الرئيسية » مقالات » قول على قول

قول على قول

طالعت ما كتبه الأخ الشويلي في رده الموسوم (الإسلام نظام العدالة والمساواة) المنشور في قلعة سكر وهو رد على رد لمقالي حول العلمانية نظام العدالة والمساواة،وأحب أن أشير بداية قبل الخوض في النقاش أني لست ضد الإسلام والمسلمين وأنا مسلم ومن عائلة دينية تربت على مبادئ الإسلام الحقيقي وليس أسلام السلاطين والمشعوذين ممن يستغلون الدين لتحقيق المنافع الخاصة لهم ولأسرهم وأقاربهم ومن يلوذ بهم من الأتباع والمريدين،ولعل الأخ الكريم يجهل أني من عائلة دينية ارتدت العمة والطيلسان لأكثر من سبعة قرون وكان منها مراجع للمسلمين وأفراد نشروا الدين في إيران الحالية عندما كانوا غلاة في القرن التاسع والعاشر الهجري،وكان منهم شيوخ الإسلام في تستر وديزفول والمحمرة وعبادان وقره كيلو وغيرها من المدن العربية والإيرانية ولا تزال أثارهم باقية لحد الآن وللأخ الكريم مراجعة أعيان الشيعة للحر ألعاملي،وماضي النجف وحاضرها لجعفر محبوبة وجميع كتب التراجم التي عنت بدراسة الشعر والأدب والعلوم الدينية،فسيجد أسماء عشرات الأعلام من أسرتي ،ولا يزال البعض من أبناء عمومتي يرتدون الزى الديني،رغم أن الغالبية انصرفت في الخمسينيات من القرن الماضي للدراسات الحديثة وممارسة المهن الحرة،لأن رجال الدين سابقا يبيتون على الطوى ولا يملكون ما يزيد لطعام يوم واحد متأسين بالأئمة من آل البيت،وليس كما نراهم اليوم يملكون المليارات ويركبون أفضل السيارات ويعيشون بالقصور الفارهة ويمتلكون الشركات والمؤسسات والعمارات،لذلك أنا أعتز بإسلاميتي كما أعتز بعلمانيتي التي لا ترى في الدين الحقيقي تعارضا مع ما تصبو إليه،وسأطيل عليك بنقاشي لأني ثرثار بطبعي!!وبيش بلشت يابو بشت”
تقول”حيث كنت أسمع الكثير من الناس يتساءلون: لماذا عندنا كلمة ثقافة, مرتبطة بالدين ؟عند الغرب ربما هي كلمة غير مرتبطة بالدين , لماذا نربطها نحن؟بقيت متردد في قبول هذه الفكرة أو رفضها..لكنني حين قرأت تاريخ أوروبا في الأسابيع الماضية, واتيت بكتب تاريخ العرب والمسلمين, فهمت الفرق تماما…رأيت إن الإسلام كان نقطة انقلاب حقيقية في حياة الأمة…رأيت انه العمود الفقري في تكوين ثقافة هذه الأمة” ليس هناك من ينكر ما للإسلام في بداياته من دور نهضوي في التاريخ العربي،,وما جاء به من أفكار ومبادئ كانت سابقة لعصرها بمنعه الربا وتنظيمه الحياة الاجتماعية بشكل أفضل من سابقه،ولكن ما حدث بعده من تغيرات وتسلط حكام أنحرف به عن جادته بما أضيف من أحاديث وروايات قد تكون منحولة ولكنها أصبحت من الثوابت التي يعتمد عليها رجال الدين،وكان لاجتهادات المتأخرين وإضافات المتقدمين أثرها في الكثير من التشريعات التي لا تتماشى وروح الإسلام،أما الثقافة فالإسلام رافد من روافدها وليس هو الرافد الوحيد فقد استفاد علماء العرب من الثقافات الأجنبية وأدخلوا إلى الحضارة الإسلامية الكثير من مواضعات الحضارات الأخرى،وليس من الواجب أن نتقوقع على الثقافة الإسلامية وحدها ونرفض الثقافات الأخرى النافعة للإنسان،لأن المشرعين التقليديين أو السلفيين يحاولون العودة بالإسلام إلى عصر البداوة وهذا لا يواكب العصر وما وصل إليه العالم من تقدم في مختلف نواحي الحياة،وإذا لن تتطور الثقافة الإسلامية على نسغ العصر لا يمكن لها أن تكون الرافد الوحيد للمسلم،ولكن يا أخي الكريم هل تعلم أن الكثير من رجال الدين لا يؤمنون بأي ثقافة بل يرون في الثقافة والعلم انحسارا لنفوذهم ظهر ذلك في محاربتهم للمخترعات الحديثة ونسبوا كل جديد في العلم إلى الشيطان كالراديو والتلفزيون والتلفون وغير ذلك،بل حاربوا المدارس الحديثة ،وحرموا الدخول إليها لأنها تشيع الكفر وتقول”أن المطر من البخار”وأصدروا الفتاوى من قبيل(السيف البتار لمن يقول أن المطر من البخار”إلى غير ذلك،وأخيرا أذعنوا مرغمين،وعندما فتحت مدارس لتعليم البنات ثارت ثائرتهم وتقولوا على الإسلام بأنه يحرم تعليم المرأة الكتابة،وأمام استهجان الناس لأفكارهم حرموا التعليم المختلط،رغم أن بناتهم كن من أوائل الدارسات في المدارس النظامية.
أما قولك” جاءت عقيدة جديدة وقوانين جديدة, والناس اقتنعوا بها بطريقة جعلتهم يحسمون موقفهم تماما من قضايا مثل الإيمان بالله و توحيده وعدم الشرك به, الإيمان بالرسل والكتب المقدسة, الإيمان بالملائكة, الإيمان بالقدر خيره وشره…” وهل تعتقد أن مسلما لا يؤمن بوجود اله أو لا يقر وجود نبي،ومن أخبرك أن العلمانيين لا يؤمنون بالله ورسله،وهل تعتقد أن الغرب يجحد الرسالات السماوية،أنهم يؤمنون بالدين ولكنهم يحبون الحياة ويريدون العيش بسلام ومحبة ورفاه أسوة بما يعيشه رجال الكنيسة سابقا عندما كانوا يهيمنون على أموال الأمة،أو كما يعيش خلفاء المسلمين وأمرائهم في الخلافات الأموية والعباسية والعثمانية والصفوية وغيرها من الأمارات والخلافات طيلة قرون.وتقول”والرسول (ص) والقرآن الكريم كلاهما وضح إن ثمة فرق بين الإيمان والإسلام،الإسلام هو مرحلة أولى فيها ممارسة لتلك الطقوس…والإيمان هو مرحلة أعلى لا يدركها كل المسلمين بالضرورة”ولكن هل حكام المسلمين هذه الأيام من المؤمنين أم المسلمين،وأين هو الذي يصح أن نطلق عليه صفة المؤمن بالمستلزمات التي أقرتها الرسالة،لو فتشت جميع ديار الإسلام فكم تجد فيهم من المؤمنين،وأنت ترى بعينيك تفشي الكذب والغش والنميمة والفساد وغيرها من الأمور التي لا يمكن لمؤمن أن يقوم بها..!!
وتقول”جاءت عصور النهضة والتنوير والنظريات العلمية لتزيد الناس بعدا عن الدين وتمسكا بعقل الإنسان, ثم حقوق الإنسان, وحرية الإنسان…وكأن الإنسان هو رب نفسه وهو رب الكون يفعل ما يشاء…”لماذا ترى الدين متعارضا مع العلم والمخترعات الحديثة،ولماذا ابتعد الناس عن الدين بعد ظهور هذه المخترعات،هل يتنافى الدين مع الراديو أو القطار أو الطائرة أو الإنترنيت،أذن لماذا حدث الافتراق لابد أن يكون الخلل في أحدهما ،هل ترى أن العودة إلى زمن الجمال يعيد الناس للدين،وأن زمن الإنترنيت يبعدهم عن الدين،الم تنتشر الأديان من خلال وسائل الاتصال السريعة التي أخترعها الغربيون،وأستطاع رجل الدين نشر أفكاره من خلالها،،أن المخترعات لا تتعارض مع الدين،والعلوم لا تتقاطع مع الأديان،ولكن عندما يحشر رجل الدين نفسه في العلم الحديث يسيء لنفسه لأن الدين روحانية لا علاقة لها بالعلوم وأقسار الدين على أن يكون علميا إساءة له،في الوقت الذي لاحظنا أن البعض يحاول تحوير الفكر الديني وآيات القرآن لإثبات أن القرآن ذكر الأمور العلمية،وأن ما ظهر من مخترعات هو نتيجة لقراءة القرآن والإطلاع على آياته،في الوقت الذي أمضينا نحن المسلمين قراءته عبر آلاف السنين دون أن نستطيع اختراع قلم.
وتقول”وبدأ عصر التوسع والانتشار إلى قارات العالم حول أوروبا, بلا حدود , بلا ضوابط…احتلت دول أوروبا دولا كثيرة من قارات مثل أفريقيا وأميركا الشمالية والجنوبية , وأجزاء من آسيا البعيدة ,وسببت الأذى للسكان الأصليين, ونهبت الثروات دونما رحمة, وجاءت بها إلى أوروبا لتخلق طبقات جديدة من أغنياء وتتراكم رؤوس أموال كثيرة تطورت إلى صناعات حديثة والى استعمار لتصدير الصناعات إلى مراكز جديدة خارجية, واستمرار البحث عن موارد جديدة لتمكين العجلة من الدوران, ثمة عبيد وفقراء يعملون من اجل إبقاء العجلة تدور…فقراء ومستعمرات وثروات ورؤوس أموال و صناعات وتجارة وتسويق وصراعات مستمرة…والله لا اخترع شيئا من عندي..هذا تاريخ حقيقي يملأ الكتب…”نحن لا ننكر ما قامت به الدول الغربية من أعمال فظيعة وأعتداآت سافرة واحتلال للشعوب ،وأطلقنا عليها الإمبريالية ولا نزال نقول أن الإمبريالية عدوة الشعوب،ولكن هذا لا يمنعنا من الاستفادة من حضارتها وثقافتها وطريقتها في التداول السلمي للسلطة،وضمان حقوق الإنسان التي تفتقر إليها دول العالم الثالث سواء أسلامية أو غير أسلامية،ولا يعني أخذنا للنافع من أنظمتها أننا نؤيدها في أجراءتها الأخيرة التي لا تصب في صالح الشعوب،والحضارة التي اقتبستها الخلافات الإسلامية من الغرب كانت تصب في مصلحتها وجعلتها في القمة من التقدم،كما أن للعلوم اليونانية تأثير واضح في أنماء العلوم عند العرب،وأكثر علماء الإسلام من أرومات غير عربية مما يعني أن تلاقح الأفكار ونموها لا تحده الحدود القومية والجغرافية والدينية.ثم الم نكن نحن المسلمين في الخلافة الراشدة والخلافتين الأموية والعباسية والخلافة العثمانية نستعبد الشعوب ونستعمرها ونأخذ غنائمها،وعاش الخلفاء والأمراء في بحبوحة من العيش،بل أن العساكر كانت تـؤسر النساء والأطفال وتتخذهم خولا وعبيد ،وتبيع النساء في أسواق النخاسة،وكان الأمراء والخلفاء والأغنياء يكتنزون الأموال والجواري ويعيشون كما يعيش أصحاب الشركات،أليس ذلك استغلالا كما هو الاستغلال الغربي،وهل تعتقد أن معاوية أو يزيد أو أبناء مروان وغيرهم من بني العباس نشروا الإسلام من أجل الإسلام أم من أجل السلطة والسيطرة واستعمار الشعوب الأخرى…!
وقولك أن”الشعوب الأوربية عانت الكثير من أنظمة حكم استبدادية ظالمة, هذه الأنظمة لم تكن تظلم شعوب المستعمرات والعبيد من أفريقيا والسكان الأصليين من هنود حمر, كانت أيضا تستغل شعوبها وتفرض عليها ضرائب , وثمة طبقات فقيرة مسحوقة , وطبقة متوسطة مهمشة, وطبقة غنية من الملوك وحاشيتهم والإقطاعيين والتجار الكبار.” أن ما ذكرته لا نستطيع إنكاره كما قلت سابقا،وما قامت به الدول الغربية من مجازر بحق الشعوب هو نتيجة حتمية لطبيعة الاستعمار والاحتلال الذي نرفضه جملة وتفصيلا،وأن دعوتنا للعلمانية لا تعني الدعوة لاستقبال المحتلين أو فتح ديارنا لاحتضانهم،ولكننا نستفد من تجربتهم في الحكم وضمان الحريات.
وما أجمل دعوتك للسلام وإشاعة المحبة والوئام بين الشعوب ولكن من يقف خلف المآسي التي يعاني منها العالم اليوم،أو البارحة أنها ذات الطبقة التي تحاول الهيمنة على مقدرات العالم ومارست أدوارها القذرة في الهيمنة على مقدرات الشعوب،وهي الامبريالية العالمية ممثلة برأس المال الذي يحاول فرض أرادته،مما جعل الصراع يأخذ منحاه الطبقي بين المستغل والمستغل،بين أصحاب رؤوس الأموال والعاملين والأجراء،هذا هو جوهر الصراع ،وليس الصراع دينيا أو مذهبيا كما يحاول تصويره البعض لغاية في أنفسهم،أن جوهر الصراع طبقي واضح،وصراع الطبقات هو المحرك الفاعل،والأمور الأخرى مجرد أوجه لإدامة الصراع وتمريره وإعطائه صفات بعيدة عن جوهره،وهذا الأمر لا علاقة له بالعلمنة أو التدين أو طبيعة نظام الحكم،وما زال الاستغلال موجودا فالصراع على أشده بين الرأسمالية والطبقة المسحوقة.
وتقول”هذا تاريخهم إما حاضرهم فأنت تنظر له على انه الأفضل يا أستاذ محمد ربما يكون هو أفضل من باقي البلدان النامية لكنه ليس الأفضل فهذه قوانينهم يوميا تعدل وتغير مما يدل على عدم تمامها وصحتها وبدلا من أن تحل مشاكل العالم زادتها صعوبة انظر ببصيرة إليهم ستجد كم منهم ينام في الشارع وكم هي معدلات الانتحار وكم وكم …رغم إن الأطروحة العلمانية هي التي تحكمهم لكننا في الشرق إلى الآن لم يطبق الإسلام إلى الآن …وهو كفيل بحل مشكلات العالم اجمع ” ولكن متى يطبق الإسلام أخي الكريم ومن يطبقه وكيف يطبقه،وهاهي ألف سنة ونصف ونحن نتكلم باسم الإسلام ولم نرى أسلاما،أعطني نموذجا حاليا للإسلام حتى نقول أنه الأحسن والأكمل والأجدى بالأتباع،أما النظريات فجميعها تدعو للخير والرفاهة والسلام ولكن التطبيق لا يتوافق مع النظرية،لذلك علينا اختيار النموذج الذي نراه ملائما لنا ويتماشى وطبيعة العصر وما وصلت إليه الحضارة لا أن نظل أسرى الأفكار المسطرة في الكتب والتي لم نجد لها صدى لدى الكثير ممن يدعون إليها ويحاولون تطبيقها. وهناك الكثير مما يصح التطرق إليه ولكن أثرت الاختصار وعدم أطالة الموضوع خوفا من الملل ولانشغال الناس بتدبير أمورهم الحياتية كما تقول وثق أن ألكثير من العلمانيين يؤمنون بالمقدسات ويحترمونها أكثر من المدعين الذين يرفعون شعاراتها،وما نراه ماثلا أمامنا دليل على ما أقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *