الرئيسية » مقالات » في إحداثيّات المشكلة الكرديّة في سوريا

في إحداثيّات المشكلة الكرديّة في سوريا

يحقُّ للبعضِ الأخذِ بنظريّة المؤامرة المستمرّة، التّشكيكَ في توقيت الحديثِ عن مسألة كرديّة في سوريّا “في هذا الظرف بالذّات”. فقد كانت غير ذاتَ شأنٍ يُذكر في الحقل السيّاسيّ والثّقافيّ العامْ،خلا مجالاتٍ ضيّقة ومحدودة، وفي أوساط نخبويّة تحديداً، ثم بدا وكأنَّ انقلاباً من نوع ما قد حصل في زمن قياسيّ. من حديثٍ عادي وهمسٍ منخفضِ عن المجردّين من الجنسيّة من الأكراد ومعانّاتهم الإنسانيّة والاجتماعيّة والكلامُ على بعض الحقوق الثقافيّة والقانونيّة للمواطنين الأكراد. وشعاراتٍ رائجة عن ضرورة تمتين “الجبهة” الداخليّة في مواجهة الأعداء،بـ”زجّ” جميع فئات الشّعب في المعركة المصيريّة…. إلى خطاب يقولُ بوجود شأنٍ كرديّ أو حقوقٍ كرديّة أو مشكلةٍ كرديّة، أو قضيّةٍ كرديّة، أو مسألةٍ كرديّة في سوريّا!.والتوصيفاتُ هذه جميعها، تنطبق على الحالة الكردية، برأييّ، تبعاً لزاوية النّظَر ومستوى الرؤية،والقرب والبعد: فهي شأنٌ سياسيّ و اجتماعيّ وثقافيّ، وثمّة حقوقٌ مهضومة لجماعةٍ مخصوصةٍ من المواطنين ينتمون لإثنية ـ قومية بعينها (تضاف لحقوقهم المستلبة كسائر مواطنيهم السوريين) وهي أيضاً مشكلةٌ ومصدر قلق لاستقرار النّظام السياسيّ والاجتماعيّ للدولة السوريّة لا السّلطة فحسب، الذي لا يعترف بتعدديّة أثنيّة وقوميّة، ويقولُ بالمجتمعِ العربيّ القوميّ الواحد المتجانس، وكذلك قضيّة شائكة ذات شحنة عاطفيّة وشعوريّة للقائلين بها، وأخيراً هي مسألةٌ سياسيّة وتاريخيّة، مُعقّدة ومُركّبة على مستوى المنطقة برمّتها وعابرة للحدود، كونها تخصّ قوميّة بعينها تبحثُ عن تحقّقها في شكلٍ أو معادلٍ سياسيٍ ما، يتداخل فيها التاريخي والجغرافي والسياسي والإقليمي والدولي، والواقع بالرمز والذاكرة والحاضر بالماضي، وهنا عقدة “الحلّ النهائيّ” وأسّاس المسألة التاريخية بنظري، بل وأصعب مستويّات المُقاربة أيضاً، ولَنْ أتعرضَّ لها في هذه السّطور. وإنما أقوم هنا بتقصيّ وتتبّع موقع القضيّة الكرديّة، كاحد ملّفات الوضع الداخليّ السوريّ الأكَثر إشكالاً، بين وثيقتين مفصليتين في حياة الحركة الديمقراطيّة السوريّة: الوثيقةُ التأسيسيّة للجان إحياء المجتمع المدنيّ ( 2000) وإعلانُ دمشق للتغيير الوطنيّ الديمقراطيّ(2005).
خلال سنوات ست منصرمة جرت تحوّلات مهمّة على صعيد الحراك الداخليّ السوريّ سياسيّاً وثقافيّاً ـ وإن كانت رمزيةً في جوهرها ـ، لعلنا نتذكر جميعاً النفحات الأولى لـ”ربيع دمشق” (المُجهض). مقالاتٌ صحفية ونقاشاتٌ سياسيٌة وثقافيٌة في الإعلام المكتوب “حيث لم تكن شبكةُ الانترنت قيد التّداول الواسع في سوريا كما هي اليوم”. الوثيقة التأسيسيّة للجان إحياء المجتمع المدنيّ في سوريا (أصدرها مثقفون وأكاديميون وناشطون سياسيون واجتماعيون وفنانون) كانت النصّ الأساسيّ والعنوان العريض لباكورة الحراك الديمقراطي.إذ لم تكن “وثيقة” تخصّ لجاناً قيد التأسيّس وحسبْ، بل أصبحت ومنذ إعلانها وثيقةً تعني مُجْمَل الفاعلين السياسيين والثقافيين والاجتماعيين في البلاد على اختلاف مشاربهم الحزبيّة والسياسيّة، خارج فلك السُّلطة. بمطالبها ومضمونها الجديد صاغَت الوثيقةُ تِلكَ خطاباً وطنيّاً ديمقراطيّاً للحركة الوطنيّة في سوريا، سوف تُصاغُ جميع الخطابات على هديٍ منها ويجري نسغُها التجديدي في الأوساطُ الثقافية والسياسية والفكرية والفنية في سوريا إلى سنوات عديدة، بعد أن نالها الفقر ووالتهميش والتخثّر لعقود عجاف حيث كان خطاب السلطة هو المسموع والساري لوحده في “سوريا البعث” لعقود عديدة، ناهيك عن أنها ـ أي السلطة ـ كانت اللاّعب الأوحد في الحياة العامّة لمجموع المواطنين السوريين، وأدقّ تفاصيل حياتهم.
في ما يخصّ موضوع النقاش، نستطيع القول أنه لم يكن للشأنِ الكرديّ أية أهميّة تُذكَر في خطاب تلك المرحلة كما هو اليوم، وإذا حاولنا تفسير الغياب ذاك يمكننا إرجاعه لعوامل مختلفة:
1ـ هدفت الوثيقة التأسيسيّة إلى رسم الملامح الأساسيّة للحياة العامّة في سوريا ولم تتعرّض للتفصيلات.
2 ـ غياب أي حراك سياسيّ أو ثقافيّ مدنيّ أو أهليّ في البلاد لثلاثة عقود على الأقل، يتيح للناس والمواطنين والنشطاء التعرف على بعضهم البعض لإنتاج معرفة حقيقية بالواقع.. وكان لغياب النشاط السياسيّ في البلاد،بمفعول حالة الطوارئ الشّاملة المستحكمة بالحياة العامّة والخاصّة للمواطنين،وعدم تبلور مجال سياسيّ وطنيّ مشترك على مستوى البلاد كلها و تغييب كل نشطاء الحركة السياسيّة ـ خارج السلطة ـ في السجون والمعتقلات أثراً كبيراً على هذا الصعيد…
3 ـ عدم نضج فهمٍ كافٍ لقضايا القوميّات غير العربيّة والأقليّات القوميّة في العالم العربيّ عموماً وسوريّا خصوصاً وربّما تمّ إغفال هذا الجانب نظراً لحساسيّة عرض المُشكلة واستغلال النّظام لقمع الحراك الديمقراطيّ المبتدئ لتوّه، بشدة.
4 ـ عدم اعتبار “المسألة الكرديّة في سوريا” ذات أهمية حقيقيّة في ظِّل تعقيدات الواقع الداخلي وتنوع مُشكلاته الكثيرة واعتقاد البعض بإمكان تأجيل المسألة الكرديّة لحين تحقيق الديمقراطيّة التي ستتكفل بحلّ المشكلة الكردية تلقائياً!!
5 ـ وجود آثار وترسبات فكريّة ونفسيّة لثقافة استعلائية قومية ضيّقة في أذهان نسبة غير قليلة من نشطاء الحقل الديمقراطي!
6 ـ انشغال السياسيين والمثقفين السوريين بالقضايا القوميّة العربيّة وتوجه أنظارهم وشعاراتهم صوب ما هو خارج سوريا وفي المقدمة منها قضية فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتالي عدم إيلاء الأهمية الحقيقية للقضايا الحيويّة التي تهمّ المواطن السوري، كقضايا الحريّات الفرديّة والجماعيّة وحقوق الإنسان والمواطن… ووصل الأمر لحدّ اختزال الديمقراطية ـ عند كثيرين ـ كحاجة وطنيّة وإنسانيّة ضروريّة لتنظيم الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في البلاد وكمجال لممارسة الحريّات الإنسانيّة، إلى مجرد “سلاح” لمحاربة إسرائيل والإمبريالية العالمية.
7 ـ انشداد شخصيات وقيادات عديدة من معارضة النظام إلى محاور عربيّة خارج سوريّا لم تعرف يوماً ما إلا بعدائها للحقوق الكردية. وتحديداً نظام صدام حسين “حارس البوابة الشرقية” الذي كان يخوض حرباً ضروساً وحملات تطهير عرقيّ وإبادة جماعيّة ضد الكورد هناك.
8 ـ قصور وتعثّر الحركة السياسيّة الكرديّة في بناء تفاهمات وجسور سياسيّة وثقافيّة مع قوى و نشطاء الطّيف الديمقراطي في البلاد بسبب عوامل تخصّ الحركة الكرديّة بذاتِها وواقعها التنظيميّ الهَشّ وعدم تبلور نظرة بعيدة المدى، حينها، للعمل على هذا المحور وانشغالها هي أيضاً بالقضايا القومية الكردية خارج سوريا وخاصة الساحة الكردستانية العراقيّة والتركيّة ….واقتناع أحزاب كرديّة كثيرة بإمكانيّة تحقّق بعض المطالب الكردية في ظل نظام شموليّ غير ديمقراطيّ، واتّقاء شرّ السلطة. و”عدم وجود بديل” للنظام القائم، وما ساعد على ذلك علاقة الحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق وحزب العمال الكردستانيّ (التُركي) ـ وهذا الأخير يستحقّ وقفةً خاصةً بالفعل، ليس هنا مكانها ـ بنظام دمشق وتواجد مكاتب لها في سوريا، ودورها في تكريس سياسات من هذا القبيل والترويج لها. ولا يجوز أن ننسى الدورَ الذي لعبه الحزب الشيوعي السوري بفصائله المختلفة(عدا تيّار العمل الشيوعي)،واسع الانتشار بين الأكراد لكن غير القادر على الخروج عمّا هو مرسوم له من قبل حزب البعث وأجهزة السلطة إلا فيما ندر جداً بحكم ما يسمونه “تحالفاً” مع البعث “الحاكم” في إطار “الجبهة الوطنية التقدمية”، في هذا المنحى أيضاً، رغم توتر علاقته مع التنظيمات الكردية السورية وعدم تبنّيه مطالب الأكراد في أي مرحلة من مراحل عمله السياسي (سوى مشكلة المجردين من الجنسية،بعد بروزها للعيان وافتضاح أمر مشروع الإحصاء وتكاثر ضحاياه وعدم قدرة السلطات الحاكمة نفسها الدفاع عن المشروع واعترافهم بأن خطأ “تقنياً” ما حصل في إحصاء عام 1962 و أن المشكلة في طريقها للحلّ)…..
عابَ كثيرون على الحركة الناشئة حينها ضعفها وعدم قدرتها على تحريك الشارع السوري وجذبه باتجاه ساحة الشّأن العام.. وضمن هذا المناخ المتكوّن حديثاً والمفتوح على احتمالات مختلفة وربما متناقضة،التقطت أحزاب كرديّة معدودة هذا الواقع الجديد (لم يكن للمثقفين الكرد خارج أطر الأحزاب أي دور يُذكر في حركة ربيع دمشق في البداية …..)، واتجهت صوب السّاحة المتحركة ضمن الفضاء العام المجمّد لعقود من الزمن، بخطاب وطني ديمقراطي “إصلاحي” يعتمد مفردات الطيف الديمقراطيّ عموماً، وكان للوجهة تلك معوقات (كردية) عديدة منها عدم تقبل ذلك من قبل عدد من الأحزاب الكردية التي شنت هجوماً إعلامياً عنيفاً في أوساطها وأدبياتها ورسمت لتلك الأحزاب صورة قاتمة وذهبت بعيداً في هجومها ذاك وحلّلت التقارب الكردي ـ العربي الناشئ بأنه “خدمة للنظام والأجهزة الأمنية” من أجل تشويهه .وتشاطرت في أن هناك مخططاً تلعبه المعارضة بتخطيط من النظام؟؟! المشكلة مع أصحاب هذا الرأي أنه كان ـ ولايزال ـ يتحدّث بنبرةٍ عالية واثقة من نفسها لحدّ الغرور المفرط وتذاكٍ على غيرهم ووصمهم بالجهل والجبن….والعمالة؟!
غيرَ أنّ السُّلطة الاستبدادية، بحكم طبائعها، كانت بالمرصاد لهذا الحراك السلميّ الهادئ ولم تدّخر جهوداً في ضرب الحركة الديمقراطيّة،الناهضة بالكاد، بالتهديدات والوعود المضلِّلة وإتباع أسلوب “فرِّق تسد”. فعلى سبيل المثال، كانت الأجهزة الأمنية تُشيعُ أنّ ملفّ الإحصاء قيد الحل أو أن رئيس الجمهورية ينوي مقابلة وفود كردية … إلخ وإن الاقتراب من هؤلاء الذين يدّعون الديمقراطيّة ويرفعون شعارات حقوق الإنسان (وهم بالأصل عملاء لإسرائيل وأمريكا ويعملون لصالح الإخوان المسلمين!!!…) سوف يثير النقمة عليكم فإيّاكم والفعلة هذه!وبالمقابل كانت تحذّر القوى العربيّة من التعامل مع هؤلاء الإنفصاليين الذين يريدون اقتطاع جزء من أراضي سوريا.
لكنّ اندلاع حرب العراق، وانتعاش الآمال الكردية في سوريا، بالحصول على مكاسب سياسيّة على غرار كردهم في العراق، ولدّت “وحدة حال” متناقضة في سوريا: أكراد سوريا مع أكراد العراق، عرب سوريا، والجزيرة تحديداً، مع عرب العراق ومثلثه السنيّ بتحديدٍ أدق، والحالان متناقضان تماماً. ما خلق متاعب جمّة للحركة الكرديّة في سوريّا نظراً لصعوبة التوفيق بين توجهين وانتماءين واحد سوري وآخر كردي، لا يتآلفان إلا بصعوبة و”تنازلات” من طرفي العلاقة. ومن ثمّ تفجّر “أحداث قامشلي” في 12 آذار 2004،التي هزّت سوريّا بأكملها، ما أدّى إلى كشف إحدى أكثر البؤر توتراً وغلياناً في سوريا، والتفكير الجدّي بتناول آخر للمشكلة الكردية من قبل النشطاء والمثقفين في سوريا. جملة العوامل هذه نقلت المسألة الكرديّة إلى مستوى جديد في خطاب الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة السوريّة، و”تطبيع” الأكراد (على غرار تطبيع الإخوان المسلمين كما يكتب باحثّ سوري معروف) سياسيّاً، في صُلب الأجندة الوطنيّة السوريّة العامّة. لكنه، “تطبيع” قلق وغير راسخ ويقتضي كلاماً مفصّلاً في سياقٍ متصل.

(*) كاتب كردي من سوريا. باحث في الشؤون الكردية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *