الرئيسية » شخصيات كوردية » في الذكرى الـ23 على رحيله ..سيداي جكرخوين في الميزان النقدي.. كردياً

في الذكرى الـ23 على رحيله ..سيداي جكرخوين في الميزان النقدي.. كردياً

يعيش الكورد هذه الأيام ذكرى رحيل شاعرهم الكبير سيداي جكرخوين ( 1903-1984) الذي وافته المنية في ديار الغربة( السويد) بعد رحلة طويلة وشاقة في عالمي الأدب والسياسة ، علماً أن العالمين عنده متلازمان غير منفصلين؛ فقد سخر أدبه ( وكذلك حياته ) لمناصرة حقوق شعبه على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية ، وكان يرى أن إزالة العوائق الداخلية هي الخطوة الأولى والأهم نحو تحقيق تلك الأمنيات، ومن هنا حمّل شعره مهمة تعرية شرائح معينة من المجتمع كالإقطاعيين والآغاوات والبكوات والبرجوازيين الذين كان يرى أنهم يغلبون مصالحهم الذاتية على المصلحة العامة للشعب الكوردي ، وكذلك فضح أساليب رجال الدين حيث كان يرى أنهم يعملون على تجهيل المجتمع ليحتفظوا بسلطتهم الدينية والاجتماعية، إضافة إلى دعوته الدؤوبة لتحرير المرأة وغيرذلك .

إذا كان الكورد لا يختلفون كثيرا حول شعر جكرخوين موضوعاتيا ، فإن الخلاف جلي حوله فنيا . فمنهم من يوازيه بكبار الشعراء العرب وغير العرب، ومنهم( وهم قلة ) من يرى أن معظم ما كتبه جكرخوين لا يعدو كونه نظماً لا شعراً، ويدعو –بالتالي- إلى محو تلك التجربة من الذاكرة الأدبية الكوردية . سأفترض بداية – ومن باب حسن النية – أن أولئك الذين يقللون من القيمة الفنية للقصيدة الجكرخوينية قد قرؤوا تلك القصيدة كاملة والتي احتوتها الدواوين الثمانية التي تركها لنا الشاعر ، وأنهم لايعتمدون -في حكمهم- على القصائد المغناة منها فقط والتي كان للفنان الكبير شفان برور نصيب الأسد من تلحينها وغنائها . وبداية ثانية،أود أن ألفت النظر إلى أن أية مقاربة نقدية للعوالم الشعرية عند جكرخوين – وقبل إطلاق أي حكم خاص بتجربته الشعرية – تقتضي وضع الأسس التالية في الاعتبار :

1-إن المنظار النقدي الذي يُرى من خلاله النص ليس واحداً في كل الأزمنة والأمكنة ، بل هو متغير دائماً و الحكم من خلاله يبقى نسبياً دائما كذلك ؛ فعلى سبيل المثال كان النقد العربي القديم يرى أن قول الشاعر :

إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

أجمل ما قيل في الغزل ، أما الآن فإذا قيل مثل هذا الكلام وادّعى صاحبه أنه من الشعر فستضحك من جهله الأمم دون شك . وفي هذا السياق يجدر القول إن نظريات نقدية كثيرة قد ظهرت إلى الوجود منذ بدايات القرن الماضي ابتداءً بنظرية الشكلانيين الروس ومروراً بالنقدين الماركسي والبنيوي وغيرهما وانتهاءً بالنقد ما بعد البنيوي، وكل من تلك النظريات ترى شعرية النص من زاوية مختلفة؛ فالنقد الماركسي – مثلاً- يركز على الجانب الموضوعاتي ويرى أن النص الذي لا يناصر قضايا الطبقة الكادحة ليس أدباً ( من هذه الزاوية يُعدُّ شعر جكرخوين أدباً من الدرجة الرفيعة )، بينما لا يهتم النقد البنيوي إلا بالجانب البنائي والتركيبي للنص, أما النقد التكويني فقد مزج بين الأمرين . إذاً, لا توجد مسطرة نقدية ثابتة ودائمة يتوجب قياس شعرية النص بها وعليها : إذا وافقها فهو مبارك وإن لم يوافقها فهو مبتذل من عمل الشيطان!!.بل ربما نجد قصيدة تتربع على قمة الشعرية حسب منهج نقدي ما،ثم تصاب بفشل ذريع على محك منهج نقدي آخر . ويبدو أن أولئك الذين ينتقصون من القيمة الشعرية لقصيدة جكرخوين قد اطلعوا على القليل من ذلك الشعر وعلى القليل من النقد الحديث فقط ، وما يقيس القليلَ على القليل لا يقاس عليه .

2- من الإجحاف بمكان إخضاع التجربة الشعرية لجكرخوين لمقولات رولان بارت وجيرار جينيت وجوليا كرستيفا وتزفيتان تودوروف وغيرهم ، لأننا بذلك نلوم الشاعر على أنه لم يكتب شعراً يتوافق مع كل المناهج النقدية السابقة عليه والمعاصرة له واللاحقة عليه،ولو كان هذا الإجراء صحيحاً ومعياراً لقياس شعرية النص –فعلاً- لتوجّب على كل الشعوب أن ترمي بجلّ تراثها الشعري في سلة المهملات لأنه – ببساطة- لا يوائم متطلبات الشعرية الحديثة، بل وعلى الأجيال اللاحقة أن تنسف- بعد مئة سنة من الآن- تجارب الشعراء الحداثيين ( الذين يعدون أنفسهم آلهةً لا يمكن المساس بها اليوم ) ، لأن المعايير الفنية والجمالية والقيمية سوف تتغير آنئذ وستختلف عما هي عليه اليوم،كما هي مختلفة اليوم عما كانت عليه في السابق.

3-التهمة الكبرى التي توجه إلى القصيدة الجكرخوينية هو افتقارها أحياناً إلى المخيلة الشعرية بما تحويه من صور واستعارات وانزياحات …. أقول في هذا السياق إن شعرية النص ليست دائماً بما يحتويه من أخيلة ؛ بل تتحقق أحياناً(هذه الشعرية) من خلال الرؤية الكلية لذلك النص ، وليس من خلال احتواء بعض الأبيات على بعض الصور ، وأود الإشارة هنا إلى قصيدة الشاعر الكبير نزار قباني الذي لا يُختلف على شاعريته ، فهو من الذين يكتبون نصاً بسيطاً وبلغة أقرب ما تكون إلى المتداولة في الكثير من الأحيان، ولكنه في النهاية يقدم نصاً ممتعاً ومختلفاً وهذا هو المهم ، لأن هناك الكثير من النصوص التي تعج بالخيال ولا تحدث أثراً عند المتلقي. ويمكن سوق عشرات الأمثلة على شعرية البساطة والبساطة الشعرية عند نزار قباني غير أن المقام لا يسمح إلابذكر المقطع التالي :

من قصيدة(رسالة إلى رجل ما )

معذرة يا سيدي

إذا تطاولتُ على مملكة الرجال

فالأدب الكبير- طبعاً – أدب الرجال

والحب كان دائماً

من حصة الرجال

والجنس كان دائماً

مخدّراً يباع للرجال

فلماذا تُعدُّ هذه البساطة اللغوية أسلوباً مميزاً لنزار قباني ومأخذاً على جكرخوين ؟! ،وأتساءل- تالياً- كم نزاراً بمقدوره أن يكتب على غرار كتابة قباني رغم بساطتها اللغوية؟ ، وتمثيلاً لهذه الحالة الشعرية يمكن الإشارة -أيضاً- إلى قصائد كثيرة لشعراء كبار( يُعجبون- بالتأكيد- منتقدي جكرخوين ) أمثال :أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعبدالوهاب البياتي ، يقول الأخير مثلاً :

شغلتنا في مقاهي الشرق حرب الكلمات

والأكاذيب

وفرسان الهواء

شغلتنا الترّهات

أين الشعرية والخيال ( حسب مفهوم هؤلاء) في هذا المقطع ؟ أم أن البياتي أيضاً ليس شاعراً ؟!. ولا أريد التذكير هنا بقصيدة محمود درويش : أحن إلى خبز أمي / و قهوة أمي .

خلاصة القول –هنا- أن جكرخوين يقدم نصاً ممتعاً وإن خلا أحياناً من الأخيلة ، محققاً جمالية النص الكلي وليس جمالية العبارة وهو في ذلك ليس الوحيد من بين الشعراء .

4- إن مقاربة أي موضوع ( سواء أكان أدبياً أم غير أدبي ) تتطلب وضع ذلك الموضوع في سياقاته المختلفة: الأدبية والاجتماعية والثقافية والفكرية، حتى تكون الرؤية شاملة والحكم أقرب إلى الصواب . فقد خرج جكرخوين من عباءة مجتمع كوردي كان يرفل بالجهل والتخلف ، وكانت نسبة الأمية فيه تتجاوز 80 بالمئة ممن يقرؤون بالعربية أو التركية ، أما نسبة من كان بمقدورهم أن يفكّوا الحروف الكردية فلا تكاد تُذكر ، وبالتالي لم تكن هناك قاعدة ثقافية مجتمعية واسعة يمكن لها أن تُخرج شعراء وروائيين وفنانين ومفكرين أفذاذاً على نطاق واسع كما يحدث في المجتمعات عادة ، والدليل على ذلك أن الشعراء الكورد الذين أفرزتهم تلك البيئة المتخلفة يُعَدّون على الأصابع وكان أبرزهم شاعرنا الكبير جكرخوين . يضاف إلى العامل السابق ذلك التراث الشعري الكوردي البائس البسيط والفقير الذي تلقاه جكرخوين ؛ فالفعل الشعري عملية تراكمية متوارثة تمرّ المفردة خلالها بسياقات شعرية متنوعة عبر استخدامات لا حصر لها لتلك المفردة أو العبارة من قبل أجيال شعرية متتالية يسلّم كل شاعر ( أو جيل) تصوراته اللغوية الشعرية لمن يليه ليقوم الأخير بدوره بعملية التجديد والتحديث للمفردة وللتراكيب اللغوية من خلال البحث عن سياقات وأشكال جديدة لهما . هذا الأمر لم يكن متاحاً لجكرخوين الذي لم يرث إلا مخزوناً شعرياً كوردياً بسيطاً تمثَّلَ في شعر كل من أحمد خاني وملاي جزيري بالدرجة الأساس،وبالتالي لم يرث مفردة لغوية عَرَكها الشعر سابقاً حتى يلام على أنه لم يقم بوضع تلك المفردة في سياقات حديثة أو محدثة . ولا شك أن من يكتب الشعر وفي ذاكرته تراث شعري ضخم يعود إلى مئات الشعراء أمثال امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والمتنبي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس وأحمد شوقي … سيختلف نتاجه عن نتاج ذلك الذي يكتب وفي ذاكرته مخزونٌ خلّفه ثلاثة شعراء أو أربعة أو عشرة يفصل بينه وبينهم مئات السنين. قد يقول قائل إن جكرخوين ربما كان مطَّلعاً على الشعر العربي أو التركي، وهنا سأعود إلى مسألة اللغة والمفردة والتراكيب اللغوية الكوردية-تحديدًا- التي لم تتعرض بما يكفي للاستخدام الشعري ، وبالتالي لم تدخل في سياقات مختلفة تؤهلها لتقديم سياق أجمل .ولذلك ,لن نكون منصفين إذا وضعنا التجربة الشعرية لكل من جكرخوين والجواهري-مثلاً- في كفتي ميزان نقدي،وذلك للاختلاف الشديد في المعطيات التاريخية والبيئية الثقافية التي أحاطت بكلتا التجربتين .

5- رغم العوامل والظروف التي أحاطت بالتجربة الشعرية لسيداي جكرخوين لا يجوز وضع كل نتاجه الشعري في سلة واحدة ؛ فبالإضافة إلى القصائد التي كتبها بلغة بسيطة وسلسة ( وهو أسلوب متَّبع عند الكثيرين كما أسلفت ) ثمة قصائد كثيرة لا تخلو من الاستعارات والمجازات والصور والرموز ، وخصوصاً في مجالي الغزل والوصف . وهنا أود الإشارة إلى أن الموضوعات الشعرية ربما كانت عاملاً من عوامل تبسيط اللغة الشعرية أحياناً ؛ فعندما يكتب جكرخوين عن الطبقة الكادحة وآلامها وآمالها ونضالها ضد مستغليها يضع في الحسبان درجة وعي ذلك المتلقي البسيط ( الكادح ) الذي يجب أن يخاطبه بلغة يفهمها حتى تتحقق عملية التواصل ويتحقق التأثير . علاوة على أن مثل هذه الموضوعات أقرب ما تكون إلى الفكر والفلسفة الحياتية منها إلى المشاعر والأحاسيس والبلاغة والمجاز . ونتيجة للعاملَين السابقين قد تأتي القصائد التي تتناول مثل تلك الموضوعات أحياناً أقرب إلى المباشرة والخطابية. ويمكن في هذا السياق المقارنة بين قصيدة أحمد شوقي عن حادثة (ميت غمر) بلغتها البسيطة وقصيدته في وصف ( قصر الحمراء ) بلغتها الفنية العالية .

6- لا تنهض الشعوب إلا يعظمائها من مفكرين ومثقفين وشعراء وكتاب وفنانين … ولهذا من حق هؤلاء أن يوضعوا في المكانة التي تليق بهم مقيمين وراحلين . وإذا كان سيداي جكرخوين لم يحظَ بالمكانة التي تليق بقامته الإبداعية والنضالية في حياته فإننا جميعاً مطالبون بوضعه في تلك المكانة من خلال ترجمة أشعاره إلى مختلف اللغات ، ومن خلال الكشف عن مكامن إبداعه فنياً وموضوعاتياً عبر دراسات وأبحاث جادة تقارب عالمه الإبداعي، والابتعاد عن المواقف مسبقة الصنع وعن الآراء والأحكام المتوارثة وغير المبنية على البحث والتقصي المنهجيين والموضوعيين . فرغم مرور ثلاث وعشرين سنة ( ناهيك عن سنوات حياته ) لم تصدر دراسة نقدية حقيقية تقارب عالمه الشعري ،وإذا استثنينا دراسة الباحث إبراهيم محمود الموسومة بـ ( نحو وعي أوسع لموسيقى الشعر – نماذج شعرية مختلفة كردياً ) فإن كل ما قيل عن ذلك الشعر( سلباً أو إيجاباً ) حتى الآن لا يخرج عن إطار الأحكام العامة والارتجالية التي لا تمت إلى النقد بصلة . لاشك أن ثمة الكثير من الملاحظات على التجربة الشعرية لجكرخوين مثل التكرار الواضح لاستخدام المفردة والصورة الشعريتين ،وأنّ تجاوز الشعرية الكوردية لذلك النمط الكتابي أمر طبيعي ومطلوب( يشرط أن تبقى تلك التجربة وغيرها تراثاً مرهوناً بظروف إنتاجه )، إلا أن الصحيح أيضاً أن الشاعر أبدع في الكثير من المواضع والموضوعات ،وعلى الذين يقللون من قيمته الشعرية أو ينفونها تماماً أن يثبتوا آراءهم للمتلقي من خلال دراسات نقدية عميقة تكشف عن مستوياتهم النقدية التي تؤهلهم لإطلاق مثل هكذا أحكام أولاً ، ولتكشف-ثانياً- عن ضعف المنقود بطريقة منهجية نقدية مقنِعة . أما الاكتفاء بإطلاق الأحكام العامة الخاوية من أي محتوى نقدي فلا تصب إلا في خانة : “خالفْ تُعرف” ، والصعود على أكتاف العماليق التي لا تدل إلا على ضعف صاحبها وخوائه وسعيه إلى تعويض ذلك بـ”المخالفة” لأنها أسهل الطرق إلى البروز . خلاصة القول : من أراد أن يقدم رؤية نقدية فليقل نقداً أو ليصمت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *