الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (18)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (18)


موقف النواب الكورد من اهم القضايا السياسية التـي اثـيرت فـي الـدورة الثانيـة للمجـلس


اولا: الموقف من الديمقراطية واقامة مؤسسات الدولة الحديثة وتطويرها:
انتهت الانتخابات النيابية الجديدة في العراق يوم التاسع من ايار سنة 1928، وافتتح المجلس في اليوم التاسع عشر منه بخطاب العرش الذي القاه الملك فيصل الاول، تركز الخطاب، كالعادة، على عرض موجز للوضع السياسي العام، مع التأكيد على علاقات العراق الخارجية، واوضاعه المالية والزراعية باسلوب متفائل، واختتامه بما يعرض على المجلس في اسطر قليلة. وبالنسبة للنقطة الاخيرة توقف خطاب العرش هذه المرة عندما اسماه “قضية الدفاع الوطني” التي كان يقصد بها موضوع التجنيد.
استمرت اعمال مجلس النواب في دورته الانتخابية الثانية الرابع عشر من اذار 1930، ثم صدرت في اليوم الاول من تموز العام نفسه ارادة ملكية خاصة تقضي بحل المجلس الثاني الذي يبلغ مجموع جلساته اربعين ومائة جلسة.
بدا الاجتماع غير الاعتيادي الاول للمجلس الجديد يوم التاسع عشر من ايار 1928 مع افتتاحه بخطاب العرش كما اسلفنا، واستمر حتى الثامن والعشرين من ايلول العام نفسه، وبلغ عدد جلساته احدى وخمسين جلسة. وفي جلسة افتتاح المجلس انتخب النواب باكثرية الاصوات وزير الداخلية في الوزارة السعدونية الثالثة عبد العزيز القصاب رئيسا للمجلس الجديد، ومما يذكر ان القصاب كان على علاقة طيبة بالعديد من الشخصيات الكوردية المعروفة، فيما انتخب نائب اربيل معروف جياوك نائبا اول باكثرية الاصوات ايضا، وظل في موقعه هذا إلى حين انتهاء الاجتماع غير الاعتيادي الاول للمجلس، مع العلم انه استقال من منصبه في حالة انفعال لم تكن غريبة على طبعه، واسلوب تعامله، إلا انه سحب استقالته في الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع غير الاعتيادي للمجلس المنعقدة بتاريخ الخامس والعشرين من حزيران سنة 1928. ابدى عدد من النواب الكورد حضورا ملموسا في مناقشة العديد من القضايا السياسية التي اثيرت في جلسات المجلس خلال انعقاد اجتماعه غير الاعتيادي الاول، بدءا بخطاب العرش الذي ارتأى نائب اربيل داود الحيدري عدم مناقشة الحكومة القائمة بصدد القضايا التي تتعلق بالمستقبل مما ورد في الخطاب، فلقد ذكر ما نصه.
“اعتقد ان خطاب العرش هو ليس بمنهاج الحكومة، وانما هو بيان الاعمال التي قامت بها الحكومة اثناء تعطيل المجلس، لذلك لا يجوز مناقشة الحكومة في الامور التي تتعلق بالمستقبل، ولكل نائب ان يسال عن الاعمال التي جرت في غياب المجلس”.
اثار موضوع الانتخابات الاخيرة والاحزاب السياسية التي كانت تعمل على الساحة العراقية يومذاك نقاشا حادا في الجلسة الرابعة للمجلس في دورته الثانية، المنعقدة بتاريخ الثامن عشر من ايار 1928، اشترك فيه اقطاب السياسة من امثال محمد رضا الشبيبي وياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني وغيرهم. وادلى نائب اربيل معروف جياوك بدلوه في الموضوع، وابدى رأيا استحسنه معظم زملائه، فصفقوا له بعد ان انتهى من عرضه، خصوصا وان كلامه انطوى على تحليل واقعي لما عرضه ياسين الهاشمي بصدد الاحزاب السياسية ودورها في الانتخابات، فقال جياوك الكوردي بصددها ما نصه:
“ان اهم ما بينه فخامة الهاشمي من الاقوال والبيانات تتلخص في مسألتين، الاولى الاعتراضات والاختلافات الواردة في الانتخابات، والثانية عدم وجود مبدا للاحزاب الموجودة، فاقول ردا على… المسالة الثانية أي عدم وجود مبدأ للاحزاب، فهذه ايضا مردودة لانني اعتقد ان وجود مبدا قويم ومستقيم موجود في بعض الاحزاب، وقوله هذا اقرار يلزمه بنفسه (ايضا) لانه رئيس حزب، فقوله يعود عليه لا على غيره”.
يقصد معروف جياوك هنا “حزب الشعب” الذي اسسه ياسين الهاشمي في السادس عشر من تموز عام 1925، واجازته وزارة الداخلية في الثالث من كانون الاول العام نفسه، وكان حزبا معارضا. يضفي تقويماً متخصصاً في تاريخ حياة ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية لحزب الشعب، وبعض مواقفه الانتهازية وتدهوره وضعف الانسجام بين اعضائه، وقلة تمسك رئيسه بالقيود الحزبية وغير ذلك من قضايا ارتبطت بحياة الحزب المذكور بعدا خاصا ابداه معروف جياوك في تلك الجلسة بخصوص الحزب المذكور، وبحضور ياسين الهاشمي نفسه، كما ظهر على مداخلاته الاخرى بصدد المجلس وموضوع الانتخابات. ومن المفيد ان نشير إلى ان باحثا متخصصا في الموضوع يستشهد في هذا المجال احيانا باراء ثلاثة نواب من المنتمين إلى المعارضة البرلمانية في المجلس في تلك الدورة، هم كل من نائبي بغداد محمد رضا الشبيبي ومحمود رامز، ونائب اربيل معروف جياوك.
وبالاسلوب نفسه تحدث معروف جياوك عن وزارة الاوقاف بحضور وزيرها الشيخ احمد الداود في الجلسة السادسة عشرة للاجتماع غير الاعتيادي للمجلس حين قال ان سماحة الوزير يعلم “بكل صراحة ان وزارة الاوقاف كانت منبعا للاختلاس” فلم “تكن تمضي مدة طويلة على شخص يوظف في وزارة الاوقاف إلا ونسمع انه صار صاحب بساتين وبيوت ودراهم كثيرة وغير ذلك”، مع العلم ان الشيخ احمد الداود كان معروفا، بدوره، بصراحته المفرطة، مما دفع رئيس المجلس عبد العزيز القصاب إلى مقاطعة نائب اربيل تداركا للموقف، اذ قال لجياوك “ارجو من النائب ان لا يخرج عن الصدد”. وعموما كان النواب الكورد مع موضوع تعزيز السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس الامة، شأنهم في ذلك شأن معظم زملائهم النواب الاخرين، ولا يخفى ان جميع التطورات السياسية العراقية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومستقبل البلاد السياسي كان يعتمد على ذلك إلى حد كبير، خصوصا وان اعمال المجلس في دورته الثانية تزامنت مع مرحلة استكمال تاسيس مؤسسات الدولة العراقية وتشريع قوانينها. ومن ابرز الظواهر السلبية التي عانى منها مجلس النواب في دورته الانتخابية الثانية كانت ظاهرة غياب النواب، وتكرار طلبات العديد منهم للحصول على الاجازات او تمديدها. ومن اجل التوضيح نشير إلى بعض النماذج. ففي جلسة المجلس المنعقدة بتاريخ السادس والعشرين من تموز 1928 غاب ستة وعشرون نائبا، بضمنهم النائبان الكورديان حازم شمدين اغا وداود الحيدري، مع العلم ان المجلس صوت في جلسته تلك على لائحة “قانون تفتيش الامور المالية لسنة 1928” وهي من اللوائح المهمة دون ريب. وفي جلسة لاحقة ارتفع الرقم إلى ثلاثة وثلاثين نائبا غائبا كان خمسة منهم من النواب الكورد وهم كل من نائب اربيل اسماعيل الرواندوزي ونائب الموصل هبة الله المفتي، ومحمد امين زكي ومحمد صالح وصبري علي اغا وثلاثتهم كانوا يمثلون لواء السليمانية في المجلس.
وبالمقابل ادان عدد من النواب الكورد بشدة ظاهرة تفشي غياب النواب، منهم معروف جياوك الذي اثار الموضوع اكثر من مرة، فانه مثلا اعترض على تمديد اجازة نائب البصرة هاشم النقيب لمدة شهر، وتحدث في الجلسة العشرين للمجلس في اجتماعه غير الاعتيادي، المنعقدة بتاريخ الثالث والعشرين من تموز سنة 1928، عن الموضوع باسلوبه اللاذع المعروف عنه، اذ قال ما نصه بهذا الخصوص:
“… غير خاف على المجلس العالي عندما حضرنا هنا جميعا حضر السيد هاشم النقيب ايضا، إلا انه بعد مدة وجيزة طلب اجازة وذهب إلى البصرة، ثم ارسل كتابا ارفقه بتقرير طبي يطلب فيه تمديد اجازته بشهر واحد، وسامحه المجلس ومنحه المدة التي طلبها. فانا لا اعلم انه مريض او غير مريض ولكن حسب ما فهمت من بعض الاخوان ان السبب في عدم مجيئه إلى بغداد هو الحر، وهو هناك في محله مستريح، والحال ان الامة والملة برمتها تعطينا تخصيصات لاجل ان ناتي إلى هنا، ونعمل اشياء لصالحها، فانا لا اود ان يعطي المجلس مأذونيات لاشخاص هم في غنى عن المجلس، فاقترح ان لا يصادق المجلس على هذه الاجازة”.
وبغض النظر عن اسلوبه فان جياوك الكوردي كان يلتقي في موقفه من ظاهرة غياب اعضاء المجلس مع موقف ابرز نواب تلك الدورة من امثال جعفر ابو التمن الذي كان من رايه ان يستقطع مخصصات “الاشخاص المتغيبين لاشغال خصوصية، لان النائب يحسن به ان يقوم بواجباته النيابية التي اقسم من اجلها”.
وينبغي علينا ان نشير هنا إلى نقطة في غاية الاهمية في سياق معالجتنا لموقف النواب الكورد في تعزيز السلطة التشريعية العراقية، فانهم ارادوا ان يكون المجلس ممثلا للعراق والعراقيين فعلا لا قولا، مما كان يتناقض مع مواقف عدد من النواب الشوفينيين من القضايا الكوردية كما لاحظنا ذلك في ثنايا مباحث الفصلين الثاني والثالث من هذه الرسالة، وكما نلاحظه لاحقا في هذا الفصل ايضا. وهنا نرتأي مرة اخرى ان نورد تعليقا ورد على لسان نائب اربيل معروف علي اصغر جياوك الذي تصدى في جلسة يوم الخامس والعشرين من آب 1928 لبعض طروحات نائب بغداد البارز محمود رامز الذي لم ينصف اخوانه الكورد ومناطقهم في العديد من مداخلاته ومواقفه، اذ قال له وجاها: “انا لا افهم ما هو قصد الزميل محمود رامز من هذا الكلام، لان كل نائب يمثل العراق، ويحمل ضميرا اكبر من ضمير محمود رامز”.
وعلى الرغم من ان رئيس المجلس عبد العزيز القصاب قاطعه عند هذه النقطة من تعليقه، قائلا له “اجتنب الشخصيات” إلا ان جياوك لم يرتبك، ولم يسكت، إذا واصل كلامه باسلوب اعنف حين اضاف إلى قوله ما نصه:
“وافتكر انه لا توجد هنا مسألة ثلاثة احزاب، فكل واحد عنده ناموس وشرف، ولا يمكنه ان يخالف شرفه لاجل ياسين او معروف او غيرهما وهنا قاطعه النواب بالتصفيق”.
كان ابرز النواب الكورد في دورة المجلس الجديدة مع تأسيس دولة القانون في العراق، مما يبدو واضحا في ثنايا مداخلاتهم المتكررة اثناء مناقشة المجلس للوائح القانونية الكثيرة جدا التي عرضت عليه في تلك المرحلة، فانهم ايدوا تشريعها في اغلب الاحيان، وناقش، او اعترض على بعض موادها او نصوصها وفقراتها في بعض الحالات، وكان للنواب معروف جياوك وجمال بابان وداود الحيدري صولاتهم وجولاتهم في هذا المضمار ايضا،خصوصا وان موضوعاته كانت ذات صلة مباشرة باختصاصهم الدقيق بوصفهم رجال قانون معروفين، فضلا عن ان داود الحيدري كان يشغل يومذاك حقيبة العدلية. وكان النواب الثلاثة يتوخون من مداخلاتهم، كما يبدو ذلك واضحا من نصوصها، ان يكون العدل والقانون فوق أي اعتبار اخر، مما يعطي “القوة إلى المحاكم” ويضمن “التقدم إلى الامام”.
وهنا ايضا نلجأ إلى بعض النماذج من اجل التوضيح، واذا اخذنا التسلسل الزمني بنظر الاعتبار فنختار تعليقا دقيقا لداود الحيدري ابداه في الجلسة الرابعة عشرة للمجلس بتاريخ السابع من تموز سنة 1928 جاء فيه ما نصه.
“من الصعب جداً تعيين حد فاصل بين القوانين والانظمة والبيانات (الرسمية) وذلك بالنظر الى المادة 114 من القانون الاساسي، أذ جعلت جميع هذه القوانين نافذة وصحيحة بدرجة واحدة مما يتطلب الحد في تعديل النظام بالقانون في حالات التشريع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *