الرئيسية » مقالات » معاناة المبدع : ندرة الوسيلة إلى محيط المبدع

معاناة المبدع : ندرة الوسيلة إلى محيط المبدع

“عندما يكون الشاعر في الحضيض، يغدو
قلب العالم رأساً على عقب وأجباً”
هنري ميللر

• القصيدة، شأنها شأن أشكال الإبداع الأخرى، هي حالة ذاتية وإن ارتبطت هذه القصيدة بمؤثرات خارجية موجودة في محيط المبدع نفسه وتفاعلت معها، كالبيئة وما تمليه من انعكاسات نفسية على المبدع، والنتاج الفكري الهائل للبشرية، وما لايضعه أمامه من خيارات كثيرة وكذلك البشر السائرون في الحياة، وما يلعبونه من أدوار في هذه الحياة على اختلافهم وتنوع أهدافهم والسلوكيات التي يكتسبونها للوصول إلى هذه الأهداف.
رغم ذلك فالقصيدة هي نتاج ذاتي وتشكيل موضوعي لفكرة محتواة من المبدع نفسه، وهي خلق ذاتي يفرض على الشاعر معاناة ما، لتُصيّر حالة الإبداع من هاجس إلى نتاج، وتبقى المؤثرات الخارجية – رغم ضرورتها وانعدام أية خيارات بديلة عنها- كالماء الذي يساهم في إذابة قرص الدواء، ويساعد في عملية إمتصاص المادة الدوائية، لكنه لا يدخل في كيمياء الشفاء، أو كالنار في المعادلة الكيمياوية التي هي عامل مساعد ومحفز في النشاط الكيمياوي، لكنها لا تدخل في الكم الرياضي للذرات والجزيئات الذي يخلق التوازن في طرفي المعادلة.
وحين تكتمل القصيدة، تدخل ضمن حياة الآخرين كمؤثر خارجي يتناسب طرداً مع القيمة الفكرية والهدف السياسي والإجتماعي للنتاج، ويدخل في حياة الشاعر إما كعامل تدمير أو كعامل رفع، يجعل منه بطلاً أو خادماً، شهيداً أو خائناً، غريباً مشرداً أو طفلاً مدللاً لقوة ما، أو ربما قتيلاً كـ “المتنبي والشنفرى وبن الورد ولوركا ونيرودا”. إذ حتى لو إكتملت ملامح القصيدة واستقرت، فإن الشاعر لن يستقر مطلقاً، وتبقى حياته مشروعاً مشوباً بالشك.
تنتهي هذه المعاناة الداخلية حين يقتنع المبدع نسبياً بنتاجه، لتبدأ سلسلة جديدة من المعاناة، وهي كيفية إيصال هذا النتاج إلى الناس، وهي في رأيي المعاناة الأصعب والأقسى، فالقصيدة حين لا تجد طريقها الطبيعي للمتلقي، للناس بشكل عام، فهي كالدمع المحتبس، يُغلق المجرى أمام طاقة الإبداع، ويمنع عملية التطهير الذهني والوجداني التي تهيء الجو لتكوين خلق جديد. فالمبدع يعيش مع القاريء، يلتقي وإياه كل ساعة وجهاً لوجه، لكن ما يحتاجه الشاعر هو أن يراه القاريء، بمعنى يرى نتاجه، وعلى الشاعر في المرحلة الأولى أن يبحث قارئه ويصل إليه، فهذه مسؤوليته، وفي المرحلة الثانية سيقطع الإثنان نصف المسافة ليصلا إلى هدفهما، وإن اقتنع المتلقي بهذه الشراكة سيقطع في المرحلة المقبلة معظم هذا الشوط. وباعتقادي إن قطع الشاعر هذه المسافة إلى القاريء الذي يراه كل ساعة كما أشرت، يستغرق مسافة زمنية تطيلها أو تقصّرها ثلاثة عوامل هي :
1. المادة الإبداعيية نفسها.
2. همة المبدع.
3. المؤسسات والوسائل الوسيطة.
ومع تراكم النتاج وتطوره الذي فاق تنوع وتطور وسائل النشر، ضعف النسغ المتحرك باتجاه المحيط البشري، وضعفت الآصرة، وحرم الطرفان من الوصول إلى بعضهما البعض، وتراكم لدى المبدع نتاج غزير لم يتمكن من إيصاله إلى القاريء. وقد ترتفع نسبة هذا النتاج إلى درجة تتسبب فيها بالإحباط واللامبالاة، وهذا ما يسميه البعض خطأً بالكساد الفني. فالأدب لا تنطبق عليه قوانين الإقتصاد، ولا يدخل ضمن معادلة العرض والطلب، فهناك دائماً عطش للنتاج الإبداعي ورغبة بالمزيد. وفي الإبداع الفني تتعطل المقولة الشائعة “العملة الرديئة تطرد العملة الأصيلة”، وفي أغلب الأحيان تنعكس هذه المقولة فتصبح العملة الأصيلة هي العملة الطاردة، فأكوام من قصائد الحرب والحب والتغزل الشاذ بفرد يتباهى و “يخرخش” بالنياشين والرتب العسكرية المجانية وبأريحية فالتة من عقالها التي كانت تُنشر يومياً في صحافة العراق أيام العهد السابق، وعشرات المهرجانات واللقاءات والأمسيات الأدبية، لم تثر إهتمام القاريء العادي أكثر من المعتاد، رغم جودة نسبة مهمة منها. لكن شغف هذا القاريء دفعه للبحث سرّاً عن قصيدة مشاغبة تقع خارج تلك المؤسسة الهائلة لـ “الجواهري أو سعدي يوسف أو مظفر النواب أو نزار قباني”. حيث استعد لقطع المسافة كلها إضافة لمخاطرها ليصل إلى المبدع. هنا لعب القاريء دور المؤسسة لإكثار ونشر وتداول قصيدة الضد هذه، رغم أن القوانين كانت تحظر هذا التداول، وتعتبر القصيدة الوافدة إلى البلاد منشوراً سرّياً معادياً ووثيقة تحريض صريحة. هنا نصل إلى حقيقة أخرى، هي أن فهم القاريء للمبدع ليست مسؤولية القاريء، وإنما هي مسؤولية المبدع نفسه. فالكاتب الذي لا يفهمه القاريء أو يدعي هو ذلك، فهو نفسه لا يفهم نفسه.
ولعل أهم وسائل وصول المبدع، وبالخصوص الشاعر إلى جمهرة المتذوقين هي المؤسسة الوسيطة، المنشور الأدبي أو دار النشر والثقافة أو أية وسيلة انتشار أخرى تنقل النشاط الفكري مرئياً ومسموعاً إلى أكبر قدر من اللأسماع والأبصار، ليتم الحكم على المادة المنشورة وتقييمها فنياً أو شعبياً وتداولها مع مجمل الحصيلة النقدية سلباً وإيجاباً. فالإبداع لا يأخذ حقه من التقييم إلا بعد أن يأخذ حقه في الإنتشار والوصول إلى الناس. وهناك الكثير، بل الأطنان من الورق المطبوع خدمته مؤسسات نشر عملاقة لم يكن يستحق قيمة الورق الذي اُستهلك من أجل ترويجه، وبقي كمّاً مهملاً واستحق القيمة الخاملة “سالب|موجب” ولم يترك أي أثر ضار أو نافع، ولم يثر سخطاً أو استفزازاً أو إعجاباً أو مشاركة وبقي مادة “إمفوتيرية” لا تأخذ ولا تعطي، ولا تشكل حلقة تفاعل نفسي مع الآخرين، ولعل العديد ممن يملكون مؤسسات من هذا النوع أو ساهموا فيها بهذا الشكل أو ذاك، إستخدموا مؤسساتهم لنشر نوع من الكتابة، لكن ذلك لم يدفعهم خطوة واحدة باتجاه الوجدان العام للبشر المرئيين يومياً، المحسوسين بحركتهم ونشاطهم. في مثل هذه الحالة غاب عنصر مهم هو المادة الإبداعية نفسها كوسيلة وغاية في ذات الوقت، والتي لم تستطع المؤسسة فرضها، رغم تسخيرها لمؤسساتها الدبلوماسية ونقاباتها وبضائعها اليومية الضرورية التي يحتاجها الناس كشرط مفروض لتصريف المادة المكتوبة أو إقتطاع أثمان هذا النتاج المطبوع قسرياً من إجور العمل، حيث كان ضحية مثل هذا النوع من الترويج يلقي بالكتاب أو المطبوع إلى أقرب صفيحة يصادفها في طريقه، لأنه سيشعر بابتزاز مضاعف فيما لو قرأ ما دفع إليه من فكر مع مادة غذائية مفقودة أو مقابل إنجاز معاملة مهمة.
أما همة المبدع واستعداده النفسي للإقتحام والتنازل، فهناك ندرة من الشعراء المبدعين تمتلك شجاعة نادرة واندفاعاً يقترب من البسالة والتهور في ذات الوقت في أنفسهم عنوة، تصل حد اقتحام الندوات والأمسيات حتى المغلقة منها لإجبار الحاضرين على الإستماع إليهم، الأمر الذي يثير مشاعر هي خليط بين الإعجاب والإستهجان، وفي أكثر الأحيان الرضوخ للأمر الواقع، والفضول الشديد للإستماع إلى ما جاء به هذا المندفع القادم المحتل عنوة الأسماع والأبصار. وهناك أيضاً ندرة من المبدعين من يدعو نفسه باستحياء لهذه الأنشطة العلنية، متحملاً ضغطاً نفسياً مهولاً من أجل ذلك. أما الأكثرية فبين هذا وذاك.
إن أسوأ ما في المؤسسة الثقافية هي جهة المالك والممول، وخصوصاً إذا كان المتحكم بها نظاماً سياسياً أحادياً، أو حزباً سياسياً، أو كاتباً يقرأ نفسه بإفراط وإعجاب شديدين، أو نخبة من شيوخ الأدب المتقاعدين أو الذين استنفذتهم الحياة، أو حاجزاً من عناصر “البوليس الثقافي”، عندها سيُقرأ إسم المبدع حسب الأرقام المقابلة لحروف اسمه، وسيُرى إن كانت الحصيلة تقبل القسمة على 7 أو لا. ولعلنا سنترحم على الناشر التاجر حينها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *