الرئيسية » مقالات » إلى أي مدى الجدية في تشكيل حكومة التكنوقراط ؟

إلى أي مدى الجدية في تشكيل حكومة التكنوقراط ؟

منذ مدة طويلة ونحن نسمع عن نية رئيس الوزراء نوري المالكي تشكيل حكومة من التكنوقراط . وما أثار اهتمامي للكتابة حول الموضوع استضافة قناة الفيحاء الفضائية لي للتعليق حول الموضوع في احد برامجها يوم التاسع من تشرين الثاني الحالي. وأخذت تدور في فكري الكثير من الأسئلة حول إمكانية تشكيل حكومة عراقية لها صفات التكنوقراطية (Technocracy) كما يتداول ذلك المعنيون وغير المعنيين من السياسيين العراقيين بالشأن العراقي الذين يجدون المخرج بالطلب إلى تكنوقراطيين ليحكموا بدلا من رجال حزبيين ليست لهم معرفة بالاقتصاد والسياسة والمال والعلم والتخطيط وإدارة الأزمات وهم ذوي خلفيات معرفية عادية وتجربة مهنية ناقصة، خاصة في المرحلة الحالية التي يشهدها العراق من اضطرابات أمنية ، فساد إداري، تفكك النسيج الاجتماعي العراقي ووصول الأصولية الطائفية ـ الدينية وحملة النعرة القومية إلى قمة السلطة .
فتسمية التكنوقراطية (Technocracy) جاءت في الولايات المتحدة نتيجة حركة في العام 1932، وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين و المعماريين و الاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والمشاكل السياسية التي تعصف بالمجتمع ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على تلك الظواهر ومعالجتها لما يخدم تقدمه ورفاهية أبنائه. وبما إن اقتصاديات النظام الاجتماعي واختلاف المستويات المعرفية بين المواطنين ونظرتهم إلى النظام السياسي الذي يحكمهم من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة الذين وصلوا إلى السلطة عبر الأحزاب وفي اغلب الأحيان دون كفاءة ، ولذلك جاءت الدعوة أن تخضع إدارة الدولة وفي ظروف خاصة كمشكلة اقتصادية تعصف بالبلاد أو مأزق سياسي للعلماء. وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التقنية وما اكتسبه هؤلاء من معرفة وتجربة ميدانية. يضاف إليها اليوم حسب الواقع الحالي للعراق جوانب أخرى، مثل العلاقة الاجتماعية، الدين، السياسة، التعليم وغيرها. وقبل الولايات المتحدة كانت دعوة لينين بعد ثورة أكتوبر الكفاءات للعودة إلى تبوء مناصبهم في المصانع والمؤسسات العلمية والاقتصادية التي انهارت بعد الثورة ووصول سياسيين أميين لإدارة الدولة.
أن ما أعلنه نوري المالكي عن نيته تشكيل حكومة تكنوقراطية، تفرضها الظروف الحالية التي يمر بها العراق ، ولكن هل يدرك المالكي ماهية تلك الحكومة ومقدرته على تشكيلها ؟ الحكومة التكنوقراطية هي الحكومة المتخصصة غير الحزبية التي لا تنحاز لموقف أي حزب كان، وإنما مهمتها المصلحة الوطنية وتحقيق برنامجها ، وتستخدم مثل هذه الحكومة في حالة الخلافات السياسية كما يعيشها العراق اليوم ، وقد طولب بها بعيد سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان عام 2003 من قبل الأغلبية الوطنية العراقية٬ لكن الأحزاب المؤتلفة فكرت في مصلحتها دون المصلحة الوطنية.
فالحكومة التكنوقراطية ، من حيث المبدأ أن تكون لها القدرة على التقرير والقيادة بأيدي من يملكون ناصية المعرفة الممزوجة بالخبرة العملية ، أي الحكم الذي يمارسه الرجال الأكفاء . وهي إحدى وسائل الخروج من المأزق العراقي. ومن اجل وصول الدولة ، أي دولة إلى أهدافها في حل مشاكلها المستعصية إعطاء التكنوقراطية القدرة في صنع القرار الصائب ، كما تلجأ إلى ذلك مراكز البحوث ومؤسسات الأعلام والخبرات العملية والبيانات والإحصاءات وإدارة الشركات وما لا يمكن صناعته بقرار فوقي ،وهذا ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعيش الآن طفرة في مجال الأعمار والتطور الحضاري. زرتها لأول مرة في بداية سبعينات القرن الماضي وكانت صحراء ودبي ميناء ، قرية صغيرة، ولكن بذكاء حكامها الفطري استنجدوا في نهاية سبعينات القرن المنصرم بالخبرات التكنوقراطية الأجنبية والمنظمات الدولية للمساهمة بقيادة البلد. وكانت جميع وزارات الدولة والمؤسسات والشركات الكبيرة ومؤسسات الدولة العليا تديرها شبكة من الخبراء العرب والأجانب. وكان عراقيان واحد منهما الدكتور عدنان الباجةجي مستشارا للشيخ زايد، وفي وزارة الأشغال والإسكان ، كان فريق على رأسه ، الكفاءة العراقية الكبيرة الدكتور نعمان الجليلي(كان أمين عاصمة لبغداد بعض الوقت ) . وفي وزارة التربية والتعليم كانت هناك مجموعة من خبراء منظمة اليونسكو منهم عراقيان هما الدكتور محسن النصراوي المتخصص في المناهج التعليمية وكاتب هذه السطور في مجال الأبنية التعليمية . أما شركة النفط الوطنية “أدنوك” فكانت إدارتها بيد كفاءات جزائرية….الخ
في أوربا ، بعد منتصف القرن العشرين وجدت التكنوقراطية كمنظومة فكرية ومؤسسة علمية كونها صمام أمان يمنع الثورات الدينية والقومية والحزبية الضيقة، ليس من اجل قمعها، بل وضع الأرضية السليمة لرجل الشارع لكي يفهم بان هذه الثورات أو الحركات وبكل ما تملكه من تأثير ديني أو قومي عاطفي لا تستطيع أن تحل مشكلات المجتمع دون دماء وفساد إدارة وسرقات وتضحيات مجانية، وهو ما يحدث الآن في عراق اليوم. فالتكنوقراطية فلسفة مادتها الأساسية ودعامتها القاعدة العلمية وتراكم الخبرات في اتخاذ القرارات الكبيرة والمقدرة على التخطيط. انها حكم الأكفاء، أي هيمنة سلطة العلم وسلطة الكفاءة . ويمكن ترجمة دور التكنوقراطي عندما نقول” الرجل المناسب في المكان المناسب”. فهل وزير النفط العراقي ، الدكتور حسين الشهرستاني ، عالم الذرة مثلا ، يدخل ضمن ذلك التوصيف في الحكومة الحالية ؟ لا طبعا لان الشهرستاني يملك القاعدة العلمية والكفاءة المهنية والخبرة في مجال الذرة وعلومها ،ولكنه يفتقد للخبرة الضرورية في مجال الصناعة النفطية التي يمتاز بها مثلا الدكتور فاضل الجلبي، العالم والخبير في الصناعة النفطية( أدار منظمة الأوبك لفترة طويلة) أو الدكتور وليد خدوري ، عالم في الصناعة النفطية واقتصادياتها. ومثال على عدم فهم دور التكنوقراط لتحمل المسئولية ما قام به نوري المالكي باختيار مهندس مدني الذي كان من الممكن أن يكون مستشارا في مجال البناء في وزارة الأشغال أو لدي رئيس الوزراء، ناطق رسمي للحكومة العراقية بدل الإعلامي التكنوقراط حميد الكفائي(كان ناطقا باسم مجلس الحكم ).أن العراق يملك الكثير من التكنوقراط في مجالات مختلفة، صناعة، زراعة، فنون وثقافة، وفي مجال الطاقة وغيرها يملئون جامعات العالم ومراكز البحوث والشركات الكبيرة. فالشهادة ليست إلا اعتراف رسمي في تخصص ما، إذا لم تصاحب المتخرج تجربة في الأعمال الميدانية والخبرات العملية والاجتهاد والبحث، والفشل والنجاحات تبقى ورقة فقط. فهل يمكن اعتبار الدكتور إبراهيم الاشيقر أو الدكتور أياد علاوي أو الدكتور احمد الجلبي من التكنوقراط ؟ فالأولين خريجي كلية طب ولم يزاولا المهنة لفترة كافية لاكتساب المقدرة المهنية لانشغالهما في العمل الحزبي والجلبي متخصص في الرياضيات ، يمكن أن يكون سياسيا كما الآخرين ولكنهم ليسوا قطعا من مجموعة التكنوقراط . فالتكنوقراط كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: التقنية التي تعني المعرفة أو العلم ،وأقراط معناها الحكم, وبذلك يكون معنى تكنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة. هم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنيطة بهم, وهم غالباً غير منتمين للأحزاب.
تحدث الفرنسي جان وليم لابيير في كتابه “الثورة والتكنوقراطية” ، الذي ترجمه للعربية تيسير شيخ الأرض ونشر في كتاب “الحرية والتنظيم في عالم اليوم” عن دور التكنوقراطية في صياغة هوية المجتمع الفرنسي عبر ثلاث جمهوريات متناوبة ، داعيا فيه إلى مشاركتها في صياغة القرارات التي تفيد في ممارسة السلطة الفعلية ، أما بتأثيرها الغالب على أصحاب السلطة الشرعية، أو بالنيابة عنهم في حلولها محلهم، أو ، أخيرا ، استلامها السلطة باسم الشرعية العقلية التي هي من امتيازات التكنوقراطي والشرط الأساس الذي يقوم عليه أي تصور لتحديث المجتمع ، باعتبار أن التكنوقراطي هو “عقل مُؤَسس” وليس شخصا يحتل مركزا أو وظيفة، ويملك بحكم “عقله “شرعية دستورية وقانونية لان يكون حاكما. فوجود البنية العقلية المجربة والممارسة الميدانية التي تولد الخبرة كشرطين أساسيين في توصيف مهمة التكنوقراطي٬ حيث إنهما ترجحان كفة مسئول عن آخر. والتكنوقراطيين هم تلك الشريحة الاجتماعية التي اكتسبت الخبرة والكفاءة عن طريق العمل والعقل والانتظام والشرعية القانونية والتعليمية والخبرة الميدانية لإدارة شئون البلاد. في عراق اليوم الذي يشهد وصول من اشتغل في السياسة معارضا أو غير معارض، ولكنه ركب سفينة الأحزاب منذ مدة أو بعد سقوط النظام السابق لشغل مناصب في الحكومة وأجهزتها المختلفة ومنها السلك الدبلوماسي العراقي جاءت كجزء من بنية وتركيبة الأحزاب التي وصلت للسلطة عبر انتخابات اندفع العراقيون لإنجاحها للتخلص من مخلفات النظام السابق ولكن نتيجتها غير أمينة ولا تمثل الشعب العراقي بشكل سليم . وقد أثبتت الأعوام الأربعة الأخيرة بان التشكيلة السياسية العراقية بمختلف تحالفاتها والتي تقع على عاتقها مهمات كبيرة، وأولها الوضع الأمني وإعادة الأعمار ، ليس بمقدورها قيادة البلاد وهي في تشكيلاتها الطائفية والقومية والحزبية والعشائرية. أن التكنوقراطي يُدعى لشغل منصب ما من قبل السلطة ويكلف بمهمة محددة ضمن وقت. ولذا لن يكون التكنوقراطي منتميا لأي حزب أو إيديولوجية سياسية ، كما أنه لن يكون طامحا باحتلال منصب دائم في الدولة لأنه وهو يشغل منصب وزير مثلا جاء بناء على كفاءته وليس على درجته الحزبية ، انتمائه الديني ، العشائري أو القومي.
وبعد الاستعراض أعلاه ٬ يبقى سؤال هل يجد رئيس الوزراء نوري المالكي الشجاعة الكاملة والحس الوطني العالي باتخاذ القرار في اختيار مجموعة التكنوقراط بعيدا عن التحالفات السياسية التي يرتبط بها ؟ أن استطاع المالكي أن يختار مجموعة كفوءة حسب المفاهيم المذكورة أعلاه يستطيع أن يخرج البلاد من أزمتها الحالية سيدخل التأريخ لا محالة كرجل دولة. إن حكومة التكنوقراط التي يمكن أن يشكلها المالكي لا تبتعد إن الممارسة الديمقراطية لأنها تعمل تحت مراقبة برلمان منتخب يمثل اغلب القوى السياسية العاملة على الساحة العراقية . والسؤال الثاني كيف يستطيع المالكي إيجاد هؤلاء الأكفاء ويحيط به مجموعة من المستشارين غير الأكفاء ومشروع المصالحة لم يتم بعد وأكثر الكفاءات موجودة خارج الوطن ؟ أما الكفاءات العراقية التي خلفها النظام السابق فقد هجرت إلى خارج الوطن(حسب قانون اجتثاث البعث) أو بعضها بقي متخلفا عن التطور العلمي والتقني مع الخارج لما فرضه النظام البائد من تعتيم علمي وخنق كل فرص التواصل العلمي والبحثي في العالم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *