الرئيسية » مقالات » قصة قصيرة ( كبرياء كلب )

قصة قصيرة ( كبرياء كلب )

( ام حلانه ) قرية صغيرة متناثرة البيوت ترقد على ضفاف نهر صغير يسمى ( بشط العزامية ) في المشخاب .
استقر بعائلتي الحال في مقدمة بستان على جرف النهر في (أم حلانه) لأرض تعود ملكيتها لأحد الإقطاعيين من السادة. بعد تركنا دارنا الأولى على ( شط المجيهيلة ) بسبب شجار والدي مع الإقطاعي ثائرا لكرامته وعدم احتماله لظلم ( ارهيف ) وتحديه حتى للنظام الجمهوري الجديد بقيادة الزعيم آنذاك .
شط ( العزامية ) يكاد يكون خاليا من الماء تماما عند نزولنا على ضفته حيث تجري فيه عملية حفر وتطهير بواسطة عدد كبير من العمال كانوا يحملون الطمي بواسطة الكركات والمساحي لتحميل ( العدلان ) على ظهور الحمير لنقله إلى ضفة النهر . إنها أيام لا تنسى حيث غطت رائحة السمك المشوي والمقلي ومن كل الأنواع والإحجام والإشكال حين امتلأ النهر بالأسماك عندما فتحت سدوده بعد انجاز عملية الحفر والتطهير نضرا لكونه يصب في هور ( ابوذان ) الذي كان يشبه مستودعا ضخما للأسماك حاله كحال معظم اهوار العراق آنذاك .
لا يمكنني أن اصف ألمتعه الكبيرة في صيد الأسماك بوسائلنا البدائية المختلفة ( الشكافة , ألفاله , الشبك , السليه , الزهر ) فلايمكن أن يحس بها إلا من يمارسها .
رافقنا في الرحلة من الدار الأولى للدار الثانية كلبنا ( حمور ) طبعا لم يكن احمر اللون بل كان بلون ( طين الحري ) البني الداكن وكان وقتها كلبا فتيا نشطا متحفزا لا تفوته شاردة ولا واردة ليلا ونهارا . ولم تكن العائلة لتبخل عليه بأرغفة الخبز يوميا أو بقايا عظام الأسماك أحيانا وربما بعض العظام المكدودة في حالة ولائم العرس أو وليمة ضيف كبير ينزل على العائلة. رافق ( حمور ) العائلة في حالة يسرها في الدار القديمة وعسرها في الدار الجديدة . ولم تبدو عليه إمارات الكآبة أو الضيق رغم تبدل الظروف وفراقه لرفاق صباه في أول دار رغم انه كان يسرح أحيانا في أطياف طفولته ومسقط رأسه في الحديقة الغناء للعائلة على ضفاف ( شط المجيهيلة ) الغنية بالثمار وأعشاش وبيوض الطيور وأنواع النخيل … التي كانت تحظى برعاية فائقة من قبل إفراد العائلة وكان لها حق المغارسه في البستان والنخيل .
كان ( حمور ) رغم ذلك يطفح بالسرور والبهجة وهو يرى العائلة بكامل إفرادها نساءا ورجالا وأطفالا ومنهم المتحدث حيث كان حمور صديقي الأثير . كانت رائحة إفراد العائلة المحببه لديه تملأه بالنشاط هذه الرائحة المفضلة دون سواها من روائح بني البشر وهي علامته الفارقة بين العدو والصديق مهما كان منها مستترا أو ظاهرا ومهما قدم من الإغراءات حتى ولو كانت عظمة دسمه ويظل سيده صديقا مهما قسى وسيظل الأخر عدوه مهما بذل . انه وفاء كلب وليس أي كلب انه ( حمور )
كان يوما كلبيا مشهودا له في القرية حين توجته ( كمرة ) الجميلة الفتية البيضاء بتاج عرش المحبة والغرام رغم انف عشرات الكلاب الطامعة برضاها وكسب مودتها . فقد كان حمور بذكائه وفطنته ولياقته وقوته وإقدامه وجرأته لا يدانيه احد في امتلاك ( كمرة )
كان حمور شديد الحساسية فيما يخص كرامته وحمايته فهو يغضب حتى ولو رميته بعظمة دسمة مهما كانت درجة جوعه وحرمانه .
يتأسى ( حمور ) ويتألم كثيرا لغباء أسياده وهو يراهم يتجرعون خبزهم والرزالاحمر الخشن ( الحويزاوي ) مع النباتات البرية ( الكرط والكوكله ) بالرغم من إن النهر والهور بجانبهم يزخر بأسماك وفيرة من مختلف الأنواع والإحجام وكثرة وتنوع الطيور كالفخته والعصافير والزرازير والدراج والخضيري والذي كان حمور يظفر يبعضها على الرغم من عدم قدرته في استخدام وسائل الإنسان في الصيد.
فما ألذي يجعلهم يفنون حياتهم في خدمة الأرض على الرغم من عقم رحمها وظلم ملاكيها واستغلالهم, وكونهم يستطيعون أن يعيشوا عيشة أفضل مما هم عليه بأقل من ربع جهدهم المبذول في خدمة ارض الاقطاعيين والشيوخ وإذلالهم .
هل هو الادمان على العبودية والرضوخ للظلم والخوف من مجاهل الحرية ؟ أم هي غريزة الإنسان في استيلاد الأرض وإنبات النبات مهما بلغ من العرق والدم والألم وهو سبب خلق الإنسان لأول مرة من قبل الإله ليكدح من اجل توفير الطعام والغلال لها كما تذكر الأساطير وهاهو يكدح من اجل وكلائها الاقطاعيين؟؟
ربما يكون حالهم مع الأرض كحاله معهم حيث يفني عمره في مرافقتهم وخدمتهم وعدم قدرته على فراقهم رغم فقرهم ورغم كثرة العظام والطعام حول دور الشيوخ والملالي والسراكيل في القرية والمدينة المجاورة لم تغريه بفراقهم ؟؟
عاش حمّور حياته جذلاً فرحا ً قويا ً معافى وسط المروج الخضراء برفقة (( كمرة )) حبيبته الحسناء ملكا متوجا ً على رؤوس كلاب المنطقة ذكورا ً وإناثا ً على حدٍ سواء . حتى تناهى إلى سمعه وبصره مشهد العائلة وهي تحمل أثاثها المتهالك وفرشها الرث على ظهور الحمير مهاجرة إلى مدينة ” النجف ” حيث أمتلك ( لفته ) دارا ً في أطراف المدينة حينما كانت العائلة تتوفر على فائض من المال من واردات بستانهم وأرضهم ودارهم القديمة.
جاء هذا القرار بعد أن أنهك الجوع العائلة المشاكسة صاحبت الكبرياء بسبب جشع الاقطاعيين بالإضافة ألي شحة الماء لخراب ( المكينة) وعدم أعمارها من قبل الإقطاعي عقابا للفته بسبب عدم تقبيل يد(السيد) الإقطاعي وهذا مالا يجرأ عليه أي من الفلاحين في القرية قبل لفته.
وقد عرف لفته ب ” أبو العرايض ” حيث ظل لأكثر من ثلاث سنوات يدور بين المحاكم ودوائر الدولة وقد وصل حتّى إلى بغداد !!! آملا في مقابلة الزعيم في ذلك الوقت وصرف كل ذخيرته من المال والحلال في هذه المراجعات والمرافعات ليستردَّ حقه ويثأر لكرامته من الإقطاعي ” ارهيف ” ولكن دون جدوى وقد ظلَّت ” سلطة ودار السيد مامونه ” على الرغم من ضجيج الشعارات آنذاك في نصرة العامل والفلاح ورغم إن صورة الزعيم تزين أكواخنا ونظرتنا إليه كانت كمخلص للفلاحين وكل الفقراء ولكن …؟؟؟
نقول أنَّ هذا الأمر وضع حمّور في أرباك وحيرة شديدة وصعوبة اتخاذ قرار.
هل يرافق العائلة ألي حيث ضياعها في شوارع المدينة وأزقتها ويترك ” كمرة ” لأنه يعلم تماماً أن ” كمره ” لايمكن أن تقبل حتى مناقشة فكرة الرحيل عن القرية والتخلي عن قريتها وقد ذاقت في طفولتها مرارة وعذاب الذل والمهانة والابتذال في المدينة ضمن قصة حزينة عاشتها في المدينة وكيف غامرت بحياتها للعودة ألي القرية وامتلاك حريتها وقد روتها ل ” حمّور” في بداية تعارفهما .
هل يستطيع أن يتأقلم مع كلاب المدينة المخنثة الجبانة منزوعة الغيرة التي لا تعرف العدو من الصديق فكل من يطعمها بعظمة فهو سيدها وأن يكن أسفل السافلين. الكلاب المدنية منزوعة الكبرياء ممسوخة الذات مفرغة من المبادئ والقيم؟؟
هل يستطيع وسط هذه المسوخ الذليلة أن يقود ثورة كلبية من أجل الحُريّة وهي تؤمن بمقولة أو حكمة شائعة في أوساطها(كل الياخذ أمي يصير عمي)؟
عصفت هذه الخواطر والأفكار برأسه كدوي الزنابير ومادت الأرض تحت قدميه غير منتبها ل ( كمرة ) وهي ” تلحس ” جبينه الوضّاء الذي أنطفأ نوره على حين غرة غير مدركة وغير مستوعبة لمدى معاناته وصعوبة حسمه لأمره…
أنها لحظات تفصلك بين الحرية والكرامة وبين المذلّة والعبودية والهوان فما عساك فاعلا يا ” حمّور ” ؟؟؟
أقعى حمّور فوق ” المترب ” * مشرفا على فضاء ٍ فسيح على مدَّ البصر من الماء والخضرة وأصوات ذكور الدّراج تبدد صمت المراعي والحقول وجمال حبيبته بعد أن نفضت فروتها من ماء النهر فملأت انفه رائحتها الأنثوية المخدرة.
رفع يدهُ اليمنى متكئاً على يده اليسرى وضرب بها وجه الأرض بقوة كمن يبصم بإصرار على قرار مصيري خطير ؟؟
قفز نازلا من المترب راكضا بصحبة(كمره)وراء ضعن العائلة وسرعان ما أدركه، فاخذ يسايرني في المسير مرة خلفي ومرة قافزا أمامي وبجانبي كمن يحثني على البقاء وعدم الرحيل وكمن يقدم اعتذارا لعدم قدرته على مرافقة العائلة؟؟
مع هدير محرك السيارة الناقلة للعائلة وأثاثها من(الدسم) صوب مدينة النجف اختلط صوت عواء حمور باكيا شاكيا متألما مختلطا مع زعيق طيور الدجاج على ظهر السيارة في وداعها الأخير لحمور وكأنها تسأله بمن سيتكفل حمايتها من الثعالب بعده جاهلة حقيقة عدم وجود ثعالب في المدينة حيث هجرتها بعد أن تثعلب فيها الانسان!!!!؟؟؟
إنها شهقة الوداع الأخير( لحمور) لعائلة تنتقل إلى شكل جديد من أشكال المعاناة والألم والضياع..هذا مار وته له (كمره )عن حال الفقراء من الفلاحين المهاجرين للمدينة.
قالها حمور بصراحة رغم غصة الألم : الم الفراق والجوع مع امتلاكه لحريته أهون عليه من المذلة والضياع في أزقة المدينة.
مر أكثر من عام على رحيل العائلة من القرية تعرضت فيه لأقسى حالات الضياع والبؤس والمذلة وشظف العيش بسبب البطالة الشديدة وسوء وخبث وثعلبة اغلب سكان المدينة بما لايألفه ولا يعتاد عليه ابن الريف بإضافة إلى ماعاشه العراق عموما وخصوصا الوسط والجنوب بعد انقلاب 1963 من حالة الخوف والمطاردة والقتل والاعتقال على الشبهات من قبل الحرس القومي وملاحقة الشيوعيين وأصدقائهم ومن والاهم بمقتضى البيان رقم 13 سيء الصيت ولازلت أتذكر جيدا كيف أن ماء النهر اخذ يحمل على سطحه كتبا وكراريس حمراء بعد 8 شباط 1963.
وبمناسبة الحديث عن المدينة فاني كثيرا ما أربط بين ثعلبة والتواء وعدم مباشرة ومراوغة سكنة المدينة وبين تداخل والتواء وضيق أزقتها وشوارعها ودرا بينها مقارنة بامتداد واستقامة ورحابة ومباشرة فضاء الريف وانبساط أراضيه ومزارعه وأنهاره وحقوله وبالخصوص مدينة النجف التي رحلت إليها عائلتي عام 1963. تحيى هذه المدينة ازدواجية كبيرة بين ظاهر معلوم ومستتر مضموم بيوت مرتفعة البناء كعالم ظاهر والسراديب والآبار المظلمة كعالم ثاني متواري تحت الأرض وخوف العناصر الأجنبية التي توطنت المدنية من فرس وأفغان وأتراك وغيرهم اللذين كانوا يشعرون بنقص كبير أمام عروبة وأصالة أبناء الريف العراقي المجاورين للمدينة فبقدر ماكانوا عبيدا أذلاء يتملقون شيوخ العشائر في الريف ويخدمون الاقطاعيين عندما يكسبون منهم مالا وفيرا يحاولون أن يذلوا ويستصغروا الفلاحين الفقراء عند دخولهم للمدينة باعتبارهم عناصر غريبة غير مرغوب بها بسبب فراغ جيوبها.
كان (حمور) محط اهتمام أهل القرية وعطفهم لما تميز به من القوة والجرأة في مطاردة الثعالب وحتى الخنازير وإبعادها عن القرية ومدى وفائه لأسياده طيلة فترة غيابنا حيث لم يبارح الإطلال وهو يقعي عاويا بانين حزين يقطع أنياط القلوب نادبا شاكيا لواعج شوقه معاتبا أهل الدار بسبب غيابهم، ولم يعد يسامر (كمرة) على مروج الحقل في الليالي المقمرة .
وجدناه عند عودتنا للدار من المدينة خائبين بعد إن ضاق بنا المقام وشح علينا الخبز واللباس والطعام وعدم قدرتنا على التأقلم مع تقاليد وعادات ولؤم اغلب سكنة المدينة.
استقبلنا(حمور) من بعد مسترشدا برائحة العائلة بسبب ضعف بصره وهو يجر أقدامه بصعوبة وتقوس ظهره وتهدلت إذناه وتدلى ذنبه بسبب ماعاناه من الجوع والألم فقد أبى أن يستجدي عطف الغرباء من أهل القرية لإطعامه بعد رحيلنا فهده الجوع والمرض.
ومازاده كدرا ضعفه وقلة حيلته أمام حبيبته (كمرة) فلم يعد قادرا أن يصد عنها تطفل المتطفلين ولا تجاوز المتجاوزين من الكلاب الطامعة بها سواء من كلاب القرية أومن خارجها فقد تطاول الغرباء على حرمة اناث كلاب القرية بعد عجز ومرض ( حمور ) بتواطؤ وتخاذل وجبن وشذوذ بعض ذكورها.
في موسم الإخصاب السنوي المعروف أخذت قطعان الكلاب الحمر والبيض والسود والملونة تتحلق وتتعلق وتستعرض قوتها وفتوتها حول (كمرة) التي لم تظهر عليها علامات الكبر لجمالها الأخاذ المتجدد دوما وجاذبيتها الانوثية الآسرة التي لاتقاوم وان بدى عليها بعض الفتور بسبب ما حل بحبيبها وأثيرها (حمور).
ورغم إن اغلب الكلاب تهابه وتخشى صولاته وتقر له بمجد وبطولة سابقة وان بعضها قد جاء من صلبه محاولة قدر الإمكان كبح جماح غرائزها وعدم جرح شعوره بلاستيلاء على معشوقته الفاتنة.
لكن كلما اقترب اجل العرس الكلبي الموعود ازدادت كمره أنوثة وإغراءا وازدادت رائحتها إثارة ونفاذا فتزداد قوة غريزة الكلاب وحشية وضراوة وتوتر فتنحي كل تقاليد الاحترام والخوف والالتزام جانبا ليحل محلها الضراوة والإقدام للفوز بقلب الفاتنة البيضاء وريحها الانوثية المخدرة.
أخذت (كمره) تضعف أمام هياج الغريزة وعبارات واستعراضات الإغراء والإطراء والافتتان لكلب فتي قوي جميل شجاع من سلالة حمور استطاع عبر عراك ضروس أن يبعد عنها كل المنافسين الآخرين ليقرون صاغرين له بتاج العرس العظيم على(كمره) فاتنة الجميع وهي ترى فيه شباب حموربالاضافة إلى ضغط غريزة استمرار النوع وغريزة الأمومة التي لايمكن أن تقاوم بالنسبة لإناث كل الحيوانات ومنها الكلاب أذعنت (كمره) وأومأت بعلامات الرضا للعريس الشاب فدخل العروسان في غيبوبة الغريزة الطافحة ليذوبا في نار الغرام المتأججة فالتف الذيلان على بعضهما مفتولين كفتل الحبال بقوة خارقة وسط عشرات الكلاب صغارا وكبارا بيضا وسودا وهي تهز ذيولها وتدلق ألسنتها وتغلق عيونها على المشهد المسكر للعروسين ومشاركتهما لذتهما التي غيبتهما عن عالم الحضور إلى عالم السعادة والحبور إلا حمور فقد اسودت الدنيا بعينيه وانكسر ظهره وخارت بقايا قواه فانطلقت من فمه صيحة أطارت الطيور وأرعبت الحضور أفقدت جمع الكلاب المعرسة نشوتها وكبحت جماح غرائزها وأفاقت على صوت ارتطام جسم (حمور) في ماء بئر عميق متروك على مقربة من ا لدار وعندما هرعت للبئر لم ترى غير ذنب حمور وهو يغوص في لجة الماء الآسن كسرت أمواجه صورة القمر في كبد السماء وهو يتشظى شعاعا متطايرا على جدران البئر ما إن عاد الماء إلى ركوده حتى دوت جموع الكلاب بالنباح المريع وهي تمد أعناقها تكاد أن تسقط في البئر متوهمة انعكاس صورها على سطح الماء كقطعان مستثارة تحمل جثة حمور على رؤوسها لتخرج من غياهب البئر للانتقام من قاتله!!!؟؟؟. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *