الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة 16

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة 16

احتلت الشؤون الزراعية المقام الاول في المجال الاقتصادي، وكان ذلك امرا طبيعيا يتماشى مع اعتماد العراق على هذا القطاع، وعلى عدد العاملين فيه، وما يوفره من مصدر رزق لهم. ولم يكن ابراهيم يوسف نائب اربيل مبالغا في وصف اهمية الزراعة عندما قال:
“ان الزراعة هي روح بلادنا، وهي السبب الوحيد لرقي بلادنا”
وحدد اسباب تأخرها في ثلاث نقاط هي “عدم استقامة البلاد على بذل الجهود” و”طرق الجباية والتخمين” و”الافات السماوية والجراد الكثير”.
وفي مداخلة مطولة له قال نائب كركوك نشأت ابراهيم عن اهمية الزراعة، ودورها الكبير في حياة المجتمع العراقي الاتي نصه: “وغني عن البيان ان الزراعة هي الركن العظيم لبيان المملكة، والزراع هم دعامة الاقتصاديات. ولا مشاحة ان انماء ثروة البلاد هو تشجيع الزراع والزراعة، واشتراك الحكومة في المساعي لبلوغ الغلال باطمئنان ووفرة وحسن التصرف في تلك الحاصلات والمنتوجات، فيعطي للحكومة ما تستوجبه بعدل، ويحافظ باعتناء على ما بقى للزراع والفلاح من الحق المشروع…”.
ونبه بعض النواب الكورد إلى خطورة ابعاد القرى الكوردية عن عدها قرى لاغراض اعمارها وتمليك اصحابها الاراضي، اذ ان القانون المقترح على مجلس النواب حدد عدد دورها بمئة دار وهو ما كان لا ينطبق على القرى الشمالية. فاشار نشات ابراهيم نفسه في الجلسة السابعة لمجلس النواب في اجتماعه الاعتيادي الثاني بتاريخ التاسع والعشرين من تشرين الثاني سنة 1926، إلى ان القرى الموجودة في المنطقة الشمالية التي “تشمل على مئة دار هي 5 او 6%، وما بقي فمعظمها لا تتجاوز الخمسين او الثلاثين او الاربعين دارا، فاذا حصرنا هذا الحق في القرى التي لا تقل عن مئة دار فتكون حينئذ قد اجحفنا بحقوق بقية القرى التي لا تتجاوز الخمسين دارا”.
احتلت موضوعة الضرائب الزراعية، التي كانت تمثل احدى المشاكل الاقتصادية الاجتماعية الموروثة من العهدين العثماني والانتدابي على العراق، موقعا ملموسا في مداخلات النواب الكورد التي سلط عدد منهم الضوء على بعض الجوانب التي كانت تعيق مسألة الجباية واللزمة وعموم سياسة الدولة الضريبية في مضمار الزراعة، والتي كانت تعاني من نواقص كبيرة، مما استدعى انتقادا لاذعا منهم. ومن الضروري ان نشير هنا إلى ان نائب كركوك نشات ابراهيم تحدث في الجلسة الخامسة والعشرين للاجتماع الاعتيادي الثاني للمجلس بتاريخ الثالث من شباط سنة 1927 عن اللزمة التي كان يعاني منها الفلاح الكوردي، باسلوب ينطوي على مس واضح بالنظام الاقطاعي عندما قال بصدده ما نصه:
“ولا يخفى ان طريقة اللزمة المجحفة، أي اطلاق يد الملتزمين، واجراء تحكماتهم في القرى والبيادر هي بلا شك اشبه ببيع اولئك الفلاحين الفقراء ثمرات اتعابهم وجهودهم السنوية في الهراج والمزايدة إلى الراغبين، وان هي إلا مضاربة في حقوق الغير، والعبث بقدراتهم الحيوية” فلا بد من اسلوب جديد “يزيل المحاذير، ويرفع الضيم والاجحاف عن الفلاح، ويضمن حقوق الاهلين والخزينة معا”.
وقبل ذلك وقف نائب السليمانية محمد امين زكي، ونائب اربيل ابراهيم يوسف إلى جانب عدد من زملائهم الاخرين، معظمهم من مناطق الفرات الاوسط وبغداد، فوقعا معهم على طلب مهم بخصوص قانون دعاوى العشائر، قدموه إلى رئاسة مجلس النواب في الثالث من تشرين الاول 1925، يقول نصه:
“ان الفقرة الثانية من المادة الثامنة والثمانين من القانون الاساسي تنص على ما ياتي: “تفصل قضايا العشائر بحسب عاداتهم المألوفة بموجب قانون خاص، وتؤلف (لهذا الغرض) لجان او محاكم خصوصية”. وبما ان قانون العشائر الذي بيد المحاكم الخاصة، او اللجان التي تؤلف لهذه الغاية قد نشر في زمن الاحتلال واضيفت اليه بعد ذلك زيادات اخرى حتى اصبح معظم مواده لا يتفق مع روح الدستور، ولا يضمن السير على عادات العشائر المألوفة بينهم، فنلتمس من المجلس العالي ان يطلب من الحكومة تقديم لائحة قانونية جديدة لهذا القانون تراعى فيها روح الدستور والعادات المألوفة بين العشائر لكي يقرها مجلس الامة، وتقترن بالارادة الملكية”.
يلاحظ التوجه نفسه لدى نائب كركوك نشات ابراهيم في مداخلة قانونية له ادان فيها صراحة نظام دعاوى العشائر والبيانات الخاصة بالارض التي اصدرها البريطانيون في سنوات الحرب العالمية الاولى، وفي عهد الاحتلال، مؤكداً ان ذلك جرى “قبل تشكيل الحكومة العراقية، او قبل نشر القانون الاساسي، نشرته الحكومة المحتلة، وكان موافقا لتلك الظروف، والان الحمدلله لنا حكومة دستورية، وبيدنا قانون اساسي، ولا يمكن تطبيق البيانات المذكورة في الحاضر”، خصوصا ان القوانين، كما قال، يجب “ان تكون موافقة للزمن، واحتياج البشر، فالقوانين معرضة للتبدل، فعليه اقترح تعديل القانون المطبق، واطلب من الحكومة ان تسن لائحة لهذا الغرض، وتاتينا بقانون غيره يلائم الحالة العشائرية”.
اما بصدد عبء الضرائب على كاهل العراقيين عموما نكتفي بتسجيل ما ورد على لسان داود الحيدري، نائب اربيل، في مداخلة له تضمنت النص الاتي الذي من شأنه ان يلقي الضوء على ابعاد هذا الموضوع المهم الذي كان يؤلف دوما احد الاسباب الأساسية لتذمر الناس، واستيائهم باتجاه يدفعهم للالتفاف حول حركات الاحتجاج والمعارضة:
“يحق لنا ان نسمي هذه السنة (1927) بسنة الضرائب والمصائب لان في كل يوم تاتينا الحكومة بلائحة جديدة او بوظيفة جديدة… ان خلاصة اعمالنا في هذه السنة هي سن الضرائب. اتقوا الله ايها السادة ذوي الضمائر الطاهرة إلى متى نسير هذا السير حتى تنتهي هذه الحالة!”.
واثار النواب الكورد في دورة المجلس نفسها موضوعات مهمة اخرى كان من شأنها التخفيف من اعباء الزراع، من ذلك اقتراح عدد منهم تاسيس مصرف زراعي ياخذ على عاتقه تقديم المساعدات المالية، والسلف للزراعيين لانقاذهم من ابتزاز المرابين، وتاسيس دائرة الطابو في المناطق التي كانت بحاجة ملحة اليها لوضع نهاية لتصرف المتنفذين بالاراضي الزراعية كما يشاءون، فلقد استغل نائب اربيل الليبرالي اسماعيل الرواندوزي حضور وزير المالية الجلسة الثالثة والاربعين للاجتماع الاعتيادي الاول للمجلس في دورته الانتخابية الاولى ليفاتحه بصدد ضرورة تاسيس دائرة طابو مستقلة في قضاء رواندوز لان “الاراضي الملحقة بها واسعة جدا” ولان “معاملات الاملاك هناك تمشي على اسس غير قانونية”، مؤكد علمه شخصيا بوقوع “بعض التشوشات في زمن الاحتلال البريطاني في دفاترها، وجرى كثير من المعاملات التي هدرت بها حقوق الكثيرين من الناس”، وكان يقصد بهم المنتمين إلى الفئات الاجتماعية الفقيرة.
واكد النواب الكورد ايضا ضرورة قيام الدولة بدروها في مكافحة الافات الزراعية التي كانت تلحق سنويا اضرارا فادحة بالانتاج الزراعي، خصوصا اسراب الجراد التي كانت حقول المنطقة الكوردية تعاني منها الأمرين قبل حلول موسم الحصاد، وفي اثنائه. تحدث نائب اربيل ابراهيم يوسف عن هذا الموضوع باسهاب في وقت مبكر بعد افتتاح المجلس لاعماله، فطالب الحكومة بالاستعانة بالمبالغ المودعة لدى المصارف الاجنبية لاقراض الفلاحين الكورد مقابل ضمانات محددة، حتى يكون بوسعهم تجاوز محنتهم القاسية. وكما اشار النائب نفسه في مناسبة اخرى ان الاثار السلبية لهذا الظاهرة تمتد لتشمل جميع المواطنين بسبب ارتفاع اسعار ما يعرض في السوق من المنتوجات الزراعية الاساسية.
وفي السياق نفسه طالب عدد من النواب الكورد بالاهتمام باستخدام الاساليب الحديثة لتطوير الزراعة عن طريق مكننتها، وجلب البذور الجديدة، وتطوير مديرية الري والزراعة لكي تضطلع بدورها في نشر الوعي بين الفلاحين في الريف، الموضوع الذي حظي باهتمام العديد من زملائهم الاخرين.
حظيت الموضوعات الاقتصادية الاخرى، من قبيل الصناعة والتجارة، بقدر ملحوظ من اهتمام عدد من النواب الكورد، وللاستدلال نكتفي هنا بنقل مداخلة معبرة لنائب كركوك نشات ابراهيم الذي قال عن الصناعة في الجلسة الثالثة والعشرين من الاجتماع غير الاعتيادي الاول للمجلس في دورته الانتخابية الاولى، الاتي نصه:
“لم ار إلى الان احدا تكلم في مسألة الصناعة، واننا نعلم ان اركان الحياة ثلاثة:
1- الزراعة والتجارة،
2- المعارف،
3- الصنائع.
وقد فقدت الصناعة من بلادنا، فاقترح ان نحيي هذه الصنائع في بلادنا لاننا في اشد الحاجة اليها، وتوجد مدرسة صنائع في بغداد، غير انها اسم بلا مسمى، فينبغي ان نتوسع فيها بصورة كاملة، وتحدث لها شعب في الالوية، وتكمل ادواتها اللازمة لعدم وجود الصنايع في الاقضية والنواحي… يجب ان لا نهمل الصناعة في بلادنا، ونهتم بها اكثر من أي شيء”.
وهنا نؤكد على نقطة مهمة، وهي ان النائب الكوردي ادرك بصورة غير مباشرة مدى الاثار الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي كان العراقيون يعانون منها بسبب ازمة الانتاج الحرفي التي نجمت عن اندماج بلادهم بالاسواق الرأسمالية العالمية، لذا نراه يدعو صراحة إلى احياء الصناعات الحرفية في كل انحاء البلاد.
ونبه ممثلو الكورد في مجلس النواب إلى بعض التناقضات الموجودة في قرارات اللجنة الاقتصادية المشكلة للنظر في الميزانية العامة مع بعض توجهات الحكومة التجارية. فعلى سبيل المثال لا الحصر اشار صبيح نشأت، نائب اربيل، إلى ان اللجنة اوصت الحكومة في المادة السادسة عشرة من لائحة الميزانية الجديدة للعام 1926-1927 بوجوب منع ادخال المشروبات الكحولية نظرا للاضرارالتي تسببها للبلد، إلا ان الحكومة ثبتت مبلغا كبيرا في ميزانيتها من الواردات التي جاءتها من الرسوم الكمركية من هذا الادخال. كما طالب بعض النواب الكورد بسن القوانين التي من شأنها ان تشجع صادرات الحبوب العراقية، وتهيئة برنامج منظم لضمان رواج التمور العراقية في الاسواق الخارجية.
ينطبق التقويم نفسه على مواقف النواب الكورد في الدورة الانتخابية الاولى للمجلس من قضايا اخرى كثيرة تهم المجتمع العراقي عموما، بما في ذلك المناطق التي كانوا يمثلونها، من ذلك، على سبيل المثال، القضايا الخاصة بتطوير اعمال البلدية، وميزانيتها وما يتعلق بالمزاريب والمجاري وتبليط الشوارع، وموضوعات اخرى اثارها بمستوى مرموق العديد من النواب الكورد من امثال محمد امين زكي وصبيح نشأت واسماعيل الرواندوزي ونشأت ابراهيم وداود الحيدري وغيرهم.
وفي هذا المجال اولى النواب الكورد موضوع طرق المواصلات في المنطقة الكوردية في حدود الامكانات الواقعية المتواضعة للدولة اهتماما خاصا. ففي الرابع عشر من ايلول سنة 1925 قدم ثلاثة عشر نائبا كورديا تقريرا إلى المجلس في جلسته السادسة والعشرين من الاجتماع غير الاعتيادي الاول للدورة الانتخابية الاولى بصدد تطوير الطرق بين اربيل ورواندوز، وشقلاوة وكويسنجق، وبين الاخيرة واربيل. ومن المهم ان نشير إلى ان ابرز شخصيات تلك المرحلة مثل نائبي الموصل ارشد العمري وثابت عبد النور، ونائب الديوانية نافع الملاك. ورد في التقرير بصدد الطريق الستراتيجي والتجاري المهم بين اربيل ورواندوز لغاية الحدود العراقية-الايرانية النص الاتي:
“اننا نجلب نظر الحكومة لاصلاح الطريق المذكور، وتعميره، مهما كان لكي تحصل السهولة للمارين والعابرين، وتتيسر المناقلات التجارية”،وكانوا يقصدون بها تجارة الترانزيت التي كانت تؤلف يومذاك رافدا اساسيا من روافد ميزانية الدولة العراقية.
وفي المضمار نفسه اثار اكثر من نائب كوردي موضوع مد فروع لسكك الحديد العراقية إلى المناطق الشمالية. ففي الجلسة السابعة عشرة من الاجتماع غير الاعتيادي الثاني للمجلس في دورته الانتخابية الاولى، التي عقدت بتاريخ الخامس والعشرين من ايار 1927 اثار اسماعيل الرواندوزي موضوع مد “السكة الحديدية” من كركوك إلى اربيل، خصوصا بعد “ان انتهى تمديدها من خانقين إلى كركوك”. ومن المفيد ان نشير إلى ان هذا المرفق الحيوي كان تحت سيطرة الحكومة البريطانية بموجب المواد 8-10 من الاتفاقية المالية الملحقة بالمعاهدة العراقية-البريطانية عام 1922.
يستحق موقف النواب الكورد من رواتب الموظفين عموما، ورواتب المتقاعدين خصوصا وقفة خاصة، ليس فقط لان الموظفين يؤلفون شريحة مهمة من المجتمع المدني حسب، بل وايضا لان مشكلات غير قليلة اكتنفت هذا الموضوع في مرحلة تأسيس دولة نامية ورثت عبئا ثقيلا من العهد العثماني المنحل في هذا المضمار. ففي وقت مبكر من اعمال مجلس النواب في دورته الانتخابية الاولى قدم نائب كركوك نشأت ابراهيم اقتراحا باسم ستة عشر نائبا، عشرة منهم من النواب الكورد من امثال احمد مختار جاف ومحمد حبيب الطالباني ومحمد رفيق خادم السجادة وعبدالله مخلص واسماعيل الراوندوزي، ينص على “تكليف الحكومة على سن لائحة قانونية لتنزيل عائدات التقاعد (للخزينة) إلى 5%” من اجل “تجاوز مغدورية المتقاعدين” الذين كان يستقطع من رواتبهم اكثر من ضعف النسبة المذكورة، الحالة التي لا يمكن “ان ترضى الامة بدوامها، لان اصحاب التقاعد سبق ان قضوا حياتهم في خدمة هذا الوطن، وهم من ابناء هذا الوطن” كما ورد في ختام نص المقترح.
وفي جلسة لاحقة للمجلس اثار نائب كركوك نشأت ابراهيم الموضوع نفسه مرة اخرى، ووجه انتقادات لاذعة إلى البيانات التي اصدرها وزير المالية بهذا الخصوص، ولقد عدها “كلها مغالطة” قصد بها “تضييع الحقيقة، حيث لا توجد حكومة في العالم تعامل موظفيها بقوانين مختلفة، والحكومة مجبورة، ومكلفة باعاشة المتقاعدين الذين اعطاهم هذا الحق قانون خاص”.
واعترض النائب من جديد على قرار وزارة المالية بقطع 12% من رواتب المتقاعدين مقابل 5-6% فقط من رواتب الموظفين الذين هم في الخدمة، بمن فيهم كبار الموظفين “المتنعمين بالوف الروبيات”. وهنا تحديدا يبلغ نشأت ابراهيم القمة في مداخلته حينما قال قولا ينطوي على انتقاد صريح لسياسة الحكومة التي من شأنها تعميق الهوة بين طبقات المجتمع وشرائحه، اذ قال:
“وهذا معناه ان الحكومة تزيد في فقر الفقير، واغناء الغني، والحالة ليست العدالة هكذا” مما ادى إلى ان يذهب “ابن المتقاعد إلى المدرسة مرتديا بنطلونا بلا لباس، وحذاؤه مرقع، وجاكيته الخاكي مرقع وبلا ثوب، اما اولاد كبار الموظفين فلباسهم لباس فاخر، ياكلون الماكولات اللذيذة، ويمشي وراءهم الخدم يحملون حقائبهم، وكلهم ابناء وطن واحد يا سادتي”.
وعلى هذا الاساس اقترح تحويل “مسألة عائدات التقاعد إلى اللجنة المالية للنظر فيها”. استغل نائب اربيل داود الحيدري عرض الميزانية على المجلس في جلسته الثانية والثلاثين للاجتماع الاعتيادي الثاني للدورة الانتخابية الاولى بتاريخ الثامن والعشرين من شباط سنة 1927، ليثير بدوره موضوع الرواتب، بما في ذلك رواتب المتقاعدين والفراشين، ودخل في نقاش مطول مع وزير المالية ياسين الهاشمي بصدد ذلك.
على الغرار نفسه اثار النواب الكورد، جنبا إلى جنب مع النواب الاخرين، العديد من الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية الاخرى في جميع جلسات الدورة الانتخابية الاولى للمجلس، بما في ذلك قضايا البرق والبريد والاتصالات، واستقلالية المحاكم، واجهزة الشرطة وغيرها. كما اولوا، في الوقت نفسه، القضايا القومية الخاصة، والسياسة العامة اهتماما كبيرا.

موقف النواب الكورد من القضايا القومية والسياسية في الدورة الانتخابية الاولى:
ساعدت ظروف خاصة، وقصر نظر الاوساط الحاكمة، وسياسة البريطانيين على تعقيد المسألة القومية الكوردية في العراق في عهد الملك فيصل الاول، مما لاحظنا بعض جوانبه اثناء معالجتنا موضوع التعليم والخدمات الاجتماعية في المنطقة الكوردية. اثار ذلك حفيظة العديد من النواب الكورد الذين ادلوا بدلوهم في هذا المضمار، كل حسب اجتهاده، ولكن في اطار وطني عراقي. وقبل الخوض في تفصيلات هذا الموضوع نود ان نعرض رأيا طرح امام مؤتمر علمي عقدته جامعة اهل البيت الاردنية قبل سنوات تحت شعار “بناء الدولة العراقية الحديثة. تجربة فيصل بن الحسين في سورية والعراق”، يقول نفسه.
“ان الملك فيصل الاول كان الافضل بين الفئة الحاكمة من حيث تعامله مع الكورد ومسألتهم القومية في العراق طوال العهد الملكي” ولكن “معظم كبار المسؤولين والنواب والساسة العراقيين الاخرين، وبينهم عدد غير قليل من ادعياء القومية، قد تحولوا (في عهده) عمليا إلى اتحاديين جدد، فلم يختلف موقفهم من الكورد في شيء عن موقف هؤلاء من العرب قبيل الحرب (العالمية الاولى) وفي سنواتها، منهم الشاعر الشهير الكوردي الاصل معروف الرصافي، والشخصية الوطنية نائب رئيس حزب الاحرار لاحقا سعد صالح، وثابت عبد النور المعارض المتطرف الذي التحق بالامير فيصل في سورية، والارستقراطي المتنور احمد الجليلي، والملاك الليبرالي المؤيد لثورة العشرين زامل المناع وغيره ممن وقفوا داخل اروقة مجلس النواب مرارا ضد منح الكورد ابسط حقوقهم القومية.
وتأييدا لهذا الراي نشير إلى ان محاضر جلسات مجلس النواب في دوراته الانتخابية الثلاث، التي تزامنت مع عهد الملك فيصل الاول في العراق، طافحة بنماذج معبرة، وادلة دامغة تجسد ابعاد هذا الراي بصورة لا لبس فيها.
تحمس نائب اربيل اسماعيل الرواندوزي لموضوع ضمان الحقوق القومية للكورد داخل الدولة العراقية الواحدة اكثر من جميع زملائه الاخرين الذين مثلوا المناطق الكوردية في الدورة الانتخابية الاولى، فانه كان يستغل كل مناسبة مواتية لاثارة هذا الموضوع الذي كان يعد، دون ريب، من اهم المشكلات التي تنتظر حلا عادلا ينصب في مجرى تعزيز الوحدة الوطنية.
يعد اسماعيل الرواندوزي اول رائد طالب ادخال كلمتي القومية والدين اثناء تسجيل معاملات النفوس، هذا الذي لم يتحقق إلا اثناء الاحصاء الرسمي الثاني لنفوس العراق الذي جرى في العام 1957، أي بعد مرور ثلاثة عقود على اثارة الموضوع من قبل الرواندوزي في مجلس النواب، ولا يخفى على المتتبعين مدى اهمية ذلك سياسيا وحضاريا، خصوصا إذا اخذنا بنظر الاعتبار مناورات الاوساط الشوفينية من اجل تشويه الحقائق في هذا المضمار.
وفي الجلسة الثانية والثلاثين للاجتماع الاعتيادي الثاني للمجلس، التي عقدت بتاريخ الثامن والعشرين من شباط سنة 1927 القى اسماعيل الرواندوزي خطبة بصدد “لائحة قانون إدارة الالوية”، وقد ادرجت الخطبة بوصفها المادة الخامسة من منهاج تلك الجلسة. اعترض الرواندوزي بشدة على خلو اللائحة من مواد “تصون حقوق الاقليات” فيها، فان “العراق متشكل من عناصر مختلفة، ولهؤلاء العناصر حقوق صريحة ومعترف بها”، وعلى هذا الاساس طالب الحكومة “بان تسحب هذه اللائحة، وتتقدم بلائحة جديدة اخرى اصرح واكمل” و “اعتمادا على نزاهة وجدان النواب الكرام” استرحم الرواندوزي “ان يؤيدوه في هذا الباب”، واضاف إلى ذلك قوله:
“وحقيقة اطلب من النواب المحترمين الذين ينوبون عن الاقليات ان يضمون صوتهم إلى صوتي، لان طلبي مشروع وقانوني، وبالحقيقة إذا اختاروا السكوت في هذا الموضوع لا شك سيحملون على عاتقهم المسؤولية المادية والمعنوية، لانهم سيكونون ازاء ضياع حقوقهم المعترف بها، والمصدق عليها من قبل جلالة ملكنا المعظم” وكان يقصد بذلك نصوص القانون الاساسي التي كما اشر، تتناقض مع اللائحة الجديدة المعروضة على المجلس.
لم يستجب احد عمليا، لنداء، اسماعيل الرواندوزي، بل ان نائب بغداد احمد الشيخ داود علق على خطبته بالقول “لا ادري ما هي الاقليات التي يريدها حضرة اربيل” فرد عليه نائب اربيل في الحال قائلا: “اظن حضرة الشيخ احمد يعرف احسن مني، ولكنه لا يريد ان يقول”.
ومن المفيد ان نشير بهذه المناسبة إلى ان اسماعيل الرواندوزي كان من اكثر الساسة العراقيين تحمسا منهم لضم ولاية الموصل إلى العراق، ففي رأيه كانت “مسألة الموصل مسألة حياتية لسعادتنا ومستقبلنا، واستقلالنا كان منوطا عليها” كما صرح بذلك امام مجلس النواب نفسه اثناء البت في المعاهدة الثلاثية العراقية-التركية-البريطانية التي عقدت على اثر صدور قرار عصبة الامم بضم ولاية الموصل إلى العراق. كما ان الرواندوزي ضم صوته، مع زميليه نائب اربيل داود الحيدري وابراهيم نشأت، إلى اصوات ستة من زملائهم العرب بان تكون المناقشة “بخصوص قضية الموصل في بحر اسبوع، وان يرسل الرد من جانب الحكومة على بعض ما جاء في تقرير اللجنة مما يخالف الواقع، إلى عصبة الامم في اسرع وقت، وان تتخذ التدابير الكافية لاسماع صوت العراق في هذه القضية للعصبة نفسها”.
عندما تحدثنا عن واقع التعليم في المنطقة الكوردية في اواسط العشرينيات لاحظنا بوضوح سياسة التمييز التي تبناها عدد من المسؤولين والنواب ايضا تجاه المنطقة الكوردية، السياسة التي طالت اثارها جوانب اخرى من حياة المنطقة. ولا نرى داعيا للاسهاب في توضيح ابعاد هذه القضية، لذا نقتصر على عرض انموذج واحد يخص لواء كركوك، عرضه على مجلس النائب نشأت ابراهيم في الجلسة السابعة والعشرين للاجتماع غير الاعتيادي الاول، بتاريخ التاسع عشر من ايلول عام 1925، والذي اكد فيه:

“ان لواء كركوك في اشد الحاجة، ونحن اعلم بدرجة احتياج كركوك، وبناء على ذلك قدمنا اقتراحات كثيرة نطلب فيها مساعدة الزراع، ولكن لم نستفد منها شيئا”.

سجل النواب الكورد ايضا ملاحظاتهم بصدد ضرورة التمسك باستقلالية المحاكم بوصفها رمزا للعدالة، على ان يؤخذ بنظر الاعتبار حقيقة ان “الحكام ليسوا مقدسين، ولا منزهين، وقد يمكن للحاكم ان يسيء” على حد تعبير نشأت ابراهيم. في الوقت نفسه جلب نائب الموصل حازم شمدين اغا انظار المجلس إلى سوء معاملة احد كبار ضباط الشرطة مع اهالي مدينته زاخو.وفي السياق العام انضم عدد من النواب الكورد في الدورة الانتخابية الاولى إلى المدافعين عن الحريات العامة، كما فعل ذلك داود الحيدري مثلا عندما احتج على قرار رسمي يقضي بسحب امتياز جريدة “مرآة العراق” من صاحبها، فتساءل كيف “ساغ لوزارة الداخلية ان تسحب ملكية جريدة دون استحصال قرار من المحكمة”، ووجه كلامه بالمناسبة إلى شخص وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني وطالبه بتعديل المادة الثالثة والعشرين من قانون المطبوعات، معبرا في الوقت نفسه عن اعتقاده بان المكان لا يمكن له ان “يبدل عقيدة المكين”.
ومنذ ذلك الحين تابع النواب الكورد بحرص موضوع الانتداب البريطاني المفروض على العراق وقضية استقلاله، وكانوا يطرحون اراءهم في مداخلاتهم البرلمانية بهذا الخصوص في ضوء ما تنشره الصحف ووكالات الانباء على لسان وزير المستعمرات البريطاني، كما فعل داود الحيدري مرارا.
وهكذا اثار العديد من النواب الكورد اهم قضايا المجتمع والاقتصاد والسياسة في جلسات مجلس النواب العراقي خلال دورته الانتخابية الاولى، وبجدارة مشهودة في حالات غير قليلة، خصوصا إذا اخذنا ظروف الزمان والمكان بنظر الاعتبار. ومع ان توصيات العديد من النواب ومقترحاتهم لم تجد طريقها إلى التطبيق، الامر الذي اشار اليه نائب اربيل صبيح نشأت صراحة في مداخلة له امام المجلس يوم السابع من اذار سنة 1927، وبقدر واضح من اليأس والتذمر، إلا ان ذلك لا يقلل من الاهمية التاريخية والسياسية لدور هؤلاء النواب بوصفه جزءا متمما لنضال الكورد من اجل ضمان حقوقهم المشروعة. ثم ان المداخلات تلك لم تخل كليا من مردود فعلي على ارض الواقع، وابلغ دليل على ذلك هو ان انتقادا وجاهيا لاذعا لصبيح نشأت نفسه دفع رئيس مجلس النواب رشيد عالي الكيلاني إلى تقديم استقالته من منصبه، لينتخب حكمت سليمان للمجلس بدلا عنه للمدة المتبقية من جلسات المجلس في الدورة الانتخابية الاولى. وبذلك يمكن القول ان نبوءة صحيفة “زيانه وه” الكوردية قد تحققت، عندما كتبت في مقالة لها لمناسبة انتخاب النواب الكورد للدورة الانتخابية الاولى الاتي نصه:
“املنا كبير باذن الله تعالى ان منطقتنا سوف تحظى بخدمات جيدة بفضل همة وسعي هؤلاء الذوات الاجلاء حتى يتسنى لها ان ترتقي إلى مستوى المناطق الاخرى، فان امالا كبيرة لهذه البلاد منوطة بنتائج جهود هؤلاء، لذا نرجو لهم التوفيق باذن الله”.
وهكذا تم تدشين تقليد مرموق في الدورة الانتخابية الاولى، لتواصل المسيرة في دورة مجلس النواب في دورته الانتخابية الثانية.