الرئيسية » مقالات » المؤرخ الدكتور زكي صالح 1908-1986 والبواكيرالاولى لنشوء المدرسة التاريخية المعاصرة

المؤرخ الدكتور زكي صالح 1908-1986 والبواكيرالاولى لنشوء المدرسة التاريخية المعاصرة

من مؤسسي المدرسة التاريخية العراقية الحديثة ، التي عرفت برصانتها ، ودقتها ، وجديتها ، وحياديتها ، وموضوعيتها . تشرفت بالتلمذة على يديه حينما كنت طالباً في قسم التاريخ بكلية التربيـة، وقد اقتصر في تدريسي وثلاثة من زملائي في قسم الشرف للسنتين الأخيرتين 1965 ـ 1966 و 1966 ـ 1967 . وكانت محاضراته في السنة الأولى تدور حول ما كان يسميه هو ( أصول التاريخ ) ، أما السنة الثانية فكانت عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي . خلال سنوات بقائي في كلية التربية لم أر استاذاً يشبههه في علمه ، وأخلاقه ، وسعة نظرته إلى التأريخ ، والحياة ، والانسان والكون .. ، كانت المواد الدراسية في قسم التاريخ ، وخلال السنوات الأربع آنذاك تركز على التاريخ ( بالألف اللينة ) ، لكن أستاذنا الدكتور زكي صالح علمّنا في قسم الشرف أن المهم هو ليس التاريخ ( بالألف اللينة ) بل التأريخ ( بالهمز ) .. فذاك الماضي البشري وهذا دراسة وتحليل الماضي ..
ولد الأستاذ الدكتور زكي صالح ببغداد سنة 1908 ، وأكمل دراسته الثانوية فيها سنة 1927، واختير بعد أن كان تسلسله ( الطالب الثاني ) على مدارس العراق الثانوية كافة في الفرع الأدبي ، ليكون ضمن البعثة العلمية التي أُرسلت إلى بيروت بلبنان للدراسة في الجامعة الأمريكية هناك . وفي سنة 1930 ، حصل على البكالوريوس في التأريخ ، وقد عاد إلى العراق ليعمل مدرساً في بعض المدارس الثانوية في بغداد والبصرة والنجف . ولم يبق طويلاً إذ أرسلته وزارة المعارف ( التربية ) في بعثة علمية إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية فحصل على الماجستير سنة 1939 ، ثم الدكتوراه سنة 1941 عن رسالته الموسومة ” منشأ النفوذ البريطاني في بلاد ما بين النهرين ” وبإشراف المؤرخ الكبير الأستاذ ( كارلتون هيز ) صاحب المؤلفات الشهيرة في التاريخ الأوربي الحديث. وقد عاد الدكتور زكي صالح إلى بغداد، ليعمل في التدريس ثم في التفتيش (الاشراف) التربوي الاختصاصي في وزارة المعارف ( التربية ) وبعدها صار مدرساً ثم استاذا مساعداً واستاذاً في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد)ورئيساً لقسم العلوم الاجتماعية ورئيساً لدائرة التاريخ في جامعة بغداد ، وقد ظلّ كذلك حتى سنة 1968 حينما ارتأى احالة نفسه إلى التقاعد والتفرغ للبحث والتأليف .
عمل استاذاً زائراً في جامعة كولومبيا ( مدينة نيويورك ) للسنتين 1953 و 1954،ثم استاذاً زائراً في جامعتي اكسفورد وكمبردج خلال السنتين1961 ـ 1962 ، وقد مثّل العراق في منظمة اليونسكو، وانتخب ممثلاً لدول الشرق ونائباً لرئيس الدورة . كما مثّل العراق في مؤتمر السلم العالمي الذي انعقد في دلهي سنة 1950 وعمل استاذاً محاضراً في معهد الدراسات الاسلامية في مصر ، واستاذاً محاضراً في جامعة براغ
( جيكوسلوفاكيا السابقة ) .

من مؤلفاتـه :
1 ـ فلسطين والتقرير الانكليزي والأميركي لعام 1946 ، نقد وتعريب ، وطبعه في
القاهرة ، 1947 .
2 ـ موجز تاريخ العراق ، 1949 .
3 ـ مقدمة في دراسة العراق المعاصر ، 1953 .
4 ـ بريطانيا والعراق حتى عام 1914 وهو دراسة في التاريخ الدولي والتوسع
الاستعماري ، 1968 .
5 ـ رحلته إلى الهند ، 1950 .
هذا فضلاً عن عدد كبير من البحوث نشرها في مجلات عراقية وعربية وأجنبية .

تصدى الدكتور زكي صالح للدفاع عن آراء المؤرخ البريطاني ( آرنولد توينبي / توفي 1978 ) عندما هاجمه ( تريفور روبير ) وهو أستاذ ( يهودي ) في جامعة اكسفورد خاصةً بعد أن أكد على حقوق العرب في فلسطين ، وقد ألّف الدكتور زكي صالح كتاباً في هذا المضمار وذلك بعنوان : ” هجوم تريفور روبير على توينبي : أسلوب من الفوضى الفكرية “chaos intellectual طبع في مطبعة المعارف ببغداد سنة 1958 .
كتب تلميذه الأخ الأستاذ الدكتور الصديق المؤرخ صالح محمد العابد مقالة عنه في مجلة المؤرخ العربي ، ( العدد 56 ، 1998 ) جاء فيها ” أن الدكتور زكي صالح قد غرس في ذهنه وهو يجتاز خطواته الأولى في دراسة التاريخ وتفسيره ، حب الحقيقة والإبتعاد عن التحيز ورفض الأحكام المسبقة الجاهزة التي تلغي الفكر وتبعد الاجتهاد وتحيل الإنسان إلى صدى يردد ما يسمع أو يعيد ما تلقاه دون تأمل أو رأي أو موقف “، وأضاف أن الدكتور زكي صالح كان يتمتع بشخصية قوية ، وثقة عارمة في النفس ، وقال : ” لقد تعلمت منه أن الكلمة مسؤولية ، لذا يجب أن لا ندوّن نصاً،أو نُصدر حكماً إلاّ بعد مخاض وتمحيص وتوجس .. وأن البحث لا يكتمل إلاّ بعد قناعة كاملة بحقائقه وتوافر مقوماته كلها ، فإذا ما عدت إليه بعد وقتٍ ، طال أو قصُر ، فإنه لن يُوّلدَ احساساً بأن تغييراً ما يجب أن يتم أو أن ضعفاً يُزال أو ثغرة تسد ” وطبقاً لذلك ، كـان الدكتور زكي صالح يؤكد بأن ( البحـث ) لا يكتمل إلاّ بعد أن يمر بأربع مسودات Drafts في الأقل ، كل واحدة منها تفصح عن موقف المتأمل المدقق حتى تعانق شكلها النهائي .
كان الدكتور زكي صالح يضع نصب عينيه جمع الحقائق المتصلة بالموضوع ، ويمنح كل جزء منها أهمية كاملة ، مراعياً الأمانة المطلقة ، مبتعداً عن ميوله الخاصة ، وفوق هذا وذات ،حرص أستاذنا الدكتور زكي صالح على التأكيد لنا بأن أسلوب عرض المادة مهم وينبغي أن يحظى بالاعتبار ، وإذا ما أردنا أن نقف عند عباراته في الكتب التي ألفها نجد أنه كان يعنى بالأسلوب تعبيراً وتكثيفاً وتماسكاً ، ومن الصعوبة جداً حذف ليس سطر مما كتب بل قل كلمة واحدة ، ويكاد مصطلح ( الجامع المانع ) ينطبق على كتابات زكي صالح ..
كان أستاذنا بارعاً في انتقاء الكلمات والمفردات والمصطلحات ،وكما قال الدكتور العابد أن ( الدقة ) عند الدكتور زكي صالح ترادف عنده ( الوضوح ) .. لقد عني حتى بدقة عنوان ما يكتب على ان ” لا يخرج البحث ، حتى في مفردة من مفرداته عن ذلك العنوان ، فالكل عنده مسبوك متماسك يؤطره فكر نظيف وحرص على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية ” كـان بارعاً في اقتباسـاته التي تضفي على ما يكتـب الكثير من الحيوية ، ولا زلت أتذكر بأنه كان معجباً بكتاب المؤرخ البريطاني المعروف جفرز والموسوم : ” فلسطين : الحقيقة ” والذي تُرجم إلى العربية قبل سنوات ، وقد سمعت منه أن هذا الرجل كان موضوعياً ومنصفاً في دراسته للصراع العربي ـ الإسرائيلي ، لهذا واجه الكثير من العنت والإهمال .
وينطوي كتابه ” مقدمة في دراسة العراق المعاصر ” الذي طبعته مطبعة الرابطة ببغداد سنة 1953 والذي ألفه بعد أن قدمت له مؤسسة روكفلر منحة سخية ، على الكثير من الآراء القيمة والمبادئ العلمية التي تجعل من مادة ( التاريخ ) أداة للبناء و ” تحسين أحوال البشرية ” ووسيلة للتفاهم الدولي . وقد أكد في التمهيد على أن ” التقدم الجدي في دراسة العراق المعاصر يستوجب البحوث الأصيلة التي لم تتوفر لدينا بعد
( 1953 ) والمعاهد العالية هي المراكـز الملائمة بين ظهرانينا للبحـوث الأصيلـة فـي مراحل الاختصاص التي يجب انشاؤها ” .
ومن حسن الحظ أنه قدّم في نهاية كتابه وصفاً للبحوث الأصيلة Original لاعتبار أن الأصالة شرط أساسي لنيل الشهادات العالية في مختلف الجامعات ” ودليلاً على رفعة الانتاج العلمي خارج هذه المعاهد ” . والانتاج الأصيل في رأيه هو ” الانتاج المبتكر ، الذي يمتاز بالصواب أو الاقناع ، أو أن يكون أقرب ما هنالك إلى الصواب أو إلى الاقناع والذي يذلل عقبات كبيرة في سبيل الفهم والاستيعاب ، أو في سبيل البحث والاستقصاء ، ثم أن استناد الأصالة قد يكون إلى خبرة عملية ، أو دراسة استقصائية ، أو فكرة مبتكرة ، أو عرض مبتكر ، أو تنسيق خطير ، أو إلى مجموعة من هذه الصفات ” .
والدكتور زكي صالح هو من الأساتذة الرواد ليس في العـراق وحسب ، بل وفي العالم العربي كله ، الذين دعوا إلى إنشاء دور للوثائق والسجلات الرسمية Archives، كما أنه كان من أوائل الذين رحبوا بإنشاء معهد الدراسات العربية العالية الذي اقترحه رئيس وفد مصر في جامعة الدول العربية وتأسيسها بعد ذلك سنة 1953 ، وكان رحمه الله ، يرى بأن هدف التاريخ ليس علمياً وحسب ، بل ووطني وتربوي كذلك .. والكتاب التاريخي الجيد ، بنظره ، هو ذلك الكتاب الذي ” يقصد من دراسة إثارة التفكير … ” .
انتقد الأستاذ الدكتور زكي صالح السياسة البريطانية في العراق ، وقال بأنها انطوت على خطر جسيم ” فتأييد سلطان الشيوخ ، والاحتفاظ بالكيان العشائري ، وما يتبعه من الاحتفاظ بنظام دعاوي العشائر ، ان ذلك كله يقف حجر عثرة في سبيل توحيد القضاء وتوحيد الولاء للوطن بدلاً من القبيلة ، ويحول دون تطبيق النظم الديموقراطية ، كما أنه ويعنى صراحةً على عكس التطور المعلوم في مضمار المدينة ” .
وعندما نشبت ثورة 1920 الكبرى وأرخ لها بعض القادة والمسؤولين البريطانيين ، قال الدكتور زكي صالح بأن هؤلاء عملوا على الانتقاص من الهدف الوطني في الثورة وذلك عند تصويرهم الثورة بأنها حركة عصيان واسعة النطاق ، قضي عليها وانتهى أمرها بعد أن استفحلت ردحاً من الزمن ، وأضاف ” والنظرة هذه ليست ضيقة فحسب ، بل انها تدل على جهل أو تجاهل في تفهم قضايا التاريخ ” .
وقد استغل الدكتور زكي صالح هذه الواقعة ليؤكد بأن للأسلوب التاريخي في البحث Historical Method قواعد محكمة ، وتعاليم مفصلة ، نمت بمرور الزمن على أيدي جمهرة من المؤرخين المحدثين ، حتى أنها أصبحت علماً قائماً بذاته ،مدوناً في تصانيف قيمة ، وإلى جانب ذلك توجد علوم أخرى ذات علاقة وثيقة باعـداد المؤرخين ، نذكر منها ما يعرف بتأريخ التأريخ History of History الذي نلاحظ فيه نمو الكتابات التاريخية وتطورها عند مختلف الأمم وفي شتى المواضيع .
ويذهب الدكتور زكي صالح في تفسير التاريخ مذهب المؤرخين الذين يحفظون التوازن بين أثر العوامل الجغرافية والاقتصادية والدينية والعوامل الأخرى في مجرى التاريخ ” ، ويقول : أن للنوابـغ من الناس أثرهم البليـغ في شؤون الانسان وللمصالح الاقتصادية أيضاً فعلها البليغ ، وهنالك غير هؤلاء من الذين يشيرون إلى انهماك المرء في أمر معاشه ، ممن لهم آراء في الموضوع لا تخلو من الصواب ، مثل الاعتداد بالعوامل النفسية ، باعتبار العواطف والغرائز وما إليها من القوى الكامنة في الانسان إنما هي ذات أثر فعال في حياة الأفراد والجماعات .
ويختم كلامه بالقول : ” إذا ما كان الاتزان ضرورياً في تقدير العوامل المؤثرة في حياة البشر ، فإن لبعض العوامل أرجحية على البعض الآخر في عصر من العصور أو في قطر من الأقطار ” .
في الثاني عشر من شباط / فبراير سنة 1986 توقف قلب استاذنا الفاضل الدكتور زكي صالح ، وأسلم الروح إلى بارئها بعد أن ترك بيننا من كتب وبحوث وذكريات ما يجعلنا ليس فقط نذكره ، بل وندعو طلابنا وأولادنا وأحفادنا إلى الاقتداء به عالماً وباحثاً ومؤرخاً وانساناً .
المصدر :مجلة علوم انسانية (الالكترونية )التي تصدر في هولندة ويرأس تحريرها الدكتور حميد الهاشمي www.ulum.nl

تعليق واحد

  1. فان ايام عبد ناصرمن الحاصل فى الشرق الاوسط والعرب والله العظيم كان هوعزت الامة وشموخها ومجدهاوغزتها كرمتها والله العظيم لوكان عايش مكان حدمن الشعب المصرى حالة فى الحاصل للبلد ولشعب المصرى والشعب العربى والامة كلها وشلة الاقطعين والحرمية والمزورين والغلاء الغلاء الحنافية والناس العندهاجشع ونعدام الدين والطمع على الشعب المصرى واهانة الشعب المصرى الشغال فى الخارج من الاخوة العرب من الدول الخليجية والعربية والله العظيم بتعاملو معاهم زيهم زى العبيد الرزقهم ربهم بهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *