الرئيسية » مقالات » رسالة مفتوحة

رسالة مفتوحة

السيدة الفاضلة رحاب الهندي
تحية طيبة
قرأت مقالكم الموسوم “حين عشقني زوجي” المنشور على صفحات موقع الحوار المتمدن الإلكتروني برقم 2100 وبتاريخ 15/11/2007. المقال يتحدث عن زواج امرأة بدأ بالحب أثناء الدراسة وكان عرساً جميلاً ومفرحاً. دام الزواج المليء بالتفاهم والسعادة عشر سنوات ثم ولج الزوج درباً آخر ليبث شجونه وحبه لفتيات أخريات عبر الإنترنيت. فكانت الخيبة كبيرة , إذ كان يتركها لوحدتها وينشغل بالأحاديث مع فتيات ومن ثم مع امرأة واحدة بشكل خاص يبثها حبه. تسأل هذه المرأة التي تبث همها المرهق لكم لعلها تجد لديكم ما يساعدها على استعادة حياتها الزوجية الاعتيادية. وفي العالم الذي نعيش فيه الكثير من الخيبات الزوجية والآلام التي تتسبب بها تصرفات الرجال , لا شك في ذلك , ولكن هذا لا يعني الجنون بأي حال , بل يعني وجود علة أو علل يفترض معالجتها.
لا شك , سيدتي الفاضلة , في أن من يجيب عن أسئلة أصحاب المشكلات الزوجية يفترض أن يمتلك المعرفة العلمية والخبرة الحياتية التي تساعده على ولوج درب تقديم الإرشادات أو المقترحات التي يمكنها بهذا القدر أو ذاك إعادة الزوجين إلى جادة الحياة الزوجية أو إنهاء الزواج بما لا يحمَّل المرأة أو الرجل عذابات إضافية. ليس من حقي أن أطلب منكم أن تجيبوا بالضرورة بما يغيث المستغيثة التي استنجدت بكم , فهو حقكم فقط. ولكن من حقي أن أناقش أفكاركم التي وردت في مقالكم والتي وجدت أنها تستوجب النقاش.
تبدأين سيدتي الفاضلة بالنص التالي:
“في عالمنا النصف المجنون هذا والنصف العاقل كتبت إحدى القارئات تسألني إذا كان اختيار الزوج بلا اختيار هو الدخول إلى مستنقع الزواج .. فيا عزيزتي، الزواج برمته مستنقع كبير سواء دخلنا فيه باختيارنا أو أجبرنا عليه كسيدات أو رجال. وقد تكون نسبة معاناة المرأة هي الغالبية لان الرجل يملك حريته في الهروب من هذا المستنقع وقتما يشاء، يتنفس قليلا ثم يعود إلى موقفه ليس اهتماما بالزوجة أو الأولاد بل شكلا من الأشكال المحافظة الاجتماعية”.
(راجع: الهندي , رحاب. حين عشقني زوجي. الحوار المتمدن. العدد رقم 2100 بتاريخ 15/11/2007).
من حق الإنسان أن ينطلق في طرح تجربته الشخصية أو أن يعرضها للمناقشة أو قضايا أخرى عاشها جرت لمجموعة من النساء والرجال حيث عاشوا حياة مليئة بالآلام والمآسي الشخصية بسبب عدم الانسجام والاختلاف والتدخل العائلي أو الفقر وما يجلبه معه من مشكلات عائلية أو مجمل الوضع الاجتماعي. ومن المحتمل أن تكون هناك حياة زوجية معقدة ومليئة بالأحزان. ولكن السؤال العادل هو : هل من حق الإنسان أن يعمم تلك الحالات ليقول أن نصف العالم مجنون ونصف العالم عاقل , هل النصف العاقل هو المرأة أم هو الرجل أم موزعة مناصفة بينهما؟ هل من المعقول أن يقول كاتب أو صحفي بكامل وعيه “أن الزواج مستنقع كبير للمرأة والرجل على حد سواء” , أو هو أسوأ للمرأة لما لدى الرجل من أفضليات التحرك في المجتمع؟ السؤال هنا : هل من حق أي كاتب أن يطلق مثل هذا التعميم المطلق على العالم كله حتى لو كانت لديه تجربة قاسية؟ ليست الحياة الزوجية بين المرأة والرجل مستنقعاً , سواء أكانت مراسيم الزواج مدنية أم كنسية أم بحضور شيخ دين أو إمام , أو علاقة يقررها شخصان يعيشان معاً دون عقد زواج , كما يحصل اليوم في غالبية دول العالم الغربي بصورة طبيعية , فتعبير المستنقع لا يعني سوى الدناءة والرذيلة والبؤس والفاقة والانحطاط الكامل؟ إنه تعبير عن انهيار كامل في العلاقة بين المرأة والرجل إلى حد أنهما يعيشان في مستنقع!
لا أرى بصواب هذا الأمر , رغم المعاناة التي تعيشها المرأة الشرقية , سواء أكانت مسلمة أم مسيحية أم من أي دين آخر. وهي لهذا السبب تناضل في سبيل حقوقها ومن أجل حياة أفضل , وفي نضالها من أجل حقوقها تناضل من أجل تغيير العلاقات الاجتماعية , وكثرة من الرجال يشاركونها في ذلك.
لا شك في أن الزواج الذي يفرض على امرأة من قبل عائلتها لأي سبب كان هو زواج خاطئ , رغم أنه يحتمل العيش والتفاهم فيما بعد أو يحتمل الاختلاف والطلاق أو التباعد حين لا يرفض الدين الطلاق , كما هو لدى الديانة المسيحية الكاثوليكية. ولكن الزواج الذي يقوم على أساس الاختيار الحر , كما هو في حالة السيدة صاحبة المشكلة التي عرضتموها على القراء , فقد كانت حياة زوجية ناجحة طيلة عشر سنوات , وهي فترة ممتازة. والكثير من الزيجات تمر ابتداءً من السنة السابعة تقريباً بحالة معقدة وفترة عصيبة لأسباب كثيرة يمكن تجاوزها بحكمة وصبر , ولكنها يمكن أن تنتهي بالطلاق أو الافتراق. والاختلاف والخصام يمكن أن يحصل في العائلة الواحدة وبين الأخوة والأصدقاء ولأسباب كثيرة , وهي مأساة شخصية ولكن لا يجوز تعميمها. فمن غير المعقول أن تقولوا سيدتي المحترمة , سواء أكان الزواج باختيار أو بدون اختيار , يبقى مستنقعاً كبيراً لا يمكن تحمله. إن من يقرأ هذا المقال تبدو له وكأنها دعوة لما يسمى بالزواج المثلي , وهو حق متروك للمرأة والرجل في آن. ولكن هذا لا يختلف بدوره عن أي زواج آخر قابل لأن يكون مليئاً بالسعادة أو بالخذلان والبؤس والافتراق , وهو ما يجده الإنسان في الغرب بشكل عام.
أنتم سيدتي لم تقدمي لنا نصيحة أو إرشاداً أو رؤية للمشكلة التي تعاني منها السيدة التي واجهت إهمالاً من زوجها وتحولاً نحو شخص آخر لا يعرفه بل عبر الإنترنيت , وكانت في النهاية زوجته ذاته. وليس المطلوب منكم تقديم النصح ما دمتم غير راغبين فيه أو غير قادرين عليه. ولكني فوجئت بالحكم المطلق غير الواقعي وغير العقلاني الذي وجد تعبيره في مقالكم , لأنه لا يمس الزواج فقط , بل يمس من حيث المبدأ أي علاقة بين امرأة ورجل , أو حتى غير ذلك. أنكم أحرار في ما تقررونه لنفسكم , ولكنكم ليس مطلوباً منكم التعميم.
إن الحالة التي تمر بها السيدة المذكورة تعكس وجود أزمة في حياتهما الزوجية. فما هو سبب هذه الأزمة؟ وهل يمكن معالجتها , أم أنها صلت إلى طريق مسدود؟ وفي الحياة يمكن أن يحصل ذلك كثيراً في عالم يقترب عدد سكانه من 7 مليار نسمة.
يعرف كل منا حالات من هذا النوع من الزواج , وهي مؤسفة , ولكن يعرف كل منا أيضاً حالات كثيرة لحياة زوجية سعيدة ومفرحة ومبهجة. كان المفروض سيدتي الفاضلة أن تفكري مع المرأة بأسباب الخيانة الزوجية , وفي الغرب , كما في الشرق يمكن أن تحصل من الطرفين , رغم حصوله من الرجل في الشرق عشرات المرات أكثر من المرأة الشرقية. ولكن ما هو السبب أو الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة؟ ليست رغبتي أن أبرر هذه الخيانة الزوجية فهي مرفوضة. ولكن فرضنا أو قبولنا بالخيانة الزوجية لا يغير من الأمر شيئاً , بل يفترض فينا أن نبحث في عمق وأبعاد المشكلة , أن نلج في واقع المجتمع وفي مكوناته الثقافية والدينية والأخلاقية والعادات والتقاليد وما إلى ذلك لكي نستطيع أن نعرف الخلفية أولاً , كما أن علينا أن نتعرف على مدى إمكانية المرأة والرجل على تجديد وتغيير نمط حياتهما , إذ أن الاعتياد وعدم الاهتمام بالنفس والجمال والملابس وما إلى ذلك يدفع بالرجل أو بالمرأة إلى عدم الارتياح ويبدأ كل منهما بالنظر إلى الغير ثانياً , كما أن علينا أن نتعرف عن مدى تدخل العائلة في الحياة الزوجية والعواقب التي يمكن أن تترتب عن ذلك ثالثاً.
لقد قررت سيدتي الفاضلة أن لا تساعديها , بل مقالتكم تدعوها إلى عدم خوض تجربة المراهقة الجديدة عمليا مع زوجها حين سميتِ الزواج كله مستنقعاً كبيراً لا يحتمل , حين تقول : ” لقد فقدت إيماني بالحب وبالصدق وبكل أنواع التضحية وأنا أتساءل ما الذي يدفع زوجي إلى مثل هذه التصرفات وهو الرجل العاقل المتزن أمام الناس، وأنا الزوجة الحبيبة التي لم أقصر معه أبدا في كل أوقات حياتنا سويا.. هل هي دورة مراهقة أخرى ممكن، إذن لتكون مرحلة مراهقة جديدة نلعبها سويا! هكذا قررت”.
لم تجد السيدة أي تغيير في تصرفاتها , بل هي تحبه. ولكن هل يمكن أن يكون هذا دقيقاً حين تقول “لم أقصر معه أبداً بل أحبه” , لِمَ هذا الإطلاق , ألا يمكن أن تعيد النظر بتصرفاتها أو تدرس أسباب ابتعاده عنها وتعلقه بها عبر الإنترنيت؟ المفروض أن تقوم بذلك , وربما تغير هو , ولكن من الواجب تفحص كيف ولماذا تغير؟ لا زال في الإمكان تقديم النصح إليها في أن تكاشف زوجها حول مشكلتها ووحدتها , ولكن ليس بالضرورة اتصالاتها به عبر الإنترنيت , أن تسأله عبر الإنترنيت لم يريد علاقة مع امرأة أخرى ويرفض زوجته بعد أن تسأله إن كان متزوجاً …هلمجرا..
أقول سيدتي الفاضلة إن مقالتك فيها شكوى من الحياة الزوجية , ولكن هل من بديل غير عدم الزواج , وهل عدم الزواج هو النموذج المناسب لكل الناس من نساء ورجال؟ لا أرى ذلك , ولهذا فأن الزواج وعدم الزواج هي قضية خاصة تعود للشخص ذاته وليس للمجتمع كله , ولكن واجب الباحث والكاتب والصحفي معالجة الظواهر المختلفة بما في ذلك بؤس الزيجات أو غناها , لا لكي يلعنها ويرميها في مستنقع كبير , بل لكي يعالج الزيجات السلبية ويغني الغنية منها.
15/11/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *