الرئيسية » مقالات » ماذا يمكننا ، نحن العراقيين ، أن نستفيد من التجربة الديمقراطية السويدية؟

ماذا يمكننا ، نحن العراقيين ، أن نستفيد من التجربة الديمقراطية السويدية؟

في حوالي عام 1000 توحدت السويد من مجموعة من المقاطعات، وفي عام 1250 تأسست مدينة ستوكهولم، واتخذ هذا الأسم عام 1252، وأصبح مركزا سياسيا وتجاريا في القرن السابع عشر. ويتكون أرخبيل المدينة من أربعة وعشرين ألف جزيرة، حوالي 1181 هكتارا من مساحة المدينة ماء بينما 3535 هكتارا يابسة، وبذلك تعتبر ستوكهولم من المدن الجميلة جدا في العالم.

مساحة السويد 449964 كليومتر مربع، ونفوسها حوالي تسعة ملايين نسمة. في عام 1397 دخلت السويد في إتحاد مع الدانمارك والنرويج، وحل هذا الإتحاد عام 1523 بعد أن سيطر كوستاف أريكسون فاسا على الحكم وأصبح ملكا على السويد. ولازالت السويد مملكة مستقلة، حيث الملكية وراثية ضمن عائلة كوستاف فاسا. ولكن لابد من التأكيد أن الديمقراطية السويدية منذ القرن العشرين مبنية على أساس عدم تدخل الملك في الحكم، فالملك لايحكم ولا يملك السلطة ولا يحق له التدخل في السياسة، كما لايجوز له الدعاية لحزب سياسي معين في الانتخابات، إنما يمثل فقط رمز الدولة.

المملكة السويدية دولة ملكية ديمقراطية منذ عام 1911 حيث كان لكل رجل سويدي، دون المرأة، حق التصويت في الانتخابات. وفي عام 1921 أصبحت للمرأة أيضا حق التصويت، وأصبح هذا الحق قانونا ملزما على أساس المساواة بدون تمييز بين الرجل والمرأة عام 1945. وفي عام 1976 أصبح للأجنبي المقيم في السويد لمدة ثلاث سنين، وهو غير متجنس بالجنسية السويدية، حق التصويت في الانتخابات البلدية والتنظيم النيابي للمحافظة، كما أصبح للأجنبي المتجنس بالجنسية السويدية حق المشاركة والترشيح في الانتخابات البرلمانية إضافة إلى الانتخابات المحلية المذكورة. حيث نجد اليوم مواطنين سويديين من أصول أجنبية، ومنها بلدان العالم الثالث أعضاء في البرلمان السويدي.

كانت تجري الانتخابات البرلمانية والبلدية والتنظيم النيابي للمحافظة في السويد كل ثلاثة أعوام، ثم تغير القانون وأصبحت الإنتخابات كل أربعة أعوام اعتبارا من عام 2002. وجرت الانتخابات الأخيرة في سبتمبر عام 2006، حيث فازت الكتلة اليمينية في الانتخابات البرلمانية، وتتكون من أربعة أحزاب وهي:
حزب المحافظين (يقف إلى اليمين من الكتلة الحاكمة). حصل على 97 مقعدا في البرلمان.
حزب الوسط (يمثل بشكل رئيسي الفلاحين). حصل على 29 مقعدا.
حزب الشعب الليبرالي (حزب لبرالي يدعو إلى المسؤولية الفردية والاجتماعية، له موقف إيجابي من الأجانب). حصل على28 مقعدا في البرلمان.
الحزب الديمقراطي المسيحي. ( ينبغي الأشارة إلى أن هذا الحزب ليس مذهبيا أو طائفيا ولا يدعو إلى حكم الدين ولا إلى ربط الدين بالدولة، إنما يعمل من أجل تسهيل فهم الأفكار المبنية على الأخلاق النصرانية، ويؤيد الديمقراطية المبنية على النظرة النصرانية للإنسان بعيدا عن التعصب الديني. حصل هذا الحزب على 24 مقعدا.

وتوجد في البرلمان أحزاب سويدية أخرى، وتشكل عادة التكتل اليساري أو الاشتراكي نسبيا وهي:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي، المعروف بــ (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) وهو حزب يساري نسبيا ويعتبر من أكبر الاحزاب السويدية. حصل على 130 مقعدا في البرلمان.
حزب اليسار السويدي المبني على الأفكار الماركسية المعروفة بـ “يورو كومونيسم” المستقلة عن التوجه السوفيتي القديم أو الماوي الصيني القديم. وهذا الحزب له موقف إيجابي جدا من الأجانب في السويد. حصل على 22 مقعدا.
حزب البيئة. يدافع عن البيئة وهو أقرب إلى اليسار الديمقراطي الاجتماعي. حصل على 19 مقعدا.
وعليه توجد في البرلمان سبعة أحزاب سويدية، لكن الكتلة اليمينية المكونة من الأحزاب الأربعة الأولى مجنمعة تشكل الأغلبية بفارق سبعة مقاعد فقط، مما أمكنها أن تشكل الحكومة.

يتكون البرلمان السويدي من 349 مقعدا، رئيس الحكومة الحالية هو مسؤول حزب المحافظين، وهو الاقتصادي فردريك راينفلد من مواليد عام 1965. يملك التكتل الحاكم 178 مقعدا والتكتل المعارض 171 مقعدا. يبقى في الحكم أربع سنين بين 2006-2010، حيث تجري الانتخابات الجديدة في 19 سبتمبر عام 2010. وتمثل النساء 47 بالمئة من أعضاء البرلمان الحالي.
من الجدير بالذكر أن التكتل اليساري كان يحكم في الأعوام الأربعة الماضية بين 2002-2006. وهكذا نجد أن السلطة ليست حكرا على تكتل معين أو حزب معين إنما الشعب هو الذي يختار ممثلية، وتتغير الوجوه وتتغير المقاعد ويتغير مركز الأحزاب ودورها طبقا للسياسة المتبعة. السيادة للشعب ولحكم دولة القانون، وليست للحزب أو العشيرة أو الفرد أو الدين.

من الجدير بالذكر أنه توجد أحزاب سويدية أخرى في الساحة السياسية، ولكنها صغيرة، حيث حصلت مجتمعة على 5.67 بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، دون أن يستطيع أي منها منفردا أن يدخل البرلمان، ولكن بعضها تمكنت أن تدخل المجالس البلدية والمجالس النيابية للمحافظات، وهذه الأحزاب هي:
حزب حركة المساواة بين الجنسين (يدعو الى المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس والعمر والحالة الاجتماعية واللون والعرق أو الانتماء القومي).
حزب قائمة يونيو (يؤمن بأن الديمقراطية تأتي من القاعدة وذلك من خلال مساهمة المواطنين الفعالة في صنع القرار).
حزب العناية الصحية (لايساري ولا يميني سياسيا، إنما يعتبر العناية الصحية أهم عامل من عوامل الرفاهية في المجتمع).
حزب المهتمين بالمتقاعدين
حزب الديمقراطيين السويدي (أكثر الاحزاب تطرفا تجاه الأجانب، وتدعو إلى وضع قيود على هجرة الأجانب إلى السويد).

بعض القواعد الأساسية للديمقراطية في المحك العملي

كل مواطن ذكرا كان أو أنثى له حق التصويت في الانتخابات البرلمانية والبلدية والنيابية للمحافظة، والهدف من الانتخابات، من وجهة نظر القانون، هو أن يستطيع المواطن التأثير على السياسة والحكام.
القواعد الأساسية للديمقراطية طبقا للدستور، وفي الممارسة العملية أيضا وليس مجرد على الورق، هي العلاقات بين صانعي القرارات ومنفذيها. والحرية وحقوق المواطنين وواجباتهم مضمونة دستوريا ومن قبل الحكومة أيضا في الممارسة. ومن هذه الحقوق والضمانات، على سبيل المثال وليس الحصر، حق المواطن الحصول على المعلومات من الأجهزة الحكومية، والحق في المظاهرات وتشكيل الاحزاب السياسية وحرية الدين والعقيدة. وتشكل حرية الصحافة العمود الفقري في الحريات والحقوق، واعتبار المجتمع السويدي مجتمعا مفتوحا إلى درجة إعطاء الحرية للمواطن بالحصول على المعلومات من البرلمان والحكومة والمجالس الحاكمة الأخرى. وللمواطن الحق أيضا في الاطلاع على القضايا العامة والاستفادة منها إذا أراد ذلك. الاستثناء فقط يشمل الأسرار التي تخص أمن الدولة. وما عدا ذلك فإن بعض مناقشات جلسات البرلمان تعرض على التلفاز ليتمكن المواطنون الاطلاع عليها. يدعو القانون بضرورة مساهمة المواطن في صنع القرار من خلال المنظمة السويدية التي ينتمي إليها، لأن الحكم ليس حكرا على السياسيين القابضين على السلطة. ففي حالة إتخاذ الحكومة قرارات مهمة تتشاور مع أحزاب المعارضة لإيجاد قواسم مشتركة لمصلحة البلاد، وذلك يعني أن أحزاب المعارضة تساهم عمليا في صنع القرار السياسي مع الائتلاف الحاكم. إذا ما خرج عضو البرلمان من حزبه فإنه يبقى عضوا في البرلمان إلى انتهاء فترة عضويته دون أن يحق لحزبه طرده من البرلمان.

السياسة التعليمية مبنية على الأسس الديمقراطية، وتربية التلاميذ على الممارسة الديمقراطية، ولا سيما النقد العقلاني، من المرحلة الابتدائية إلى المراحل الأكاديمية. ولا يحق للأستاذ أو المعلم قانونا أن يوجه التلاميذ توجيها سياسيا لحزب معين أو عقيدة معينة أو شخص معين. عبادة الشخصية ومدح قائد معين أو تفضيل شخص معين على شخص آخر ممنوع في الأوساط التعليمية، لأنه ينبغي للتلميذ أن يقرر بنفسه من خلال النقد والممارسة الديمقراطية أن يختار التوجه السياسي الذي يريده بعيدا عن الضغط، حتى يتعلم الحوار والاختيار عن قناعة. الدين مادة رسمية يُدَرس في المدارس من الناحية العلمية، حيث يدخل في مادة الدين جميع الديانات المعروفة دون طعن أو دعاية لديانة معينة، وهي اليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية إضافة إلى الدين الإسلامي بكل حياد وموضوعية.

لا أحد يفلت من مساءلة القانون حتى الملك ورئيس الوزراء

أورد هنا بعض الأمثلة الحية من التجربة الديمقراطية في السويد، حيث يطبق القانون على الجميع من الملك ورئيس الوزراء إلى الفلاح والعامل والطالب. حادثة مع رئيس وزراء السويد السابق، السيد يوران برشون عام 2006. تعرض لمساءلة قانونية وتعرض للنقد في الصحافة علنا، وأصبح حديث القيل والقال، لأنه بنى دارا من أمواله الخاصة، وليست من أموال الدولة ياسادة، نعم من أمواله الخاصة، ولكن بدون أن يأخذ موافقة من مؤسسة حماية البيئة، واتخذت الأجراءات القانونية بحقه. قضية بسيطة لايقبلها القانون، لأن داره تؤثر على منظر المنطقة، ولأنه بناها دون أن يحصل على موافقة رسمية مسبقا. رئيس الوزراء لم ينجو من هذه المساءلة القانونية التي تعتبر بسيطة في بلداننا.

قضية أخرى لرئيس الوزراء السابق يوران برشون الذي ترك رئاسة الوزراء لخلفه الذي فاز في الانتخابات الأخيرة في سبتمبر عام 2006. أنه ظهر مع عائلته في الصحافة السويدية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 معبرين عن فرحتهم لحصولهم على شقة إيجار في مدينة ستوكهولم العاصمة. لم يصبح السيد رئيس الوزراء السابق مليونيرا ولا تاجرا ليشتري القصور بأموال الشعب في فترة حكمه بين 2002-2006، بل كان موظفا إنتهت فترة إدارته في الانتخابات الديمقراطية الأخيرة، فلم يطلب النجدة من دولة أخرى لتدخل بقواتها العاصمة لإنقاذ عرشه، بل تركها مسرورا لمن إختاره الشعب من بعده. وهذا الذي جاء بعده يتركه لمن ينتخبه الشعب من جديد. فكرسي الرئاسة في الدول الديمقراطية ككرسي الحلاق، يناوب مَن يأتي دوره. والرئاسة ليست أبدية، ولا مقدسة، ولا بطرياركية. الرئاسة للشعب وحده، والشعب يقرر مَن يريد كل أربع سنين، وهو أيضا يحاسب الحاكم إذا إختفى أموال الشعب من الميزانية.

مثال آخر لكي نتعلم الديمقراطية من بين آلاف الأمثلة: جلالة ملك السويد، ساق سيارته الخاصة بسرعة تجاوزت السرعة المحددة في الشارع، فأوقفه البوليس وتعرض للمساءلة، ونشرت الصحف السويدية القضية لأن جلالة الملك خرق القانون. ودفع الملك الغرامة كأي مواطن آخر، بعد أن تعرض لنقد شديد في الصحافة السويدية الحرة. هذه هي الديمقراطية.

قد يتساءل البعض، أنه من الخطأ مقارنة السويد بالعراق أو بأقليم كردستان. أستغفر الله أعني العراق الفيدرالي الديمقراطي. من الشمال إلى الجنوب، مرورا بالوسط. ولكن الجواب على هذا التساءل أن الديمقراطية هي الديمقراطية بغض النظر عن المكان. الديمقراطية ممارسة وهو شيء عقلاني في النهاية، وتعني “سيادة الشعب”، ومَن يفهم الديمقراطية بأنها هبة من السلطان، فليقرأ على الديمقراطية السلام، فأبناء الشعب ليسوا خرفانا يقودهم الراعي بالعصا والمزمار. فإما أن يكون الفرد مواطنا أو لا يكون مواطنا، وإما ان يكون المواطن حرا أو فردا عبدا مجردا من حقوق المواطنة، ومَن لم يفهم هذا الأمر من التاريخ فهو غبي لاعلاج له.


لا أحد فوق القانون في النظام الديمقراطي ودولة القانون

نشرت الصحف السويدية قبل بضعة سنين أن البوليس ساق رئيس الوزراء السويدي الأسبق فلدين الذي كان رئيسا لحزب الوسط آنذاك، إلى التحقيق بعد أن وجدوا إسمه في قائمة شخص مشبوه. وبعد التحقيق ظهر أن الشخص كان معجبا برئيس الوزراء فكتب اسمه في قائمة تحتوي على اسماء بعض الأشخاص.

أما رئيس وزراء السويد الحالي فردريك راينفلد الذي فاز في الانتخابات الأخيرة عام 2006 ، وهو في نفس الوقت رئيس حزب المحافظين، ثاني أكبر الأحزاب السويدية، ويمثل كبرى الشركات والمصانع السويدية، تعرض للمحاسبة كما نشرتها الصحف السويدية التي هي أعلى وأكبر من الرئيس، أنه عين فتاة أجنبية، لاتملك إجازة العمل، للاعتناء بطفله في البيت أثناء غيابه مع عائلته في زيارة أو في حفلة أو ماشابه. كيف يمكن تعيين شخص بدون إجازة عمل. لا يحق لأي مواطن حتى وإن كان رئيسا للوزراء. ألا يعرف رئيس الوزراء أنه ليس فوق القانون؟ إذن يجب أن يتحمل المسؤولية، وفصلت الفتاة من العمل، ودفع رئيس الوزراء الحالي الثمن طبقا للقانون.

هكذا تكون الديمقراطية

يمكن للمواطن في السويد أن يصوت أو لا يصوت، فلا أحد يجبره، لكن النظام يشجع المواطن أن يشارك في الانتخابات لكي يستطيع أن يؤثر على السياسة ويثبت وجوده. أما إذا لم يرغب المشاركة فلا أحد يجبره. يمكن للمواطن أن يصوت لحزب سياسي معين، أو يختار أسم في قائمة حزب معين ليصوت له أو يصوت لشخص مستقل. ويمكن أيضا أن يصوت لحزب في الانتخابات البرلمانية ولحزب آخر في الانتخابات البلدية ولحزب ثالث في انتخابات التنظيم النيابي للمحافظة. وطبيعي تكون هذه الانتخابات في نفس اليوم، وينبغي أن يصوت المواطن في دائرته الانتخابية، حيث يحمل ورقته، ويتوجه إلى الدائرة لتدقق اللجنة المشرفة فيما إذا يوجد إسم الشخص في قائمة الناخبين أو لا.

لاتوجد رقابة بوليسية ولا دوائر مخابرات تدافع عن السلطان أو تهدد بالويل والوعيد لمن لايصوت لفلان. الدولة توفر كافة المستلزمات للأحزاب السياسية، حيث يستلم جميع الأحزاب مساعدات محددة للدعاية الانتخابية في حدود القانون. كل حزب وكل شخص يستطيع أن يروج لقائمته وينقد برامج الأحزاب الأخرى في إطار احترام القانون بعيدا عن المهاترات. يستطيع ان ينقد رئيس الوزراء وبرنامجه بحرية، ويستطيع أن يقوم بالدعاية للحزب المعارض دون أن يحاسبه أحد. الكل سواسية أمام القانون.

مئات الآلاف من كتيبات الدعاية والتقارير التي تخص سياسة الأحزاب أو توجهات الفرد المرشح يجدها الناخب في مكاتب الدعاية الانتخابية المنتشرة في كل مكان باللغة السويدية وبعشرات اللغات الأجنبية لمن لايجيد اللغة السويدية. وهذه البرامج تتضمن شرح سياسة الحزب المرشح للانتخابات في مجالات التربية والصحة والأطفال وحقوق المواطنين والمرأة والتعليم ودور الحضانة والكمارك والمواصلات والشؤون الاجتماعية والمياه والبيئة والكهرباء والطبيعة والغابات والخ. كما تقيم ندوات وسمينارات للجماهير عن سياسة الأحزاب وما يمكن أن يقدمه هذا الحزب أو ذاك للشعب إذا فاز في الانتخابات. كما يجد الناخب كيف أن الوزراء والقادة يقفون في الساحات والحدائق وهم يقومون بالنشاط الانتخابي، ويتحدثون مع الناس البسطاء لأقناعهم بالحجة وبعقلانية وبهدوء في أن يصوتوا لهم أو لحزبهم. لا سلاح ولا تهديد ولا قتل ولا سجن لمن ينقد المرشح في الدعاية الانتخابية. الكل يسمع هذا أو هذه، ثم يذهب ليسمع منافسه على بعد بضعة أمتار. حياة لها رونق وجمال ومسؤولية. وإذا فكرتَ مَن يحمي هذا المسؤول الكبير، فإنك تجد الجواب عندك، أن الشعب يحميه لأنه من الشعب وإلى الشعب. لا يحتاج الشعب أن يخاف من الأمير بل يحتاج الأمير أن يحبه الشعب.

في الأيام الأخيرة من الانتخابات يلتقي رؤساء الأحزاب السبعة الكبرى للحوار والنقاش والمناقشة على شاشات التلفاز وملايين المواطنين ينظرون إليهم ويسمعونهم. يتحدثون عن برامجهم الانتخابية وينقدون بعضهم بعضا، ويقَيِمون سياسات أحزاب بعضهم البعض بحرية وشفافية ومسؤولية. مسؤول الحزب الصغير ينقد رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء يدافع عن نفسه. ثم يسأل بعضهم بعضا أسئلة محرجة ليبين للناخب زلات وأخطاء هذا الحزب أو ذاك. وطبيعي الوقت محدد لكل زعيم حزب يشارك في هذا الحوار الذي يبث مباشرة على الشاشة. فلا يتحدث أي شخص وقتا أطول من الآخر، حيث أجهزة كهربائية دقيقة تحسب كل ثانية ودقيقة. وهناك شخص يدير الحوار بدقة متناهية دون أن يميز بين هذا أو ذاك. ودون أن يستخدم الألقاب مثل سيادة القائد أو سعادة الوزير، بل يتحدث معه ويوقفه إذا خرج عن النظام مناديا باسمه مجردا من الألقاب. وهنا يأخذ الناخب فكرة عن كل حزب، وممارسات كل حزب، ليتخذ موقفا مقنعا، يقتنع به هو نفسه بعيدا عن التهديدات، لكي يصوت لمن يريد. وإذا لم يكن مقتنعا بأي برنامج فإنه يفضل البقاء في بيته أو يذهب للراحة في مكان أو إلى بلد للسياحة دون أن يمنعه أحد.

في الحملة الانتخابية لا يجوز لملك السويد أن يقوم بدعاية لأي حزب سياسي أو مرشح معين، وليس له الحق أن يساهم في النشاط الإنتخابي لجهة معينة كما ذكرنا حتى لا يأثر على حزب دون آخر. لا يمكن تقديم الانتخابات ولا تأخيرها. كل شيء واضح وجلي. المثل السويدي معروف لدى الجميع، يقول المثل “حتى الملك لايتخلص من دفع الضرائب”. فلو طبقنا هذه المعادلة على قادة بلداننا لما بقي في بلداننا فقير لأن الأموال تكفي للجميع، ولكننا لا نعرف أين تذهب هذه الأموال؟ فإذا لم تصفق للسلطان فستعيش فقيرا ذليلا وتموت حقيرا.

تجارب عشتها شخصيا في بداية حياتي في السويد

تذكرني الأحداث بمقولة الفيلسوف الأغريقي سقراط حين قال “عاقل بين المجانين أو مجنون بين العقلاء”. ماذا شعرت في خضم حياة جديدة أعيشها في بلد غريب وقد جئت من بلد عزيز عليَّ وهو العراق الذي يمثل اليوم مجتمع تحت التخلف في ظل الاحتلال الأمريكي.
كنت واقفا في صف طويل أمام حانوت صغير في محطة القطار أنتظر أن يأتي دوري لكي أشتري لي قطعة شكولاته، فإذا بي أجد رئيس أحد أكبر الأحزاب السويدية يقف خلفي ينتظر أيضا كأي مواطن آخر ليأتي دوره ويشتري له ما كان ينوي أن يشتريه. نظرتُ ورائي ونظرت أمامي ونظرت خلفي فلم أجد حارسا يحرسه ولم أجد مسلحا يحميه. نظرت إلى الشخص وكأنني في غيبوبة، كيف أن هذا القائد الذي له مسؤولية كبيرة في البرلمان والحكومة يقف ورائي ينتظر دوره كأي شخص آخر دون أن يفكر هذا القائد ولو لحظة واحدة أن له حقوقا أكثر من الآخرين، لأن القانون لا يعطيه أكثر من أي مواطن آخر على عكس ما يحدث في بلدي الحبيب الذي تركته هربا من الظلم والطغيان والفساد والاستغلال.

تجربة أخرى عشتها حين وجدت أن ابني الصغير تعرض لضيق في التنفس ونحن نعيش في قرية بعيدة عن المدينة، فاتصلنا بالاسعاف فإذا بعد بضعة دقائق هبطت طائرة هليكوبتر قرب الدار لينزل منها طبيب يفحص ابني ثم يداويه وينصح أن كل شىء على مايرام. لم أدفع له مالا ولا أملك قوة أو سلطة في الدولة، ولكنني مواطن أشعر بالاعتزاز لمواطنة وأنا عضو كامل النمو في المجتمع، لي حقوق ولي واجبات. ويجب أن أكون وفيا لهذا البلد في الغربة، مع أنني أحب وطني العراق أكثر من أي بلد آخر. ولكنني تركته بحثا عن الأمان، تركته هربا من الظالمين. قلت في نفسي، وأنا في هذه الغربة أنا مواطن سويدي أعيش في الغربة، ولست ابن الرئس ولا أبي ولا أخي ولا ولا من اصحاب الملايين ولا ممن لهم صولجان وتيجان يجد نفسه مواطنا لابد له أن يحب هذا البلد أكثر من الذين يحكمون بلدي المحتل بالحديد والنار. لابد من النضال السلمي بالقلم والفكر، لا بالإرهاب، من أجل الديمقراطية في وطني المحتل بأكثر من احتلال داخلي وخارجي حتى نشعر أيضا بالانسانية الحقة والمساواة أمام القانون.

تجربة ثالثة، وأنا في العاصمة ستوكهولم وإذا بي أجد ملك السويد يمشي وبرفقته سيدة ورجلا ن. لم أجد دبابات تحميه ولا مدرعات تطوق المكان، ولا مسلحين يقطعون الطرق، ولا دوريات ولا ولا. استغربتُ فتقدمت نحو فتاة شقراء هيفاء وسألتها باستحياء وكأنني أعيش في بلد لا افهم ما يحدث حولي. سألتها: أليس هذا هو ملكنا. ابتسمت وقالت نعم. قلت ولكن أين حراسه، ومَن يحميه. قالت بثقة، هل أنت من الشرق الأوسط؟ قلت نعم. ابتسمت وقالت عرفت ذلك. ثم قالت، أنت تحرسه وأنا أحرسه. قلت مرتبكا، أنا لا أحرسه ولا أملك سلاحا ولم يكلفني أحد في حراسته. قالت الفتاة وهي تنظر إليَّ نظرة عطف وحنان وكأنها تشعر ما أعانيه من هموم في داخلي لما يحدث في بلدي العراق من الشمال إلى الجنوب من معاناة، وديمقراطية كاريكاتيرية، وفي قلبي تتفجر آلاف القنابل. قالت: إنه ملكنا ونحن نحبه، وكل الذين تجدهم حولك يحرسونه في قلوبهم، وأنت أيضا تحرسه بقلبك وجوارحك. لا عليك فلا أحد يريد أن يقتله. لا احد. نعم لا أحد.

إنها كانت بداية حياتي في السويد دون أن تكون لي تجربة في الديمقراطية. لعنت السياسة وقلت، وأنا اعاهد نفسي أن لا اصفق أبدا لزعيم كردي او عربي إذا لم يكن صادقا مع الشعب. لا لن أصفق له. بل أصفق للديمقراطية الحقة بعيدا عن التزييف والشعارات الكاذبة، وسحقا لولاء يُباع ويُشترى. وسحقا لعبادة السلطان وتبا للذين يعبدون السلاطين. فلا ولاء للعشيرة ولا لأب العشيرة ولا لإبن العشيرة ولا للتيجان والدينار والدولار، ولا ولاء للقومية المتعفنة التي تُستَغل من قبل السلطان لقتل الأبرياء.
لا عبادة إلاّ لله الواحد القهّار، نعم للرحمن الرحيم لا للسلطان الجائر.
ولاءنا للعراق الديمقراطي الموحد بعيدا عن التقسيم والتجزءة.

* د. خالد يونس خالد / كاتب وباحث عراقي- السويد
Khalid_k2009@yahoo.se

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *