الرئيسية » مقالات » فلسفة الموت

فلسفة الموت

من الأفكار التي عذبت الإنسانية باستمرار فكرة الموت وانتهاء الحياة .
فكل إنسان يسأل نفسه : لماذا جئت إلى الدنيا ؟ ولماذا منها أذهب ؟
ما هو الهدف من هذا البناء وهذا الهدم ؟
أليس هذا العمل لغوا ً لا فائدة منه ؟
وينسب إلى الخيام قوله :
((لقد ركب الكأس بهذا الشكل الرائع ..والشارب لا يرى كسرها أمرا جائزا ً..
فلماذا خلقها ؟ ثم لماذا يسلط عليها الفناء ؟ ))
فالخوف من الموت والنفور منه كان إحدى العلل الدافعة نحو تكوين الفلسفة المتشائمة . والفلاسفة المتشائمون يتصورون الحياة والوجود بلا هدف وخالية من الفائدة وعارية عن الحكمة وقد أوقعهم هذا التصور في لجج الحيرة والاضطراب وأحيانا ً ألقى في أعماقهم فكرة الانتحار .
وهؤلاء يفكرون بأنه إذا كان لابد من مفارقة الحياة فلماذا جئنا إليها ؟
والآن وقد حملنا إليها اختيارنا فإنه من الواجب علينا وضع حد لهذا العبث ، وبوضعنا حدا ً لهذا نكون قد حققنا عملا ً ضخما ً.
وينسب إلى الخيام قوله :
( لوكان مجيئي بختياري ما جئت ..ولو كانت صيرورتي بأمري ما صرت )
ان الموت من مختصات الإنسان . فالحيوانات لا تفكر في الموت . وما يوجد في الحيوان إنما هو فقط غريزة الفرار من الخطر والرغبة في حفظ الحياة الحاضرة . ومن الواضح أن الرغبة في البقاء بمعنى حفظ الحياة الحاضرة لازمها مطلق الحياة ، ولكن الإنسان بالإضافة إلى هذا فهو يطمح إلى المستقبل وإلى البقاء فيه .
وبعبارة أخرى فإن الإنسان له الأمل في الخلود وهذا من مختصاته والأمل فرع لتصور المستقبل ، والأمل في الخلود فرع لفكرة الأبدية وهذا التفكير والتصور من مختصات الإنسان ايضا ً .
فعلى هذا يكون خوف الإنسان من الموت والذي يجعل فكره مشغولا ً لا بد أنه دائما ً يكون شيئا ً متميزا ً من غريزة الفرار من الخطر التي ليست شيئا ً سوى رد فعل آني ومبهم يقلبل فية كل حيوان الخطر الذي يواجه.

والطفل الإنساني أيضا ً وقبل أن ينبعث في نفسه أمل الإقدام على الأشياء التي تتسم بالخطر .
فالنفور من الموت إذن وليد الرغبة في الخلود ، وبما أنه لايوجد في الطبيعة رغبة لا هدف منها ، فنستطيع حينئذ أخذ هذه الرغبة دليلا ً على بقاء الإنسان بعد الموت .
وبما أننا نتعذب من فكرة العدم فهذا بنفسه دليل على أننا سوف لن ننعدم .
فلو كنا مثل الأزهار والنباتات نعيش حياة مؤقتة ومحدودة لم توجد في أعماقنا الرغبة في الخلود بصورة رغبة أصيلة .
إن وجود العطش دليل على وجود الماء بل إن وجود كل رغبة واستعداد أصيل لدليل على وجود الكمال الذي تتجه إليه تلك الرغبة وذلك الاستعداد .
فالألم والأمل اللذان يشعر بهما الإنسان تجاه الخلود واللذان يجعلانه مشغولا ً بنفسه ، إنما هما تجليان لحقيقة رفض الإنسان للعدم . وهذه الآلام والآمال دالة دلالة الرؤى في النوم على ما يشاهده الإنسان في اليقظة .
فما يظهر في عالم الرؤية أثناء النوم هو تجل لحالات عالم اليقظة التي انسلت إلى أرواحنا ورسخت فيها . فكذلك ما يظهر في عالم اليقظة من أمل الخلود مما لا يتجانس مع حياتنا المحدودة إنما هو تجل لواقعنا الخالد الذي شئنا أم أبينا.

امريكا . ميشغن

تعليق واحد

  1. واللة لا اعلم ان كان لك ند في هدا الزمان باركاللة فيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *