الرئيسية » مقالات » اكراد الخنادق واكراد الفنادق

اكراد الخنادق واكراد الفنادق

الأزمة الحالية التي افتعلتها تركيا ضد الكرد بعضاً من بؤس المشهد الكردي الداخلي، وشيئاً من التسيب الواضح في ترتيب الأولويات السياسية وحسم القرار الكردي دون ان يتأثر هذا القرار برأي زيد او توصية/مزايدة عمرو من الناس.

وبدى التخبط واضحاً في تشخيص التهديدات التركية وتبيان هدفها الحقيقي من ساعة حدوثها الى حين لقاء رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان بالرئيس الأميركي جورج بوش في واشنطن. وتبدو ردة الفعل الكردية الرسمية على التهديد العسكري التركي، الذي يتحجج بالعمال الكردستاني، في خفوت مستمر، وبعض التراجع عن الثوابت ايضاَ…

في الحين الذي يٌزيد فيه الجانب التركي من نبرة التهديد والوعيد. وبين هذين الموقفين تبرز بعض الأصوات النشاز التي تنطلق من مثقفين كرد يعملون اقلامهم في القضية “دفاعاً عن الكرد وتجربتهم المميزة في اقليم كردستان الجنوبية” كما يقولون.

هؤلاء، سواء من خلال كتاباتهم الطحلبية على شبكة الإنترنت أو مداخلاتهم في غرف الدردشة، (والتأثير يبقى محدوداً في كلا الحالتين، ولله الحمد) يستخدمون لهجة تحريض واضحة في تأليب الكرد في كردستان العراق ضد العمال الكردستاني. والبعض منهم يطالب بمواجهة كردية ـ كردية علنية وبعبارات صريحة لا لبس فيها. يريدون العودة بالكرد الى الزمن الوغد، زمن الإقتتال الأخوي التدميري ذاك.

واللافت في متابعة هذه الظاهرة الثقافية الكردية سمتين: الأولى: اغلب هؤلاء ليسوا من ابناء اقليم كردستان العراق. ثانياً: اغلبهم مقيمون في اوروبا. اي بعيدون عن مكان الحدث حيث المعايشة الميدانية والتفاعل اليومي المباشر مع الحدث بكل تداعياته ومؤثراته. وثمة تقاطع آخر بين ابناء هذه الظاهرة المرضية، وهو الكره والعداء الأعمى للعمال الكردستاني الى حد الرغبة في تدميره وتشتيت قواته. اضافة إلى إنتفاع البعض الآخر ببركات الفساد المتفشي في اقليم كردستان: حيث المبالغ الكبيرة التي تٌصرف دعماً للمشاريع الثقافية الوهمية التي يتقدم بها هؤلاء. هذا الرهط يلمع الأخطاء ويصفق للتجاوزات، متحلقاً حول الفساد كتحليق سربان الذباب حول الفطيسة…

ماذا يقول هؤلاء وما هو مشروعهم للخروج من هذه الأزمة؟.

البعض منهم يطالب العمال الكردستاني بالتخلي عن السلاح والتحول إلى “الإسلوب السلمي”، ويقولون “ان الكفاح المسلح انتهى وقته، وان النضال السلمي هو السبيل المعاصر لتقيل الحقوق”. وهذه مقولة واهية لاتنم عن اي قراءة ثاقبة لواقع حال الكرد في كردستان الشمالية. فالدولة التركية لم تطرح اي مشروع حل سياسي ولم تناد بالحوار والتفاوض والمصالحة الوطنية، حتى يرفضها العمال الكردستاني ويصر على الحرب والعنف. العكس صحيح. العمال الكردستاني يوقف اطلاق النار ويطالب بالحل السياسي وينتظر عفواً عاماً ليعود الى ساحته لممارسة السياسة تحت الهوية القومية الكردية في البلاد. لكن تركيا هي التي ترفض ذلك. تركيا تطلب امرين لاثالث لهما: اما الإستسلام أو الموت. وهذان الأمران مرفوضان من العمال الكردستاني، أومن اية حركة تحررية قدمت كل هذه التضحيات من اجل قضية مشروعة وعادلة. وكانت السياسية الكردية المعروفة ليلى زانا قد دعت قيادات العمال الكردستاني لمتابعة النضال وعدم تقبل اي مشروع إستسلام يٌطرح عليهم من جهات خارجية وينتهي بهم في السجن التركي، ل”يتعفنوا هناك” كما قالت.

وفي الوقت الذي يطالب فيه هؤلاء الناس العمال الكردستاني بالتخلي عن السلاح والتحول للنضال السلمي( رغم ان تركيا لم تحد عن موقفها الإنكاري الرافض لوجود وحقوق الكرد قيد انملة) يشددون فيه على ضرورة تقويّة قوات البيشمركة الكردية في اقليم كردستان وتوحيدها في جيش قوي واحد حديث لحماية الإقليم ومواجهة اي تحديات مستقبلية تواجهه( ونحن مع هذا المطلب ايضاً). يقولون ذلك رغم ان القضية الكردية في العراق قد اقتربت من الحل النهائي، ولم يبق سوى موضوع كركوك والمناطق الكردستانية التي لم تلحق بعد بإدارية الإقليم. ورغم ان الكرد هم الجانب الأقوى في “العراق الجديد” المتخبط في العنف، والعنف المضاد.

البعض الآخر يٌطالب قوات العمال الكردستاني وقيادييه بمغادرة جبال قنديل الحصينة الى ولايات شمالي كردستان ل”يتابعوا النضال هناك”. وهذا كلام فارغ في الحسابات الإستراتيجية. حيث ان جبال قنديل تحتوي على معاقل وقواعد العمال الكردستاني التي بناها طيلة اكثر من عشرين عاماً من النضال. ورغم ان قوات العمال الكردستاني موجودة في كل مناطق كردستان الشمالية وحتى في تركيا ومناطق لواء الإسكندرون والبحر الأحمر( اردوغان نفسه قال ان هناك 5 آلاف مقاتل يتمركزون داخل تركيا وفقط 500 موجودين في جبال قنديل)، الاّ ان منطقة قنديل ذات اهمية استراتيجية كبيرة للثورة الكردية الشمالية، ولن تستطيع التخلي عنها أبداً.

وعلى العموم، ففي الحالة الكردية وحين وقوع مواجهات بين الكرد واي نظام غاصب فإن الحدود لامعنى لها. فآلاف الكرد ومن مختلف اجزاء كردستان ساهموا في الثورة الكردية في كردستان العراق التي قادها الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني، كما ساهم الآلاف في الإنخراط في نضال حزب العمال الكردستاني في كردستان الشمالية. ولاننسى هنا بان البارزاني كان وزيراً للدفاع في (جمهورية كردستان) في مهاباد بكردستان الشرقية. وان رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني ولد في تلك الجمهورية.

ولن نتحدث هنا عن ان هدف تركيا الأصلي هو ضرب منجزات الأمة الكردية في كردستان العراق. فمجلس الأمن القومي التركي( اعلى هيئة لإتخاذ القرار في البلاد) درّج على وصف الحكومة والواقع الكرديين هناك ب”الخطر الإستراتيجي الأكبر على تركيا”. والجنرالات الترك يصرحون جهاراً نهاراً بانهم يستهدفون الفيدرالية الكردية ولن يقبلوا بضم كركوك لكردستان، ولن يقبلوا بوجود دولة كردية ولو حتى في الأرجنتين. اذاً فالعمال الكردستاني حجة هنا. والجائزة الكبرى هي كردستان العراق في المقام الأول. اذما كانت تركيا قادرة على انهاء حزب العمال الكردستاني وانزال ضربة ماحقة به، هل كانت ستسكت كل هذه الأعوام ياترى؟. هي تحارب العمال الكردستاني منذ 15 آب 1984 وقامت ب25 حملة عسكرية كبرى ضد قواعده، لكنها فشلت في كل تلك الحملات ولم تتمكن من قتل، او اسر، اي قيادي كردي، فلماذا تضغط على الحكومة الكردية وتطالبها بفعل ماعجزت هي عن فعله طويلاً؟

تركيا تريد من حكومة كردستان ان تقاتل قوات العمال الكردستاني نيابة عنها. تريد ان تخلق مواجهة كردية ـ كردية دموية لاتبقي ولاتذر، كما حذرّ السياسي الكردي المخضرم محمود عثمان قبل فترة. واي تنازل من جانب الحكومة الكردستانية في هذا الموضوع، واي خضوع لإرداة الحكومة والجيش التركيين، سيكون امراً كارثياً يضرب الوحدة الكردستانية في مقتل ويٌعيد الأيام السوداء حين كان الكرد يتقاتلون فيما بينهم والعالم كله يتفرج عليهم في أسف.

كما ان هذا التنازل حتى وان حصل، لن يٌرضي تركيا، بل ستطالب بالمزيد والمزيد وستخلق حججاً جديدة لضرب الحكومة الكردستانية( على رأي الكاتب والمفكر السياسي الكردي فوزي اتروشي). وهناك مواضيع “الإستفتاء في كركوك” و”الفيدرالية” و”حقوق التركمان”، وما أكثر حجج تركيا….

السيد مسعود البارزاني يعي حقيقة نوايا تركيا جيداً. يعلم ان المستهدف الحقيقي هو المنجز الكردستاني الجنوبي. لذلك ابدى مواقفاً شجاعة ومبدئية، تتطلع كل الأمة الكردية اليه الآن، وتدعوه للتمسك بها والثبات عليها مهما حصل…

قوات حزب العمال الكردستاني هناك..فلتتفضل تركيا وتذهب لمقاتلتها اذ كانت تستطيع فعلاً. والكرد في كردستان الجنوبية ليسوا بمسؤولين عن فشل الجيش التركي في تحقيق النصر ضد المقاتلين الكرد كل هذه السنوات. ولن يبادروا لمقاتلة هؤلاء نيابة عن الجيش التركي ابداً.

بعض الرهط من مثقفي الفنادق وابطال “دفاتر المشاريع الوهمية” يزايدون في خضم حملتهم الخبيثة الرامية لضرب الكرد بالكرد لإرواء غليل حقدهم على العمال الكردستاني، يزايدون على المثقفين الكرد من ابناء كردستان الجنوبية، ويٌظهرون انفسهم وكانهم اصحاب الدار والقرار والبقية لاتدرك حجم المخاطر المحيقة بكردستان وناسها. مع ان هؤلاء جالسون في اوروبا وهم واطفالهم بخير، في امن وامان، ومن تحت النار هناك هو المثقف الكردي العراقي واهله.

المثقف الكردي العراقي يٌطالب بالحوار والتفاوض ويدعو الدولة التركية للجلوس مع العمال الكردستاني لحل القضية الكردية في تركيا سلمياً، وهؤلاء يدعون حكومة اربيل للإنصياع لإرادة العسكر التركي ومقاتلة العمال الكردستاني نيابة عن انقرة.

عشرات بل مئات الأسماء الكردية من كردستان العراق تكتب داعية حكومة اقليم كردستان لعدم التنازل ورفض محاصرة ومقاتلة قوات حزب العمال الكردستاني مهما حصل، وبعض المثقفين الكرد من سوريا وتركيا المعادين للعمال الكردستاني يؤججون النار ويدعون للإقتتال الداخلي علانية، دون حياء او تأنيب ضمير.

وللأسف هؤلاء يجدون لهم مكاناً في كردستان ويٌستقبلون هناك بكرم حاتمي بوصفهم “كتاباً” و” مثقفين” و”ساسة” يمثلون الجمعية او الحزب الفلاني تارةً، أوبكونهم “رئيس تحرير” الصحيفة او الموقع الإلكتروني الفلاني، طوراً.

وبعض هؤلاء كانوا في السابق في صفوف العمال الكردستاني، وقالوا في الحزب الديمقراطي الكردستاني وفي السيد البارزاني ما لم يقله مالك في الخمر، وكانوا المثال الأسوأ الداعي للإقتتال الكردي ـ الكردي، ولهم كتابات مشهودة في سب وذم القيادات الكردية العراقية التاريخية. احد هؤلاء كان رئيس (البرلمان الكردستاني في المنفى)، وكان من جناح الصقور في وقته، وعادى السيد البارزاني وحزبه طويلاً. الآن هو يٌكرم في كردستان ويٌمنح منزلاً فخماً من رئيس الوزراء نيجيرفان البارزاني وميزانية مفتوحة وكانه احد ابطال ثورة ايلول الكبرى. بينما أهالي حلبجة الشهيدة يخرجون في ذكرى تدميرها على يد قوات المدحور صدام حسين ويحطمون “نصب الشهداء” في ساحة المدينة تعبيراً عن غضبهم من اهمال الحكومة لمدينتهم!.

هذا الرجل ورغم كل المكرمات التي اغدقتها عليه حكومة اربيل، صرح بصلافة، إبان الإنتخابات التشريعية التركية الأخيرة، وقال انه سيمنح صوته لحزب العدالة والتنمية!. تصوروا: سيمنح صوته لأردوغان الذي يصف كل من القائدين الكرديين مسعود البارزاني وجلال الطالباني ب”رؤساء عشائر شمال العراق”، ويرفض استقبالهما!!!.

مسعود البارزاني مقاتل صلب قبل ان يكون رئيساً. وهو بيشمركة ويفتخر بذلك. لذلك فهو يعي قيمة السلاح وكيف ان اعداء الكرد يحسبون الف حساب للبارودة الكردية ولإرادة المقاتل الكردي التي لاتلين قبل ان يفكروا بشن اي هجوم يستهدف اقتلاع الكرد من جذروهم، كما يبتغون. لذلك فالأمة الكردية كلها تتطلع إليه الان لكي يبقى شامخاً لايقبل الإنصياع لإملاءات دولة تركيا، عدوة الحق الكردي الأول.

والتاريخ الكردي، كذلك، سيذكر ثوار الخنادق، سواءً من اصبح الآن في سدة الحكم والإدارة أو من يتابع مهامه بكل عزيمة واصرار على الجبهة الأخرى، وسيفي هؤلاء حقهم. كما سيذكر ثوار الفنادق وباعة المواقف وبقية الرهط المتاجر، مثلما يذكر (كل) التاريخ الإنساني امثال هؤلاء للعبرة واستخلاص الدروس، حين الحديث عن الخسة والنذالة وبيع الأوطان..

ايلاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *