الرئيسية » مقالات » التفكير بدخول جحور الضِّباب

التفكير بدخول جحور الضِّباب

(1)
أمة أصيلة لولا…

لقد استبان لى أن أمتنا أمة أصيلة لها مقومات الخيرية لولا أن تستخدمها ولا تعطلها فهذه الأمة تتسم بالخيرية حين تنفع الناس ولا تعطل رسالتها يقول تعالى(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) آل عمران:110، وهذه الأمة تمتلك نموذجا للاقتداء، ولها مقومات الشهادة على الناس بما يتسق وإعلائها لقيم الحق والعدل والخير ولا عجب فهى رحمة للعالمين يقول تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء: 107، وجميل هو – قول نقتبسه من – الشيخ الغزالى حيث كتب : والعرب قبل محمد أو من غير محمد لا يزيدون عن قبائل أو شعوب تبحث عن رزقها فتجده بسهولة أو بصعوبة، أما بعد بعثته فقد تبدلوا خلقا آخر! لقد خرجوا من الظلمات إلى النور، وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور!

هذه الحقيقة الاجتماعية هدى إليها العلامة ابن خلدون بعد ما غاص في أعماق النفس العربية، وتابع السلطان السياسي للعرب مع اتساع الدائرة الإسلامية ودخول الناس في دين الله أفواجا..

لقد أكد أن العرب لا يقوم لهم ملك إلا على أساس نبوة ولا تنهض لهم دولة إلا على أساس دين، وأن الإيمان بالله وحده هو الذي ينظم ملكاتهم، ويصون مواهبهم، يجمع قواهم، ويوحد كلمتهم، ويجعلهم معمرين لا مدمرين، وحماة مُثُل لا أحلاس شهوات! انتهى.

ولا أعتذر عن قومى حيث انسلخوا من قيم الإسلام وتعاليمه فصاروا يتلفتون يبحثون عما لدى الغرب ينقلونه دون إعمال ذهن أيصلح لنا أم لا؟ أيناسب قومنا أم لا؟ أتنهض به أمتنا أم لا؟ ولقد تفننوا فى الشكل دونما مضمون، ويعجبنى قول الدكتور مصطفى السباعى: هاتوا لنا جميع الرسامين، والممثلين والمغنين والراقصات والراقصين، ثم احشدوهم جميعاً وانظروا هل يردون عنا خطر قنبلة ذرية، أو صاروخاً موجهاً؟… هل يشفي المريض المدنف باقة من الزهر أم حقنة من البنسلين؟ وهل يكفي الجائع لحن مطرب أم رغيف مشبع؟. وهل يسعد الفقير أن تزيَّن له جدرانه بالرسوم أم أن تهيئ له ما يحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟ رأيت في “أوديسا” على شواطئ البحر الأسود من بلاد الاتحاد السوفياتي مدرسة للنابغين من طلاب المدارس الابتدائية، أقيم فيها معرض، لما أنتجوه من آلات وقطارات وصناعات، فكم الفرق بين أمة توجِّه أبناءها للسيطرة على الحياة، وبين أمةٍ تشغلهم بأبسط ما في الحياة؟ وهذا ما تفعله الأمم التي تريد الحياة.

(2)
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه

كثير من الأمم أريد لها أن تسير فى الأرض سير البلهاء الذين لا يحسنون التمييز بين ما ينفعهم وما يضرهم حيث تأخذهم مدنية الغرب فتسحرهم ببريقها ومن ثم يصيرون صرعى أفكارها دون تمييز بين غث وسمين…يقول تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (آل عمران:137-138، ويبدو أن أحد أهم مشاكل المسلمين والعرب لا سيما فى مراحل الضعف الحضارى تأتى من شيوع التقليد، وغياب الوعي الجماعي، وانطفاء الفاعلية، في محاولة بعضهم التفكير بدخول جحور الضباب – حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه- التي تعيشها الحضارات الأخرى، واختزال التاريخ الحضاري، بعصر واحد، والانبهار بالطفرات الحضارية، أو الخداع الحضاري، واستبدال الذي هو أدني ، بالذي هو خير، والعجز عن إدراك الإمكان الحضاري، الذي تمتلكه الأمة المسلمة، لو تمثلت إسلامها، واستشرفت ماضيها، وأبصرت مستقبلها حقيقة…على حد وصف د.عمر عبيد حسنة وفى هذا الصدد نتفهم حديث النبى محمد صلى الله عليه وسلم : ” لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن !؟ ” ، رواه البخاري أو ذلك الحديث المروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك ؟ “رواه البخاري.

(3)
الأخذ والعطاء بميزان محسوب

الاختلاف بين الأمم أمر ضروري حتمته الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية التى تتحرك الشعوب فى فلكها أفرادا وجماعات…والاختلاف الايجابى يدعو إلى التجديد والإبداع والابتكار ويدفع الحياة الإنسانية إلى التطور والتقدم…ولا يتم ذلك إلا بضوابط لا تخطئها عيون الفاقهين منها الانفتاح المحسوب على الأمم الأخرى أخذا وعطاء دون تذاوب أو اندماج يلغى خصائصنا
بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا ولعقولنا ويتفق وتراثنا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية…فما بال أمتنا صارت تفكر بطريقة الدخول فى جحور الضباب؟!

(4)
نماذج توضيحية

* تغييب المصطلحات ذات الهوية الإسلامية واستبدالها بأخرى غربية المنشأ لأهداف تخريبية تسمى زورا استعمارية كاستبدال مصطلح الربا بمصطلحات غربية المنشأ كالفائدة والعائد، وكتسمية العمليات الاستشهادية ضد العسكر الصهاينة بعمليات انتحارية، وكاستبدال مفهوم ومصطلح الجهاد بمصطلح المقاومة، وكتسمية أسر العسكر الأمريكان فى العراق بالخطف فى مقابل تسمية خطف وزراء- مدنيين من- حماس من قبل العصابات الصهيونية فى فلسطين المحتلة بالاعتقال!!!

* بدلا من خلق آليات للشورى والتى هى مفهوم إسلامى أصيل صرنا نبحث لدى الغرب عن مرادف لها وهى آليات الديمقراطية لا سيما تداول السلطة وهو أمر محمود فى جانب تحقيق الحريات لكنه مذموم فى جانب آخر من حيث إغفال تراثنا وقيمنا ومراعاة الفروق والاختلافات بين الديمقراطية بمفهومها الغربى وبين الشورى بمفهومها الإسلامى ولا أعتذر أيضا عن قومى إذ إن كتابات المفكرين واستحداثهم لآليات يمكن تطبيقها ها هنا أمر يعوزه وسائل الظهور وحسن الدعاية والتسويق له.

* تغييب مصطلح أهل الذمة واستبداله بمفهوم المواطنة، وكأن أهل الذمة لا حقوق لهم، والمواطنة تكفل لهم حقوقهم؟!! ولو عقل القوم لعلموا أن المصطلح لا يلغى حقوقهم بله الدفاع عنهم.

* استحداث مصطلح صراع الحضارات بدلا من الامتداد الإنساني، والتعايش الإنساني الذى يمكن فهمه من قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

خاتمة وملاحظات

لسنا ضد الانفتاح على الآخر فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ولسنا ضد التعايش مع الآخر فهذا مطلب إنسانى وشرعى، ولسنا ضعفاء فنخشى الحوار أو نهرب منه، لكننا نريد أن نتمتع بالتحصين الثقافى(ولسنا بدعا فى هذا فالهند واليابان والصين تتمتع بتحصين ثقافى متفاوت الدرجات) فنحتفظ بهويتنا ونحن نسعى فى تحسس بناء نهضة لأمتنا حتى وان اشتدت الخطوب علينا، ونريد إذ عجزنا عن تصدير مفاهيمنا وقيمنا أن نحيا بها فى بلادنا بله أن ننطلق بها فى ميادين العمل والسلوك والتنشئة الأسرية وفى إعلامنا ومساجدنا ومنتدياتنا ذلك أن – على حد قول د. عمر عبيد حسنة- المفهومات والمصطلحات الإسلامية تشكل أوعية التفكير، وجذوع النسق الحضاري الممتد من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، وتمثل خلاصات لمعطيات الوحي والعقل معاً، إضافة لما لها من رصيد نفسي وثقافي، واختبار تطبيقي تاريخي يجعلها محل ثقة واستمساك… إنها باختصار تشكل ملامح حضارة الأمة، وقسمات شخصيتها، ومحصلات الفكر، وأبجديات قراءة الهوية، ومعالم الطريق…لذلك فأي تنازل عنها باسم الحداثة أو العصرية أو حتى مقاربتها بمصطلحات أو مفهومات الآخر هو تخل عن الذات وتوهين لقيم الأمة في تعاطيها مع الأمم الأخرى، وعدول عن الانتماء إلى الارتماء، والسقوط لصالح الآخر.

سيد يوسف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *