الرئيسية » مقالات » مع الدكتور محمد صديق الجليلي وقصة اللقاء الاول !!

مع الدكتور محمد صديق الجليلي وقصة اللقاء الاول !!

مركز الدراسات الاقليمية –جامعة الموصل


محمد صديق الجليلي (1903 ـ1980) ، واحد من الشخصيات الموصلية التي كان لها دورها في تشكيل المشهد الثقافي والعلمي في مدينة الموصل ، بل وفي العراق كله .. كتبت عنه اكثر من مرة ، وفي اكثر من مكان .. وهو ينتمي الى الاسرة الجليلية التي تولت حكم الموصل بين سنتي 1726 ـ1834 . فضلا عما قدمه عدد من ابناء الاسرة في مجالات الادب والتاريخ والطب والثقافة .. ولد في 20 تشرين الاول سنة 1903 ، واكمل دراسته الابتدائية والثانوية بالموصل والتحق بدائرة البحث والتنقيب في كلية Pepoles في مدينة كنساس بالولايات المتحدة الامريكية ، وهناك اكمل دراسته الجامعية وحصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في العلوم من هناك .
عاد الجليلي الى الموصل وآثر عدم دخول الوظائف الحكومية متجها الى ادارة املاك اسرته ، والانصراف الى النشاط الاجتماعي والثقافي . وفي سنة 1931 انتخب عضوا في المجلس البلدي ، وبين سنتي 1931 و1977 ترأس جمعية التراث العربي في الموصل . كما كان عضوا في جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين . . وقد ارتبط بصلات علمية مع كتاب ومستشرقين كثيرن . وحرص في كل عمل قام به على ابراز ( شخصية الموصل الحضارية)
و(دورها الفاعل عبر التاريخ) .
له مؤلفات وتحقيقات كثيرة ، فمن مؤلفاته ( المقامات الموسيقية في الموصل) 1941 و(التراث الموسيقي في الموصل) 1941 و(الاصطياف في حمام العليل) . كما حقق كتاب ( الحجة على من زاد على ابن حجه) لعثمان الحيائي الجليلي 1937 و (غرائب الاثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر) لياسين العمري 1940 وكتاب ( حسن عبد الباقي الموصلي 1966) . كما ترك عشرات المقالات والبحوث في التاريخ والفلك والتراث نشر معظمها في مجلات عراقية وعربية
الذي يهمنا هنا الاشارة الى انني كثيرا ما التقيته في بيته أو في مكتبة الاهالي بشارع النجفي وقد تحدثت معه كثيرا وحضرت مجلسه ، وكان انسانا نبيلا وباحثا متميزا واول صلة لي به كانت اثناء شروعي بكتابة رسالتي للماجستير عن ولاية الموصل 1908 ـ 1921 منذ اوائل السبعينات من القرن الماضي .. واتذكر انني سعدت بمعرفته ، وافدت منه كثيرا ، فلقد كان رحمه الله موسوعة في تاريخ الموصل وتراثها ، وعلى معرفة عميقة بشخصياتها وقادة الفكر والادب فيها . كما ارتبط برؤساء الاصناف الشعبية الموصلية ، وكان على صلة قوية بهم واحتفظ بذاكرته بمعلومات قيمة عن نشاطاتهم المهنية والاجتماعية وحتى السياسية ..
في الحادي والعشرين من حزيران 1973 زرته عصرا في داره لاول مرة وجرى الحديث حسبما دونت ذلك في اوراقي عن ما يسمى بت( طابور ابو شخاطة) ، وقد قال عن هذا الطابور : ((في 26 آب 1914 ، ووقت صلاة العشاء تجمع الجنود الموصليون في الجانب الايسر عند الجسر القديم لاجل السفر الى حلب والغاية من تجمهرهم هناك حتى لايعلم اقاربهم بموعد سفرهم وحتى لاتحصل ضجة في المدينة ، لكن الخبر سرعان ما وصل فاخذ الناس بالمجيء الى المكان لرؤية ابنائهم ولما كان الوقت ليلا ، فقد اخذ الناس باستعمال الشخاط لتمييز ابنائهم واخوتهم لذلك سميت القوة العسكرية التي خرجت من الموصل للمشاركة في جبهات القتال الغربية مع الجيوش العثمانية بـ ( طابور ابو شخاطة) وهو الطابور الخامس والثلاثين وكان من ظياطه (محمد افندي الخيرو) الموصلي وناطق افندي حفيد الشاعر عبد الغفار الاخرس . وقد رافق اطلاع الناس على اولادهم ضجة وبكاء وعويل النساء وقد تحرك الطابور الى حلب عن طريق فيشخابور)).
في الزيارة نفسها زودني بسجل مخطوط يتضمن تواريخ وفيات عدد كبير من الشخصيات الموصلية باليوم والشهر والسنة ، والسجل دقيق جدا ومفيد للباحثين في تخصص التاريخ الموصلي الحديث وقد رجعت اليه كثيرا كما افاد منه العديد من طلابي ..
وقد اهداني كذلك كراس بعنوان: ((التقويم الشمسي العثماني المسمى بالسنين المالية الرومية)) والكراس مستل من المجلد الثالث والعشرين من مجلة المجمع العلمي العراقي (1973). وفي هذا البحث يقول بأن الذي كان مستعملا في العهد العثماني هو التقويم الهجري القمري ، الا ان الدولة اتخذت في عصورها الاخيرة نوعا من التقويم الشمسي سمي بالسنين المالية الرومية وفي الحقيقة ان احدا من متخصصي التاريخ العثماني لايستطيع الاستغناء عن كراس الجليلي . والسبب ان الدولة العثمانية استعملت السنوات المالية الرومية في سائر شؤونها وارخت بموجبها سائر المخابرات الرسمية والوثائق وقيود الطابو وسجلات النفوس والحوادث التاريخية والسالنامات ( الكتب السنوية) التي كانت تصدر في الدولة العثمانية وعلى مستوى الولايات ومنها على سبيل المثال سالنامات ولايات الموصل وبغداد والبصرة وغيرها .
وقد وضع الدكتور الجليلي في هذا الكراس جدولا لجميع السنين المالية الرومية من سنة 1256 مالية رومية أي 1840 ميلادية ، وحتى سنة 1391 ماليو رومية أي 1975 م والتي تقابل سنة 1395هـ .
لقد خرجت من مقابلتي للدكتور محمد صديق الجليلي بعد ساعات وانا سعيد بمعرفتي لهذه الشخصية الفريدة وحينما جاء الموصل استاذي الدكتور فاضل حسين صاحب كتاب (مشكلة الموصل) المعروف ، طلب مني مرافقته لزيارة الدكتور الجليلي وبعد انتهاء الزيارة قال لي الاستاذ الدكتور فاضل حسين ، ان الحضارات كثيرا ما تبنى بمثل هؤلاء الرجال ، فهم مخلصون وجادون وحريصون على ان يقدموا لبلدهم كل ما من شأنه ابراز قيمة هذا البلد وتأكيد دوره الانساني ودون ان ينتظروا أي مقابل لما يقدمونه .. رحم الله الجليلي وجزاه خيرا على ما قدم وقمين بأبنائنا واحفادنا ان يطلعوا على سير اولئك الرجال ليفيدوا منها .
المصدر :منشور في جريدة فتى العراق (الموصلية )في عددها 187 الصادر يوم 4 تشرين الثاني 2007 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *