الرئيسية » مقالات » الحرب لصالح من ؟

الحرب لصالح من ؟

البحث عن الحقيقية هدف سامي وله مشروعيته في ظل الضبابية وفوضى الأحداث الحالية ، الموازيين المنقلبة سياسيا والتصريحات الإعلامية المتضاربة لهذا الطرف وذاك ، لكن لمعرفة الحقيقة يجب التقرب بعلمية ووفق معطيات موضوعية وحقيقية لنصل إلى نتائج صحيحة وعملية ، لنصل إلى حلول لمشاكل تاريخية عالقة ولكن الديماغوجية الكبيرة والكثيرة والتصريحات المنقلبة الغير ثابتة من قبل السياسيين والمسئولين في الطرف التركي أو الكردي أو هذا الطرف الإقليمي أو ذاك الطرف الدولي تخلق أجواء ضبابية ومختلطة بين الحين والآخر .
فإذا أردنا إجابة صادقة وحقيقية على سؤالنا أي الحرب لصالح من ؟ علينا أن نعود قليلا إلى الوراء ونتمعن في الظروف والتطورات السياسية التي أدت إلى ظهور حركة الحرية الكردستانية بقيادة حزب العمال الكردستاني (PKK ) في كردستان وتركيا وان نضع النقاط على الحروف لكي لا نقع في مغالطات تاريخية وفق تصريحات البعض الذين يظهرون المسألة الكردية كأنها وليدة هذه الأيام الأخيرة فقط وهذه مغالطة تاريخية كبيرة .
بداية إن قضية الشعب الكردي الذي يعيش على جغرافيته المجزأة بين أربعة دول رئيسية ليست وليدة ظروف هذه الأيام بل إنها تعود إلى بدايات القرن العشرين بشكل خاص ، وبشكل اعم منذ القرن التاسع عشر حيث انه خلال هذين القرنين ازداد الضغط السياسي والاجتماعي على الأكراد وتم سلب حقوقهم بشكل كامل في القرن العشرين عبر اتفاقيات دولية بين المستعمرين البريطانيين والفرنسيين وتركيا الاتاتوركية بشكل خاص .
هنا علينا أن نلاحظ ضعف الحركة القومية الكردية وعدم تعاونهم لتحقيق وحدتهم الوطنية إلى جانب أسباب أخرى كانت هي إحدى الأسباب الرئيسية في عدم حساب العالم لهم أية حساب وتم تجزئة هذا الوطن بيد المستعمرين ولغاياتهم بين أربعة دول التي هي الآن ( تركيا – إيران – العراق – سوريا ) وهذه الدول اتبعت خلال القرن العشرين بكامله سياسة الإنكار والامحاء ضد الشعب الكردي وهذا ما نتج عنه مجازر كبيرة على أمثال ( حلبجة ) التي كانت المستوى الأعلى وأوضحها بسبب القصف الكيماوي لتلك المدينة المسالمة ، إلا انه يمكننا أيضا ذكر مجازر أخرى كمجزرة ( شرناخ – لجة – مرعش – عاموده و… ) الخ في عموم أجزاء كردستان هذا إلى جانب حملات الأنفال وإفراغ القرى في شمال كردستان بيد الجيش التركي وحكوماته المتعاقبة في وما مخيم مخمور سوى نتيجة لضرب القرى الجبلية في عموم مناطق شمال كردستان بالطائرات الحربية . فتصور كيف يفرغ الطيار حمولته بالأطنان من الصواريخ والقنابل العنقودية على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ ، وهؤلاء القرويين تحت ضرب الطائرات التجؤا إلى الجبال وبعد مسيرة طويلة وتغيير عدة أماكن بسبب الحرب الدائرة بين الأتراك والأكراد وأحيانا اشتراك كراد الجنوب لمساندة الأتراك ضد إخوانهم الشماليين ، لهذا تحت ضغط الحرب ترك اللاجئين الفقراء مخيماتهم في ( اتروش – نينوى -… ) ليستقروا في مخمور التي كانت حينها خارج سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني .
أما اليوم وكأن التاريخ يعيد نفسه بعدة أشكال أخرى سواء التاريخ القريب أو البعيد ، فلنتحدث عن البعيد أولا ففي بدايات القرن الماضي تم وضع خارطة الشرق الأوسط بدون الأكراد وأصبح الكرد بدون إرادتهم وعن طريق طبقتهم الحاكمة فقط ورقة تستخدمها القوى العالمية ضد الدول الحاكمة على كردستان وهذا ما يشهد به التاريخ رغم بعض الاختلافات الصغيرة ، فقد عانى الشعب الكردي مآسي وويلات كبيرة نتيجة اعتماده على الغربيين وعدم وجود وحدة قومية بينهم واستسلامهم للتجزئة المفروضة عليهم ، رغم أن الدول الأربعة الحاكمة على جغرافية كردستان كانت لها اجتماعاتها الدورية على مستوى وزراء الخارجية لدراسة وضع الأكراد والعمل على مواجهتهم بشكل مشترك ولكن للأسف الأكراد رغم قضيتهم العادلة والمشتركة بين كافة الأجزاء لم يتفقوا وكانت بينهم حروب وقتالات عنيفة .
لذا فان التاريخ الكردي يرى من معاهدة لوزان التي حسمت خارطة الشرق الأوسط في القرن الماضي بلاءا كبيرا وبسبب تجزئة كردستان وعدم حل قضيتهم ، بعض الكرد حين يدرسون التاريخ يذكرون معاهدة لوزان وكأنها بلية وقعت فوق رؤوس الكرد لكنهم في الوقت ذاته يذكرون البريطانيين والغرب عامة وكأنهم أصدقاء ومخلصين لهم وهذا خطأ تاريخي بسبب في السابق وسيتسبب الآن أيضا في خلق مآسي وويلات عظيمة على الشعب الكردي واليوم أيضا رغم كل التهديدات التركية وقرار البرلمان التركي بمحاربة الكرد بشكل عام وشامل ووصفهم المسئولين الكرد برؤساء العشائر والقبليين وعدم اعترافهم بالحكومة الكردية وحتى لو تحت اسم الحكومة العراقية عدم اعترافهم بالأكراد ولكن نلاحظ أن المسئولين والاعلامين التابعين لهم في الجنوب الكردستاني يصفون اردوغان بأنه ( إصلاحي ويريد الحل وإذا كان هناك احد يخلص الكرد فهو اردوغان وحكومته ولكن سبب الحرب هم العسكر التركي وحزب العمال الكردستاني ) وهذه مغالطة تاريخية ، لماذا هذا التملق لأردوغان وطلب رضاه وتوجيه السلاح الكردي الجنوبي تجاه حزب العمال في الجبال وحزب كردستاني ( عراقي على حد قول مسعود البارزاني ذاته ) في مدن الجنوب الكردستاني ولاجئي مخمور العزل من النساء والأطفال ؟ هل سيشارك الحزبين الكرديين ( الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني ) في الحرب مع تركيا ضد الشعب الكردي في شمال كردستان مرة أخرى ؟ ما هي مصلحة الشعب الكردي في هذا الأمر ؟ هل يريدون لوزان أخرى على أنفسهم وشعبهم ؟ ستكون النتيجة وخيمة على الكرد ( كل الكرد ) بشكل خاص والمنطقة عموما إذا تم تطبيق المشروع البريطاني – الأمريكي بالشكل المخطط له ( وهو الذي يفرق بين الكرد في الشمال والجنوب ) كما ذكر احد الكتاب الكرد أكراد الله وأكراد الشيطان ، وهذه مفارقة يجب أن ينتبه إليها الكرد جيدا ، أنا لا أريد أن أتوسع في موضوع الغرب هنا لكن على الكرد في عموم كردستان أن يفهموا أن تركيا دائما استخدمت سياسة ( قتل الكلب بالكلب ) حسب تعبيرهم في الانتفاضات الكردية السابقة ودائما قامت بإعدام الذين ساندوهم من الكرد في ذلك الحين ، فكيف اليوم إذا تحقق نجاح لتركيا ضد الكرد في شمال كردستان سيتركون الكرد الجنوبيين يعيشون بسلام وهم القائلين ( أي كيان كردي حتى لو كان في أفريقيا نعتبره معادي لنا وسنعمل للقضاء عليه ) .
فكيف يصدق هذان الحزبان أن تركيا ستقبل بهم بعد القضاء على ثورة الشمال بقيادة ( pkk) إذا كانت لا تقبلهم اليوم ؟ !
طبعا الموضوع متشعب وينبع من ضعف وخلل في الحقيقة الكردية المجزأة بسبب السياسات الاستعمارية ، إذا أخذنا العبرة وبعض الدروس من التاريخ علينا ملاحظة أن رغبة البعض في تكرار التاريخ الملعون لن يتحقق بسبب يقظة الشعب الكردي التي تحققت خلال العقود الماضية والشعب الكردي لن يقبل وسيتمسك بحريته ويناضل في سبيلها بأنسب الأساليب ، فالشعب الكردي مستعد اليوم للمقاومة كما للسلام والحوار وهذا ما أثبتته السنوات الماضية .
لماذا لم يتحقق السلام للكرد ؟ رغم الرغبة القوية التي أبداها الكرد في السلام وحل قضيته بشكل سلمي وديمقراطي . فالإجابة على هذا السؤال يتطلب عرض مواقف القوى ذات العلاقة ، فأولا : الدولة التركية بكافة أطرافه السياسية والعسكرية لم تقبل الحلول السلمية وماطلت سياسيا لكي لا تحل القضية الكردية والعسكر أصر على العودة إلى الحرب للقضاء على الكرد وهذا ما وافقت عليه الحكومة والبرلمان بشكل مخفي في البداية وعلني في النهاية . فبداية المرحلة كانت تسميم قائد الشعب الكردستاني ( عبد الله أوجلان ) في سجنه الانفرادي في ايمرالي .
ثانيا : الغرب وخاصة أمريكا رغم إعلان وقف إطلاق النار الأخير بشكل خاص على طلبهم لم تعمل لحل القضية الكردية ودعمت حكومة اردوغان ضد الكرد إلى جانب انه في هذه الفترة أرادت استخدام القضية الكردية لكي تسحب تركيا إلى جانبها في الحرب ضد إيران ( تلك الحرب القادمة ) .
ثالثا : خلف هذا كله يوجد بريطانيا التي تخطط وأمريكا تنفذ أو على الأقل هناك عمل مشترك وبريطانيا هي المؤثر الأول وتعمل على استخدام سياستها التاريخية ( فرق تسد ) لتتمكن من السيطرة مرة أخرى وتطبيق مخططاتهم في المنطقة ولا يهم على حساب أي شعب أو أية شعوب كانت . لذا يبقى الاتحاد الأوربي يتابع ازدواجية السياسة مع الكرد ولا يهمها غير مصالحها .
رابعا : الكرد في عموم أجزاء كردستان وخاصة في جنوب كردستان إذا لم يحققوا وحدتهم مع الكرد في الشمال والأجزاء الأخرى وإذا لم يتحقق موقف كردي موحد وفق استرايتجية دفاع قومي فان البقاء في العمل وفق سياسة الحفاظ على المصالح الشخصية والحزبية سيكون أيضا سببا رئيسيا في خسارة الكرد سواء في الشمال أو في الجنوب وسببا في توسع وانتشار الحرب التركية ضد الكرد لتصل إلى مستوى الحرب الشاملة ، أي أن ضعف الموقف الكردي مرة أخرى سيكون سببا في ضياع المصير الكردي لعشرات السنين على الأقل ، إذا صار وتحقق المشروع المعادي لحل القضية الكردية العادلة .
طبعا حركة الحرية الكردستانية بقيادة ( pkk ) مستعدة للحلول السلمية ولكنها لن تقبل الخضوع والعبودية والاستسلام وإذا تطلب الأمر ستقوم بمقاومة شاملة لكن الحلول السلمية لن تتحقق بإلقاء السلاح بدو شروط كما يطلب السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية العراقية ( الذي لا تعترف به تركيا ) وغيره من الكرد التابعيين للحزبين الكرديين .
فالسلاح الكردي فقط للدفاع عن الذات أي عن الشعب الكردي ومكتسباته في كافة الأجزاء وعلى من يدعي بأنه ( مسالم ) ويريد حل القضية الكردية سياسيا وسلميا فلطرح مشاريعه ويتم التفاوض وفقها بين الطرفيين الرئيسيين للصراع لكن التحامل على حزب العمال الكردستاني بهذا الشكل له معاني خطيرة خاصة بالنسبة للكرد .
سيكون من المهم جدا عدم وقوع الكرد في الافخاخ المنصوبة لهم ومحاربة بعضهم والأجدر هو الدفاع عن الحق الكردي وقضيته العادلة .
أمام كل هذه الأوضاع الموقف الحاسم والاهم هو موقف الشعب الكردي الذي يناضل بكل قوته لنيل حريته والحصول على حقوقه ولا يبخل بالغالي والنفيس فداء للوصول إلى حريته.
أخيرا الحرب لن تكون في صالح احد وعلى الكرد أن يبحثوا كيفية تحقيق وحدتهم بدل التفرقة التي تصبح سببا في الاقتتال الداخلي . وعلى تركيا أن تبحث عن حلول سلمية مع أصحاب القضية الأساسيين ( حزب العمال الكردستاني ) بدل اللهاث وراء أوهام المساندة الأمريكية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *