الرئيسية » مقالات » جدلية الالتزام في فهم النص الشعري

جدلية الالتزام في فهم النص الشعري

شاع في الأدب العربي ان أعذب الشعر أكذبه، والسماء ثنت على المقولة بنص القرآن: “والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون) سورة الشعراء: 224-226، ويستثني من هؤلاء في الآية التالية: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعدما ظُلموا)، وتواتر عن النبي محمد (ص) قوله: (إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا)، لكن القرآن الكريم يصف من يقول هذا الكلام الحلو في الشعر: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) سورة يس: 69.
نصوص مقدسة وأخرى تراثية يؤكدها واقع الحال، تبدو للوهلة الاولى أنها تقع في خطين متوازيين لا يلتقيان، بينهما برزخ من الحرمة والكراهية لا يبغيان، بيد أن واقع الحال يؤكد في الوقت نفسه أن أدوات الشعر لدى الشعر الصادق هي عينها لدى الشعر الكاذب، والأمر متروك للشاعر وخلجاته في توظيف هذه الأدوات في الخير والشر، في المدح والقدح، في الثناء والهجاء، ولعل الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري (ت 54 هـ) أصاب كبد الحقيقة حينما رد على من أعاب على شعره في الإسلام واتهم قوافيه بالهرم والليونة، بقوله: “إن الإسلام يحجز عن الكذب وإن الشعر يزينه”، فالمائز بين الشعر الواقعي عن غيره، هو جادة الكذب ومقدار اقتراب أو ابتعاد الشاعر من رصيف الجادة.
فالإسلام لم يمنع الشعر بل شجع عليه وصرفه في وجهات الخير والمعاني السامية، وإذا منعه على صاحب الرسالة الإسلامية، فلأسباب عدة أهمها دفع شبهة الشعر عن القرآن المنزل من قبل السماء، فانه لم يمنعه عن أهل بيته وحملة الرسالة، وكانوا أهله ورجاله، ولضلوعهم في الأدب العربي وبلاغته أن كانوا على مقدرة كاملة لتمييز الشعر الغث من السمين، وفي مرة حار الناس في معرفة أشعر العرب، فتوجهوا بالسؤال الى الإمام علي (ع) لما عرفوا منه قوة بلاغته وجزالة كلامه وسمو ما نسب إليه من شعر، فأجابهم: “إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها، فإن كان ولابد فالملك الضلّيل” و يريد به الشاعر امرئ القيس (ت 85 ق. هـ)، فمن يملك القدرة على تعيين أشعر الناس، يعني تملكه من الشعر وأدواته.
وهذه حقيقة ثابتة تحققت عند أئمة أهل البيت (ع)، لكن الخلاف وقع في نسبة الشعر إليهم، لان الشعر جزء من القول الذي يعتبر حجة فيما إذا ثبتت نسبته الى المعصوم، ولما كانت دائرة المعارف الحسينية، قد تبنت التحقيق بكل ما يخص النهضة الحسينية وصاحبها الإمام الحسين (ع)، فان المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، في الجزء الأول من “ديوان الإمام الحسين” الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 414 صفحة من القطع الوزيري، بحث في حقيقة الشعر المنسوب الى الإمام الحسين بن علي (ع) المستشهد بكربلاء المقدسة في العام 61 هـ.

بيئة ودواوين
كانت البيئة الأسرية التي ولد فيها الإمام (ع) تنطق بالشهد من الكلام نثرا وشعرا، فجده من أمه النبي محمد (ص) كان أحكم الناس وأبلغهم وهو القائل عن نفسه وهو الصادق الأمين: (أنا خير من نطق بالضاد .. أنا أفصح العرب)، وجده من أبيه أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب (ت 3 ق.هـ) كان شاعر العرب في الجاهلية والإسلام، وينطق شعره عن بلاغة وفصاحة، وأما أبوه علي بن أبي طالب (ت 40 هـ) فهو القائل عن أدب أهل بيت النبوة وبلاغتهم: (ألا وإن اللسان بضعة من الإنسان، فلا يسعده القول إذا امتنع ولا يمهله إذا اتسع، وإنا لأمراء الكلام، وفينا تنشّبت عروقه، وعلينا تهدّلت غصونه)، وينبيك خطابات أمه فاطمة الزهراء عن بلاغتها.
في مثل هذه الأجواء الأسرية ولد الإمام الحسين (ع) ونشأ، وحسب المؤلف: “عاش الإمام في بيئة تستذوق الشعر وتمارسه إنشاءً وإنشاداً وعايش أحداثا وحروبا كان للشعر فيها دور كبير سواء الفخر منه أو الحماسة أو السياسة”، والى جانب الأسرة كانت البيئة الإجتماعية غنية بشعراء كبار أمثال حسان بن ثابت، والحطيئة جرول بن أوس العبسي (ت 59 هـ)، والمتوكل بن عبد الله الليثي العامري (ت 64 هـ)، والنابغة الجعدي حسان بن قيس العامري (ت نحو 50 هـ)، وأبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو الكناني (ت 69 هـ)، ويزيد بن مفرغ الحميري (ت 69 هـ)، وعبيد الله بن قيس الرقيات العامري (ت 75 هـ)، وأعشى همدان عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني (ت 83 هـ)، وغيرهم من هؤلاء الشعراء الذين يصفهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) بأنهم “أمراء الكلام”، هؤلاء الشعراء كما يؤكد الكرباسي التقى الإمام الحسين (ع) ببعضهم: “وسمع لبعضهم الآخر، وحاور قسماً منهم وعايش آخرين ومدحته مجموعة منهم ورثته طائفة أخرى، وللكثير من هؤلاء أخبار معه بشكل خاص أو بشكل عام”.
وكان الإمام يعير اهتماما كبيرا للشعر وللشعراء، وطالما أنشأ الشعر وأنشد لغيره مستشهدا به لإيمانه بقوة الشعر على إيصال الفكرة من بين زحمة النفس وقدرته على تجاوز أسيجة القلب. والذين اهتموا بالشعر المنسوب الى الإمام الحسين (ع) هم أربع طوائف: “طائفة استقلت بجمع شعر الإمام الحسين (ع) وحده، وطائفة أوردت شعره ضمن ما صدر عنه من خطب وكلمات، وطائفة أخرى استقلت بشعره ضمن فصل من فصول شعر المعصومين الأربعة عشر (ع) أو الأئمة الأثني عشر (ع)، وطائفة أعطته حيزا من كتاباتهم لدى عرضهم لسيرة الإمام نفسه أو ضمن سيرة المعصومين (ع)، والى جانب هؤلاء فإن آخرين أوردوا أشعاره في مؤلفاتهم ومصنفاتهم بالمناسبة”. ويتقصى الشاعر والعروضي الشيخ الكرباسي الدواوين والقصائد والأبيات المنسوبة للإمام الحسين (ع) للوصول الى حقيقتها فيثبت بعضها ويرد أخرى، في مهمة صعبة، بخاصة وان الشعر يدخل في إطار ما صدر عن المعصوم الذي له قيمة شرعية في الخط الواصل بين الحلال والحرام وما بينهما المباح وعلى طرفيه المستحب والمكروه، ولذلك فإنه يتناول في شرح كل قصيدة الاتجاه المعنوي واللفظي والغرض الشعري والاتجاه العروضي، ويخضعه للتقييم ويناقشه من حيث التاريخ والنشأة والسند ورجاله وصحة النسبة والمتن وأغراضه، فعلى سبيل ينفي الكرباسي صدور شعر المخمسات المنسوبة الى الإمام الحسين (ع)، بلحاظات عدة، منها: “ان نشأة شعر المخمسات هذا كانت في القرن الرابع الهجري هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان المراد بالمخمسات هي المقطوعات ذات الأشطر الخمسة، وأما الذي نحن بصدده فهو الشعر الخماسي أي المقطوعة التي تحتوى على خمسة أبيات وهذا حدث في أواخر القرن الحادي عشر أو أوائل القرن الثاني عشر الهجريين، ولم يكن معروفا قبله..”.

ملابسات شعرية
من هنا نجد ان الفقيه الكرباسي شديد الحرص على التثبت من الشعر لان: “نسبة الشعر الى الإمام الحسين (ع) لا ضير فيها بحد ذاتها وإنما الضير في نسبة الشعر المتدني إليه حيث لا يتناسب وكونه من أئمة البلاغة والفصاحة التي شهد بها القاصي والداني..”، من ناحية أخرى فان: “النسبة إليهم قد تكن تقولا عليهم وهو إثم لا يمكن استسهاله ولو ثبتت النسبة إليهم لتركت بظلالها على التشريع لحجية قولهم”، وتأسيسا على ذلك فان “ديوان الإمام الحسين” في جزئيه الأول والثاني حرص الكرباسي على تذييل عنوانه بعبارة (من الشعر المنسوب إليه) لرفع اللبس وتجنب الوقوع في الشبهات، حيث: “لا يمكن نسبة كل الشعر المودع في الديوان الى الإمام الحسين (ع) ولا شك بأن النزر القليل منه هو من شعره ونظمه”، بدلالة ان الشعر الوارد في الديوان: “لم يكن متجانسا متآلفا حيث تنقصه السنخية بين مقطوعاته، إذ أن كل شاعر أو خطيب أو كاتب بل كل حرفي له نفسه الخاص ويترك أثر بصماته على إنتاجه فلا يشاركه غيره فيه ولابد أن تظهر في كل صنيعة وهذا هو الخيط الرابط بين وحدات عمله..”.
ويعتقد الكرباسي ان شبهة نسبة الشعر الى شخصية بعينها تقع من نواح عدة:
أولا: لسان الحال: وهي أن يتقمص الشاعر شخصية أخرى فينظم على لسانها، وبمرور الزمن أو تباعد الأقطار ينسى الناس مُنشئها الحقيقي ويتذكرون شخصية لسان الحال، فعلى سبيل المثال تقمَّص الشاعر محسن أبو الحب الكبير (ت 1305 هـ) شخصية الإمام الحسين وأنشأ على لسانه قصيدة “بيضة الإٍسلام” ومطلعها:
إن كنتِ مشفقة عليّ دعيني ** مازال لومُك في الهوى يغريني
لا تحسبي أنيّ للومك سامع ** إنيّ إذاً في الحب غير أمين
إلى أن يقول:
إن كان دين محمد لم يستقم ** إلا بقتلي يا سيوف خذيني
ومع أن البعد الزمني ليس ببعيد، لكن الناس بمن فيهم خطباء المنبر الحسيني والكتاب يخيل إليهم من فصاحة اللسان وتصوير الحال أن البيت من إنشاء الإمام الحسين (ع). ولا يستبعد ان بعض قصائد أو أبيات “ديوان الإمام الحسين” هي من لسان الحال.
ثانيا: شعر التمثيل: وهو ان يتمثل القائل بشعر غيره، فيقع الناقل بشبهة ما إذا كان الشعر من إنشاء القائل أو إنشاده عن غيره. وكان الإمام الحسين (ع) الى جانب الإنشاء ينشد شعر غيره ويتمثل به. على سبيل المثال تمثل رسول الإمام الحسين (ع) الى أهل العراق مسلم بن عقيل بن أبي طالب (ع) المستشهد في الكوفة عام 60 هـ بأبيات حمران بن مالك بن عبد الملك الخثعمي وهو يدفع عن نفسه سيوف بني أمية وغدرهم:
أقسمت لا اقتل إلا حرا ** وإن رأيت الموت شيئا نكرا
كل امرىء يوما ملاق شرا ** ويخلط البارد سخنا مرا
رد شعاع النفس فاستقرا ** أخاف أن اُكذب أو اُغرا
ثالثا: التناسب: وهو ان يستل القائل بيتاً أو أبيات لشاعر أنشدها في قضية تتناسب والقضية التي يتحدث عنها القائل، حتى تلصق بشخوص القضية الجديدة، ومن ذلك ما شاع بين الخطباء أبيات أبي الحسن التهامي علي بن محمد (ت 416 هـ) في رثاء ابنه، حتى ظن الكثير أنها للإمام الحسين (ع) في رثاء ابنه الشهيد علي الأكبر (ت 61 هـ):
حكم المنية في البرية جارٍ ** ما هذه الدنيا بدار قرارِ
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ** وكذا عمرُ كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ** بدراً ولم يُمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه ** فمحاه قبل مظنة الإبدار
رابعا: التذييل: وهو ان يقوم الشاعر بتذييل شعر شاعر آخر من القافية نفسها وذات الوزن والغرض والنفس الشعري، ثم يقع الخلط بين الشاعرين فينسب الشعر كله الى القائل الأول أو الثاني، فقد ثبت ان الإمام الحسين (ع) أنشأ من مجزوء الرمل وهو ذبيح:
شيعتي ما إن شربتم ** عذب ماءٍ فاذكروني
أو سمعتم بغريب ** أو شهيد فاندبوني
بيد أن البعض أوصلها الى عشرة أبيات وكلها تنسب الى الإمام الحسين (ع) لكن الثابت منها البيتان الأولان.
خامسا: التضمين: وهو ان يضمن الشاعر في قصيدته بيتا أو شطر بيت لشاعر قديم أو معاصر، فيعده المتلقي غير الواقف على شعر الآخر من إنشاء الشاعر نفسه، ومن ذلك ما ينسب الى الإمام علي (ع) قوله في رحيل السيدة فاطمة الزهراء (ع) (ت 11 هـ):
أرى علل الدنيا عليّ كثيرةٌ ** وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة ** وكل الذي دون الممات قليل
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ ** دليل على أن لا يدون خليل
في حين أن البيتين الأخيرين مما ينسب للإمام علي (ع) فقط، وان البيت الأول هو للشاعر أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم العيني (ت 213 هـ)، من قصيدة مطلعها:
ألا هل إلى طول الحياة سبيلُ ** وأنّى وهذا الموت ليس يُقيل

استظهارات فقهية
واستظهر آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي من مجموع 16 قطعة شعرية ضمها الجزء الأول من “ديوان الإمام الحسين” قبل بعضها ورفض بعضها وتوقف عند بعضها الآخر، مجموعة من الأحكام الفقهية والشواهد السلوكية، ففي قافية الهمزة من خمس مقطوعات:
– استظهر جواز زيارة القبور من خلال القطعة الشعرية المعنونة “سكان القبور” من بحر الكامل ومطلعها:
ناديتُ سُكانَ القبور فأَسكتُوا ** وأجابني عن صمتهم تُربُ الحصا
– استظهر جواز المفاخرة من خلال القطعة الشعرية المعنونة “الناصر والخاذل” من بحر الطويل ومطلعها:
إذا استنصر المرءُ إمرءاً لا يَدي له ** فناصرُهُ والخاذلون سواءُ
– استظهر جواز الرثاء والبكاء على الشهيد وعد فضائله، من خلال القطعة الشعرية المعنونة “فتى أبكى الحسين” من بحر الوافر ومطلعها:
أحقُّ الناس أن يُبكى عليه ** فتى أبكى الحسينَ بكربلاء
– استظهر ان المعصوم يفصح عما سيحدث لأصحابه، وان السياسة الحق أن تتعامل القيادة بوضوح مع المرافقين والعاملين، وذلك من خلال القطعة الشعرية المعنونة”مصارع الشهداء” من بحر الكامل ومطلعها:
حطّوا الرحالَ فذا محط خيامنا ** وهنا تكونُ مصارعُ الشهداءِ
– استظهر كراهية الركون الى الدنيا من خلال القطعة الشعرية المعنونة “دار الفناء” من بحر الوافر ومطلعها:
تبارك ذو العلى والكبرياءِ ** تفرّد بالجلال وبالبقاءِ
وفي قافية الباء من سبع مقطوعات:
– استظهر شرعية حماية الأهل والأقارب بل لزومها وجواز مقاتلة الباغي وجواز المبالغة في المفاخرة عند تلاحم الأسنة والحراب، وذلك من خلال القطعة الشعرية المعنونة “بحار الموت” من بحر الطويل ومطلعها:
إذا المرءُ لا يحمي بنيه وعِرسَهُ ** وعِترَتَهُ كان اللئيم المُسَبَّبا

الحب العفيف
– استظهر جواز الغزل النبيل وإظهار الحب للزوجة والأقارب كالبنت وجواز صرف المال للحبيب، وذلك من خلال القطعة الشعرية المعنونة “سكينة والرباب” من بحر الوافر ومطلعها:
لعمرُك إنَّني لأحُبُّ داراً ** تحلُّ بها سُكينةُ والرَّبابُ
وهنا يطيل المحقق الكرباسي الحديث عن المقطوعة الشعرية، فهو في الوقت الذي يقف بصف النافين نسبة الأبيات الى الإمام الحسين (ع) لكنه يختلف في بعض الأسباب التي ترى ان النفي قائم على استحالة صدور مثل هذا الشعر بما فيه من حب لزوجته وابنته بحجة انه لا يليق بالإمام المعصوم، ويرى ان هذا الاستدلال ضعيف: “لأن الحب إذا كان شريفا ولأجل ما يحمله المحبوب من مفاهيم أقرها الله سبحانه وأرادها فلا معنى للقول بأنه يتنافى مع منزلة الإمام المعصوم (ع) فان الإمام لما استشف كرم الأخلاق من زوجته رباب تلك الطاهرة التي عرفت بالوفاء والنبل، وامتلكت صفات الإيمان وعرف طيب اصل ابنته سكينة التي قال عنها: الغالب على سكينة الاستغراق مع الله عز وجل، عندها أظهر حبه لهما حيث أنه جزء من حبه لله جل وعلا”، بل ويرى الدكتور الكرباسي: “ان حب القرينة والكريمة هو من أبجدية الحياة التي ارتضاها الله لعبيده وقد كرمهما الإسلام غاية التكريم ووصف المؤمنات منهن بأزكى الأوصاف وأكرم النعوت مما لا مجال للقول بأنه لا يليق بإمام معصوم”. وكان الأب من قبل قد أظهر حبه لزوجته الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) حين رثاها:
حبيبٌ ليس يعدلهُ حبيبٌ ** وما لسواهُ في قلبي نصيبُ
حبيبٌ غاب عن عيني وجسمي ** وعن قلبي حبيبي لا يغيبُ

استظهارات سلوكية
– استظهر جواز دفن الميت قرب البيوت، وان وضع خد الميت على التراب سنّة، وذلك من خلال المقطوعة الشعرية المعنونة “أأدهن رأسي” من بحر الطويل ومطلعها:
أأدهن رأسي أم تطيبُ مَحاسني ** وخدُّك معفورٌ وأنت تريبُ
– استظهر من قصيدة تحت عنوان “ذهب الذين أحبهم” من بحر الكامل المجزوء، ومطلعها:
ذهب الذين أحبُّهمْ ** وبقيتُ فيمن لا اُحبُّهْ
استظهر مجموعة مسائل أخلاقية وشرعية. فالسب لا يقابل بالسب، ومن البغي إفساد أمر الغير، ومن الظلم القضاء على سرّاء الغير، ولابد من ذب الأذى عن الآخر وبخاصة الصديق، ونزع فتيل الحقد والكراهية من النفس، ولابد من مراجعة العقل، ولابد من تدارس النفس وتدارس الأعمال، وعدم الانتقام من الصديق وإيكال أمره الى الله.
– استظهر ان المواهب الشخصية هي الركيزة للوصول الى سدة الحكم، كما استظهر وجوب النص في الإمامة، وذلك في المقطوعة الشعرية المعنونة “أنا الحسين” من بحر مجزوء الرجز ومطلعها:
أنا الحسين بن علي بن أبي
– استظهر ان التذكير بالموت ضرورة حياتية لتحسين سيرة الإنسان وسلوكه، وذلك من خلال المقطوعة الشعرية المعنونة “التزود” من بحر الوافر ومطلعها:
يُحوَّلُ عن قريبٍ من قُصورٍ ** مزخرفةٍ الى بيت الترابِ
وفي قافية التاء من مقطوعتين وبيت واحد:
– استظهر استحباب إنفاق ما يحصل عليه المرء في هذه الدنيا، من خلال القطعة الشعرية المعنونة “جود الدنيا” من بحر الطويل ومطلعها:
إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها ** على الناس طُرّاً قبل أن تتفلَّتِ

الأبواب المستعصية
وحتى يلم المؤلف بكامل الشعر المنسوب الى الإمام الحسين (ع)، فانه لم يترك بابا سالكا أو مستعصيا إلا ووقف على أعتابه يستنطق الشعر، فُتح في بعضه وأوصد في أكثره، ذلك: “أن محاولاتنا للحصول على الشعر المنسوب الى سيد الشهداء (ع) كانت مضنية للغاية حيث طرقنا أبوابا كثيرة في اتجاهات مختلفة منها مكتبات الهند واليمن وتركيا وإيران وغيرها من الدول الإسلامية ومكتبات الدول الغربية فلم نحصل على أكثر مما سبقنا إليه ثلة من الفضلاء والأدباء مجموعةً، وفضلهم لا ينكر”، وحيث يفترض تقديم المعلومة لدائرة موسوعية مختصة ومتشعبة غير ربحية كدائرة المعارف الحسينية التي تفوق مجلداتها الستمائة مجلد، فان البعض احتكرها لنفسه فظلم النهضة الحسينية بحرصه الزائد عن حده وغير المبرر، وظلم معه تراث المسلمين الذي ظل الكثير منه حبيس المكتبات والمتاحف دون ان تطاله يد التحقيق والنشر.
وحيث تأتي المعلومة عبر طرق ملتوية وبشق الأنفس فان المؤلف وفرها للقارئ والباحث ضمن فهارس كثيرة في أبواب مختلفة، وكما هو دأبه في معرفة وجهات نظر الإعلام حول كل مجلد، فان الطبيب النرويجي الدكتور تروند علي لينستاد (Trond Ali Linstand) المولود في العام 1942 والذي تحول الى الدين الإسلامي في العام 1980م وأسس أول مدرسة إٍسلامية في العاصمة أوسلو، عبر عن انطباعه بالموسوعة في قراءة نقدية باللغة النرويجية، ووجد أن: “هذا العمل الموسوعي الرائع والفريد سوف يعطي كل ما له علاقة بالإمام الحسين (ع) وسيكون عملا متميزا فعلا”، معربا عن: “تقديري الى الجهود الكبيرة التي يقدمها آية الله الكرباسي”، وحول ديوان الإمام الحسين رأى: “ان الجهد ملحوظ فيه الدقة والمتابعة من خلال مراجعة المصادر التاريخية النادرة في دول عدة مثل الهند وباكستان واليمن وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ودول الأخرى”.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *