الرئيسية » مقالات » انحطاط الدبلوماسية السورية

انحطاط الدبلوماسية السورية

بعد وفاة الاسد الاب وتسلم الاسد الابن “بشار” زمام القيادة والسلطة في سورية, بدأت تظهر وبشكل تدريجي معالم تراجع الدبلوماسية السورية لتصل لاسوأ مراحلها في الفترة الاخيرة, وبحكم ان القادة في البلدان المحكومة بالانظمة الفردية الشمولية سواء كانوا رؤساء ام ملوكا ام اباطرة ام حتى قياصرة, هم”الكل في الكل”, فأن بشار الاسد يتحمل كامل المسؤولية عن الازمات التي واجهت وتواجه سورية ومن ضمنها الاخفاقات الدبلوماسية .
حالة الجفاء والقطيعة التي تعاني منها سورية في علاقاتها الاقليمية والدولية, تعتبر اكثر من عادية ونتيجة اكثر من طبيعية للسياسات الارتجالية الخطأ للنظام السوري القائمة على ردود الفعل الاعتباطية البحتة, لكن الغريب في الامر, اقدام الطاقم الدبلوماسي السوري, مراراً وتكراراً, على تصرفات لادبلوماسية تزيد من عزلة النظام عن محيطه الدولي والاقليمي, والاغرب ان يكون الرئيس نفسه المسؤول الاكثر تهوراً في نشوء مثل هذه الحالة الشاذة بشكل شخصي ومباشر بالاضافة الى مسؤوليته الاعتبارية كونه يمثل رأس النظام, ويتذكر الجميع الخطاب الناري الذي القاه الرجل عشية انتهاء حرب 33 يوماً بين حزب الله واسرائيل, ووصفه لقادة ورؤساء عرب بانصاف الرجال, وتبعات ذلك الخطاب على علاقة النظام السوري مع جيرانه العرب, اما اخر مطب لادبلوماسي, فقد حدث في انقرة العاصمة التركية, حين أعرب في مؤتمر صحافي وعلى العلن عن تأييده الكامل للتدخل العسكري التركي في “اقليم كردستان”, معتبرا دخول الجيش التركي الى الاراضي العراقية حق مشروع للدولة التركية في حربها ضد الإرهاب, متناسياً ان العراق دولة ذات سيادة وعضو فعال في الجامعة العربية, ومتناسياً كذلك ان الحزب الذي وصفه بالارهابي كان في كنف وضيافة سورية على مدى عقدين من الزمن .
التصريح الاخير لبشار الاسد ربما يكون واحداً من اخطر تصريحاته على الاطلاق, فهو غير متزن وبعيد كل البعد عن الحكمة واصول الكياسة الدبلوماسية, فالحكومة الاسلامية التركية نفسها لم ترغب قبل الانتخابات الرئاسية التركية وقبل الهجمات الاخيرة للعمال الكردستاني ضد الجيش التركي في النزول عند رغبة العسكر بالقيام بحملة عسكرية في الاراضي العراقية, وهي حكومة تجنح الى السلام لا الحرب, وكل مواقفها اليوم تتجه الى احتواء الازمة لا تصعيدها, فموقف الرئيس هنا متقدم على مواقف الحكومة التركية, وهنا يحق لنا ان نتسائل لماذا يرغب الرئيس ان يكون ملكياً اكثر من الملك ? وتركياً اكثر من اتاتورك ?
بالاضافة الى لا دبلوماسية التصريح المذكور, فهو موقف رخيص جداً ومجاني, ففي الوقت الذي كانت وسائل الاعلام تنقل تصريحات الاسد بخصوص الازمة العراقية التركية, كانت القناة التركية الرسمية تبث برنامجاً حوارياً يتناول الازمة العراقية التركية, ومعظم المتحاورين الترك على اختلاف انتماءاتهم السياسية ومن دون استثناء, كانوا متفقين على ان التجربة التركية مع سورية في اواخر التسعينات بخصوص العمال الكردستاني هي الحل الامثل لحلحلة الازمة العراقية التركية, وليس على تركيا سوى تهديد العراق بالتدخل العسكري لبث الرعب والهلع في الطرف العراقي كما حدث مع الطرف السوري, فتفرض الشروط التركية على العراق كما فرضت في السابق على سورية, ولمن لايعلم نقدم هذه المعلومة, فالخوف والجبن السوري اصبح مضرباً للمثل في العلاقة مع الجيران لدى مواطني الجارة تركيا .
امر اخر يجعل من التصريحات الاخيرة لبشار الاسد بخصوص الازمة العراقية التركية في صدارة التصريحات والمواقف الخاصة جداً والمؤثرة, فهي لن تؤدي فقط الى عزلة اقليمية ودولية كما هي العادة, بل الى عزلة داخلية مؤكدة هذه المرة, فكرد سورية كجزء من الشعب السوري يدركون اليوم اكثر من اي وقت مضى, ان الاسد يضمر لهم العداء, وهو ليس مجرد دكتاتور عادي بل بعثي من الدرجة الاولى ومشحون بثقافة الاستبداد والغاء الاخر, والمستقبل الكردي في ظل نظامه قد يكون الاسوأ, ومن المؤكد ان الفترة القادمة ستحمل معها الكثير من المفاجآت غير السارة من قبل رئيس يعرف عنه عدم القدرة على احتواء الازمات, وردود فعله غير محسوبة وانفعالية, ويجنح الى تأزيم الامور وتعقيدها, ويعاني الكثير من القلق والوحدة, ولم يبق له اصدقاء في العالم سوى الجمهورية الاسلامية وتركيا والبعض القليل من الاتباع في لبنان .
تراجع الدبلوماسية السورية وانحطاطها, مؤشر على بداية مرحلة مقبلة ستكون اسوأ بكثير من سابقاتها, والشعب السوري بجميع مكوناته, سيبقى بمعزل عن الحرية والحياة الكريمة الى ان يقرر عزل من لايجيد ادنى طقوس الدبلوماسية ولا يستحق حتى ان يكون ملحقاً في السفارة السورية لدى تركيا, وعندما يقرر الشعب السوري تقرير مصيره بنفسه, حينها فقط تتحقق الامنية وتعود سورية الى مكانتها الطبيعية اللائقة والمشرفة بين الدول والملل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *