الرئيسية » مقالات » تدوين لزمن ضائع مجموعة الشاعر عباس خضر

تدوين لزمن ضائع مجموعة الشاعر عباس خضر


أيّها الشعراء
عند بجع أطراف الروح
مازال للماء
شمع أيام
لم يَطَلْها عود ثقابكم.
“عباس خضر”

إنتباهات موجزة وذكية، وملصقات صغيرة، هكذا تبدو قصائد الشاعر عباس خضر “مواليد عام 1973” كطوابع البريد ملونة. إضافة إلى بعض القصائد الطويلة مثل قصيدة “خمر لحزن الحمائم” وقصيدة “لا تخرج جثة اللهو”، و”على ضفاف الدانوب” وغيرها. إثنان وثلاثون قصيدة على مساحة أربع وتسعين صفحة صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهي المجموعة الأولى للشاعر، عنوانها “تدوين لزمن ضائع”. ولعل أول ما يكتشفه القاريء في هذه المجموعة هي العلاقة بين الشاعر ونتاجه، حيث تلتصق القصائد بعباس خضر وكأنها عمره ورفيقات رحلته في الزمان والمكان، ظله ومرآته، ربما هو ظلها أو غيمتها.
يقول د. حسن ناظم في تقديم المجموعة :
“هذه القصائد كتبت تحت طائلة براءات جمّة، براءة العمر، براءة الحسّ وبراءة الآهات، وفوق ذلك براءة اللغة. كل هذه البراءات جعلت من هذه النصوص – النصوص البريئة – ذات ميزة يتجاوز تفسيرها قصة الإحتراف، وعمق المعرفة والخبرة إلى ما هو أهم وأعمق”.
ولعل شعراء آخرين مثل إبراهيم عبد الملك وعبد الكريم هداد يميلون إلى هذا الرأي، مشيرين إلى أن أول ما يكتشفه القاريء هو صفاء القصيدة وصفاء الشاعر ذاته. لعلي أتفق مع هذا الرأي، لكنني لا أجد عذراً لبراءة اللغة في زمن لم يعد حتى الماء والهواء بريئين. فكيف نواجه لغة البيان العسكري والخبر السياسي والمقالة السيئة بلغة بريئة متوضئة نقية؟ كيف نواجه لغة صدئة مستفزّة بغيمة من الشاش الأبيض هي حسّ الشاعر وروحه، دون أن نهيء لها فرشاة حديد أو إزميلاً أو مبرداً، دون أن نهيء لها لغة شرسة؟
عليّ أن أعود إلى ما دوّنه عباس خضر بقصائده المبشرة لزمن ضائع، أعود بقصيدة تعتبر استثناءً في مجموعته كونها قصيدة غاضبة شاتمة ومحايدة أيضاً، هي قصيدة “سياسيون”. شكّلها ببراعة في لوحة تامة واضحة، ولكن على هيئة مواصفة يتطابق وإياها العديد من الملامح.

ينشرون العالم أمامي
مقسّماً على رقعة شطرنج
جنوداً، جنوداً
كلب أحمق
كلب مسعور
كلب دنيء
كلب وفي
لا تستغربوا إذن
إن نبح علينا العالم

هذه القصيدة أشبه بتجربة علمية واضحة النتائج. الفعل والثمار المرّة له، الخطيئة وآثارها فيما بعد. ولا تخلو القصيدة من إنذار لما ستؤول إليه الأمور وقد آلت بالفعل، وها هو العالم يصرخ فينا من كل جهات الأرض. هي قصيدة التوقع، قصيدة وضعتنا في دورق الإختبار ومُرّرنا في خطوات التجربة بإتقان.
أما قصيدة أسوار التي كتبها الشاعر بعد عامين من “سياسيون” وفي بيئة مختلفة تماماً على بعد أكثر من ألفي ميل من الأولى، فهي أكثر هدوءً وجرأةً. يتحدّث فيها الشاعر عن أسوار للكلام والحب وأبيه وله وللوطن وللسور، ولكل سور من هذه الأسوار مهمة يقمع فيها حركة أوفكرة.

سور للحب
لطي الحكايات سريعاً
سور للوطن
كي لا يستعيد ذكراه
سور للسور
كي نرجع إلى أول الفجيعة
هذه القصيدة هي سلسلة انتباهات وليس صورة عامة لما كان يجري في بلد الشاعر. هناك نظرة تفصيلية لحصارات عديدة ضمن سور هائل يحيط الكيان العراقي بكامله. يريد الشاعر أن يقول إن الإنسان لا يستطيع العيش والتحرك بحرية داخل السور الكبير بل إن هناك أسواراً تحيط بكل تفصيل من تفاصيل الحياة تصغر الرقعة داخلها حتى تصل إلى حد إن يوضع سور للفرد نفسه وسور لأبيه وآخر بين الفرد وحبيبته وسور للفكرة والحب، بل أسوار تخترق الإنسان نفسه.

القصيدة بين الإيجار والإستغراق
أكثر قصائد المجموعة قصيرة، تعتمد الفكرة الذكية والمفارقة. بعض هذه القصائد تشبه معادلة لمتكافئين متفقين أو متضادين. وهي في أغلبها موجزة ، متقنة وجزيلة العطاء، سوى بعض منها سيُمر عليها لاحقاً.
يضع الشاعر بعض قصائده القصيرة تحت عنوان كبير كقصيدة كاملة، ويضع بعضها تحت عناوين فرعية تتبع عنواناً رئيسياً مثل قصيدة “الأسئلة” التي تتفرع منها تسعة عناوين صغيرة وقصيدة “سيرة مبتسرة” تقف تحتها ثمانية عناوين، كذلك قصائد “نصوص لا تجمعها امرأة واحدة، إعترافات، تنويعات، جداريات وغيرها”. كل عنوان فرعي هو في حقيقة الأمر قصيدة تامة تحمل كل شروط القصيدة، رغم كونها موجزة، في حين يضع الشاعر قصائد أخرى لا تختلف ولا تقل عنها تحت عنوان رئيسي كبير. ولكثرة هذه القصائد يضطر الشاعر لأن يضع عنواناً واحداً لعدد منها هو عبارة عن قوسين ينغلقان على فراغ، إي لا عنوان. فتحت عناوين فرعية نقرأ قصيدة تقول :
أحبك
كوطن لا أطوله

ونجد قصيدة أخرى تقول :
خسائر العيون كثيرة
أولها : مسافة ما بين سطرين

أما قصيدة سؤال التي تحظى من الشاعر باستقلالها كقصيدة فتقول :
من سيشعل لي
سيجارتي
في الضفة الأخرى من الكون

القصائد الثلاث جامعها المشترك هو الفقد الذي دار في أذهان أغلب المبعدين عن أوطانهم، وكذلك الخسارة اليومية التي تقدم للمنفى. فحين يتساءل الشاعر عمن في الضفة الأخرى من الكون، فهو يفتقد كل ما في وطنه من أماكن وأصدقاء ومياه، وهو تساؤل بليغ وممض يومي تناوله مبدعون كثر كل بطريقته. ويكاد يكون الهاجس الأول في المنفى، يثير العديد من الصور والمقارنات والمفارقات، والمبدع وهو يثير هذا السؤال لا يشبع خسائره إلا وطن من الأصدقاء والأمكنة واللحظات، ينتقل معه إلى ضفة الكون الأخرى.
أما مطولات الشاعر عباس خضر فتحتاج قراءتها إلى جملة من الإستفتاءات من أجل لملمة الصور المتسربة والفكرة الغارقة في صخب هذه الصور، خصوصاً في القصيدة الأخيرة في المجموعة “على ضفاف الدانوب” التي حاول الشاعر من خلالها التواءم مع بيئته الجديدة، أو حاول أن يلتقط صورة مع واحدة من معالمها، لكن القصيدة نكصت في الطريق ولم تصل لا هنا ولا هناك.

الأسئلة نموذجاً
السؤال لدى المبدع هو فكرة كلما أعطي فرصة إكمال دورته الذهنية، كلما تخلص من ترهل الإسهاب. ومع الإيجاز تصبح الفكرة أعظم وأشمل. ولو ترك المبدع للسؤال أن يتحرك بحرية أكبر في مخيلته لصلدت وتبلورت فكرته ولقطف صورته ونحت ملامحه وصهرها بنفسه. ليس معنى ذلك أن هناك قصوراً ما في لغة الشاعر عباس خضر، بل هناك عجلة ونفاذ صبر وتوق لى التخلص سريعاً من القصيدة للتفرغ لإنجاز جديد.
في قصيدة الأسئلة، وهي عبارة عن حفنة تساؤلات موجعة وبليغة، يرسم الشاعر بعضها على عجل ويلقيها بلغتها الخام دون دربة في لوحة شاعرية مليئة بالصور. بعض هذه الإسئلة هي غاية في البهاء ووضوح الحس والعاطفة والرؤية، والبعض الآخر لا يبدو تام الوضوح رغم أن فكرة السؤال الضائعة أساساً تعد إبداعاً قلّ نظيره لو تأنت الفكرة وتخلصت الماسة من قشرتها القاسية. فلا أقل من أن يجهد الشاعر ذاته ليبدع أداة إيضاح فكرته وتجسيد صورتها واضحة، وهو هدف يستحق الجهد. فهذا البعض لم تنضج لغته تماماً، ولم تكتمل دورة الخَلق فيه إيجازاً ونسجاً متيناً.

كنموذج إيجابي يمكن إيراد سؤال الوطن :
أكلما
مددت كفي
تهبني سندات اعتماد المنفى
وكلما أسندت كتفي
تعتليني حقيبة

وكنموذج إيجابي آخر، سؤال الشاعر بإيجازه البليغ :
هل نشفت دموعك عرض الصحراء
أم بللتها النار

في الجانب الآخر يبدو سؤال الطريق مثل مفارقة مكرورة في أغنية فيروزية سُمعت وحفظت غيباً، تتحدث عن جدلية “ماذا أعطيتني وماذا أخذت مني”. الفكرة تتحرك على البون الشاسع بين العطائين. مثل هذه الفكرة المكرورة التي لا تحمل جديداً مبتكراً تمر على المتلقي دون أن تترك أثراً مهماً، دون صدمة أو بهجة أو دهشة، وقد سبقت إليها قبل سؤال عباس خضر أغاني حب قديمة ونوافل قول وأمثلة شعبية ملأت الحياة. لذلك أزعم أن سؤال الوطن لم ينجح في أن يكون قصيدة وجع مبتكر مثلما هي قصائد “وصية، شتاء، الحكاية، سؤال، أسوار وقصيدة سياسيون” وقصائد أخرى في المجموعة تتربع على عرش لغتها فاتنة مكتملة صلبة تسجل سبقاً إبداعياً يضيف ما سيضيفه إلى التراكم الجمالي في تراثنا الفني، يصيب بالعدوى الجمالية مبدعين ومتلقين ومحبي تراث وفن.
مرحا للشاعر المبشر عباس خضر.
سنترك الباب مفتوحاً بانتظار قصائد جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *