ثأرية عشائرية وأنتقام طائفي أو عرقي وغيرها من الألوان. ولا يعلم حتى القائمين على هذه المحاكم الآن كم ستستغرق المدة التي سيحاكم فيها رجال العهد السابق؟ عقود أم قرون؟ فالجريمة ضخمة، وإستمرت قرابة نصف قرن من العسف والقتل والنهب. إن الحزب النازي الألماني كان مسؤولاً عن فظائع أودت بحياة 50 مليون نسمة ودمرت أوربا ودول أخرى بكاملها في الحرب العالمية الثانية وقبيلها. ولكن بلغ عدد الذين مثلوا أمام المحكمة الدولية التي شكلها الحلفاء في نورنمبورغ 21 متهماً فقط، حُكم على 11 منهم بالإعدام شنقاً حتى الموت (أنتحر غورنغ في السجن بعد الحكم)، وعلى أربعة آخرين بالحبس المؤبد، ومتهم واحد آخر بحبس مدته 20 سنة وآخر 15 سنة وأخيراً 10 سنوات للمتهم الأخير، وأفرج عن ثلاثة متهمين آخرين. ولا أدري لماذا لم تستفيد المحكمة الجنائية العليا من هذه التجربة العالمية. هناك مشكلة عويصة لا يمكن حلها، فالنظام السابق وضمن مشروعه الإجرامي أشرك عدداً كبيراً من العراقيين في تنفيذ جرائمه. وبلغ الأمر إلى درجة أن فرض على أهالي الضحايا المشاركة في قتلهم كما حدث عند تنفيذ أحكام الموت بقادة سابقين في حزب البعث ومنهم المغدور عبد الخالق السامرائي وعدنان الحمداني والمئات الآخرين من المدنيين والعسكريين، هذا ناهيك عن عشرات ومئات الآلاف من العراقيين من شتى الإتجاهات. فأية محكمة تستطيع لملمة كل هؤلاء المشاركين طوعاً أو كرهاً، وما هو الوقت اللازم لذلك؟ الجواب سيكون هو الآخر مشكلة محيرة. ولذا ليس أمام القضاء العراقي وعموم الشعب العراقي إلا أن يحاكم عدد محدد من أقطاب الجريمة، وترك الآخرين أن يقدموا ولو إعتذار عن ما إرتكبوه، ونقلب صفحة على هذه الدوامة. ولنا فيما حدث في ألمانيا وإيطاليا وجنوب أفريقيا من حل لهذه المشكلة، إضافة إلى ما حدث في كمبوديا واليابان وإسبانيا والبرتغال وحتى ضحايا الستالينية وغيرها كأمثلة جديرة بالتمعن من أجل الخروج من ورطة التعامل مع من شارك في الجريمة وليس من أقطابها. لنقلب صفحة على ملف جراحنا وآلامنا التي إكتوينا بها جميعاً، ونفتح صفحة أخرى أكثر مشرقة أمام العراقيين.

إن النجاح الذي تحقق في خطة فرض القانون يمثل إنعطافة إيجابية أولى في الوضع السياسي المعقد في العراق. وينبغي أن تشمل الخطة ميادين أوسع تتراوح بين السعي لإبعاد القوات المسلحة عن التجاذبات السياسية وإلى نبذ عملية تسييس الدين والوقوف بحزم أزاء ظاهرة الرشاوي التي أنهكت المواطن العراقي عند الحصول على جواز سفر أو الوظيفة الحكومية، والإهتمام بزرع ثقافة ديمقراطية سمحة في بلاد عصف بها الإستبداد والتجبر والفساد خلال عقود مديدة. وفي هذا الإطار ينبغي أن لا يقع القائمون على تنفيذ هذه الخطة بعد الخطوات الأولى من النجاح في فخ الأوهام والرضى عن النفس، أو أن تتوصل مراكز صنع القرار إلى إستنتاجات خاطئة، وتوظيف النجاحات الأمنية بشكل خاطئ. فهناك خوف حقيقي من أن تقع الحكومة في فخ إستنتاجات وخلاصات خاطئة تجعلها تنزلق إلى حالة من التعنت من خلال الركون إلى ما تحقق من مكتسبات أمنية، مما يدفعها إلى المراوحة وعدم التحرك لإتخاذ مواقف سياسية عقلانية تدفع البلاد إلى المزيد من الإستقرار والأمان.
20/11/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *