الرئيسية » مقالات » جواد علي.. لا غرابة من إهمال مئويته!

جواد علي.. لا غرابة من إهمال مئويته!

عاش العلامة جواد علي ثمانين عاماً (1907-1987)، قضى أربعين منها في تصنيف سِفره «المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»(عشرة مجلدات ضخام)، أي نصف عمره. هذا هو العالمِ، لا يعد ساعات العمل ولا ينتظر الجائزة. كتب في المقدمة قائلاً: «أديته بعد تعب لا أملك أكبر منه». ظل مؤرخنا منصرفاً للعلم فحسب، وهو مجال على صاحبه ألا يُخالطه بشغل آخر. يرى المعتزلي إبراهيم النظام (ت بين 221 –231هـ): «العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك»(تاريخ بغداد). أربعون عاماً انقضت في كتاب واحد، وبقية العمر في كتب أخرى وتدريس. ووسط هذا الشغف لم يبق لجواد علي أمنية في مركز أو وزارة، وكانا بين يديه. لهذا تأخذني الريبة بمَنْ ينط على المراكز، ولا يكل عن البحث عما هو أثمر وأنفس، في برلمان أو وزارة، ويطرح نفسه عالماً؟

كتب المحقق جليل العطية عن لقاء قديم له بالمؤرخ، بأن رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) بعث لجواد علي، وعرض عليه تمثيله لدى الرؤساء والملوك في قضية فلسطين، التي كان عبد الكريم مهتماً بها، وعلى الخصوص أنه خاض حربها 1948. إلا أنه قدم اعتذاره مكتفياً بتقديم تقرير وافٍ مفاده: «أن القضية الفلسطينية عادلة، والشعب الفلسطيني مظلوم لاشك في ذلك». وكان الاعتذار لهمه في العلم لا غير: «كنت ولم أزل بعيداً عن السياسة، والتحزب، لقناعتي بأنني خُلقت للعلم. والتجربة السياسية الوحيدة التي خضتها في حياتي تأييدي لحركة 1941»(جريدة المؤتمر، العدد 289).

أجد في حياة هذا العالم درساً لمَنْ يدعون أنفسهم علماء وخبراء والطائفية تذري من أجسادهم، لا حباً بطائفة وإنما حباً بالوجاهة عن طريق حشد الجموع. جواد علي من أهل الكاظمية درس في مدرسة الإمام الأعظم (أبوحنيفة). وكان استاذه ومرجعه العلمي طوال حياته هو الفقيه والأديب محمد بهجت الأثري (ت 1996)، وهو الذي اقترح له أن يوسم كتابه بعنوان «المفصل… »، وظلا متلازمين حتى وفاة التلميذ (1987). هناك الكثير ممايُقال حول جواد علي، الذي عرفه القاصي والداني برسالته العلمية بجامعة (همبرك) «المهدي المنتظر عند الشيعة الأثني عشرية (1938) وبـ«المفصل… »، و«تاريخ الصلاة في الإسلام»، وبعضويته في المجامع العلمية. ولعله كان أول الحائزين درجة استاذ متمرس بجامعة بغداد.

إن نسيان، أو تناسي، مناسبة مثل مئوية المؤرخ جواد علي تعلمنا أكثر من أمر: منها تصفية وزارة الثقافة يوم سلمت قيادتها إلى المتطاحنين طائفياً، بين جهل وغرور وطاووسية فارغة. قيادة صعب عليها الخروج من القمقم، ولم يكن وضعها الحالي بعيداً عن تحويلها إلى دائرة مناسبات، ليس لجواد علي محل فيها. ومنها أيضاً محاولة إحلال ثقافة أخرى، لا تنتج بحثاً وشعراً وعلماً، بقدر ما تكرس وسائل تغييب العقل، والإيغال في التجهيل، إلى أبعد حدوده. ثقافة ليس فيها برزخ بين الأصيل والطارئ، بين ما ينتجه الشارع تحت ضغط الحياة، وإرث الفترة السابقة، وتحت توجيه الفقيه، الذي يمتلك باسم الدين السطوة على العقول. ومثلما كان لا صلة بين جدران وزارة الثقافة وصور القائد الضرورة غدا نشازاً أن تحاط وزارة (الفنون والآداب) بصور لا يُراد منها سوى الهيمنة، مع اختلاف غطاء الرأس.

أقول: لا عتب على مثل هذه الوزارة، التي من المفروض أنها وزارة من نوع آخر، تتعامل مع الإبداع الفكري والأدبي والفن! ولا عتب أيضاً على فضائيات عراقية، ولا قيادات كيانات لم تسمع بجواد علي فالزمن ليس له ولأمثاله، ولا أجده حزيناً في قبره فهو لم ينتظر مديحاً أو ثمناً على صرف نصف عمره في كتاب واحد، وسيشمئز من اطلالة (علماء) العصر و(مفكريه)، ومن شهادات الدكتوراه التي يمنحها المذيعون جزافاً، عند مقابلة أو تصريح، لتصبح شهادة معترفاً بها في الوزارات والبرلمان. جواد علي، المطبوع بالعلم، غير هؤلاء، فمِنْ الحق، وتحصيل حاصل، أن يُنسى أو يغفل! ولولا بقية باقية من أهل الثقافة، المغلوب على أمرها والمنكفئة على ذاتها، ما ذُكر علي الوردي (ت 1995)، ولا محمد مهدي الجواهري (ت 1997).

أزمة الثقافة العراقية معقدة، ليست كبقية الأزمات، وعقدتها بخراب من نوع آخر، وهو اختلاط المفاهيم وضياع المقاييس، بين الثقافة والشعوذة، وصناعة الأدب وصناعة الخرافة، بين وصايا زيارة المراقد، وبكائيات المواسم، وعذاب القبور، ووصايا البحث العلمي. أرى أنها خلطة عجيبة لا يستغرب فيها إهمال مئوية صاحب «المُفصل… »!

الشرق الاوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *