الرئيسية » مقالات » تركيا و البحث عن الذات

تركيا و البحث عن الذات

لقد أدت ضعف دولة العراق الفيدرالية و تطورات القضية الكردية لاسيما في العراق ، و بهدف الضغط على قوى حركة التحرر الكردية التي استطاعت بفعل تضحياتها أن تؤسس مع العراق تجربة رائدة – يخشى من أن تصبح نموذجا يقتدا به في باقي أجزاء كردستان -، إلى ازدياد حدة التألب دول الجوار عليها و خاصة من قبل الأنظمة المقتسمة لكردستان ، كل بحسب مصلحته و خدمة لأجندته في توسيع دائرة نفوذه ، و برز هذا التألب جليا و في أشكال مختلفة أبان تحرير العراق ، من اقتصادية إلى سياسية و دعم توجهات معينة ، ومن خلال استغلال التنوع المذهبي و الطائفي و القومي …الخ في العراق لمحاولة إعادة العراق إلى المربع الأول و القضاء على كل الإنجازات التي تتحقق فيها ، و أخر تلك المحاولات ومن المؤكد أنها ليست الأخيرة ما نشاهده هذه الأيام من قبل تركيا ( الأردوكمالية ) و التي تسعى إلى تحقيق :
• الضغط على أمريكا في العراق ، حتى تتخلى عن مسألة التصويت في الكونكرس على اعتبار مذابح الأرمن في الدولة العثمانية هي عملية إبادة جماعية ، و تذكيرها بضرورة عدم تقاسم الدعم لها مع أكراد العراق ، و خاصة بعد ما تسرب من أنباء حول نية واشنطن في أنشاء قواعد لها في كردستان الجنوبية ، و تخوف تركيا من أن يتشارك الأكراد في العراق مواقع تركيا في تحالفها الإستراتيجي مع أمريكا على المدى البعيد ، فسعت تركيا إلى محاولة استغلال و جودها في حلف الناتو ، و وجود قواعد أمريكية و أطلسية على أراضيها ، و حاجة أمريكا لها في أمداد قواتها الموجودة في العراق بالدعم اللوجستي ، لتحقيق أهدافها و ثني أمريكا عن مواقفها .
• رغبة تركيا في مدّ نفوذها إلى داخل العراق ، بعد أن شعرت بأنها لم تكن صائبة في قرارها عدم المشاركة في حرب غزو العراق و الحصول على الغنائم كما فعلت إيران ولتكون شريكا في أقرار التسويات الداخلية لاسيما في ما يتعلق بكردستان العراق ، حيث الخطوات تتجه نحو تسوية المسائل المتعلقة بأوضاع المناطق الكردية خارج حدود إقليم كردستان و في مقدمتها كركوك ، و شعور تركيا بإمكانية استغلال بعض الأطراف كما تفعل إيران كوسيلة لوقف المدّ الكردي في كردستان العراق .
• رغبة و طموح قادة الجيش في تركيا بأضعاف التيار الإسلامي المتمثل بحزب العدالة و التنمية بقيادة ( رجب طيب أردوغان ) و ذلك من خلال زرع شرخ بينها و بين أكراد تركيا الذين بدأ بعضهم بتأييد الحزب في صراعه مع القوميين من خلال الانتخابات الأخيرة في تركيا و أظهار ( حزب العدالة و التنمية ) نفسه بأنه عدو لكل الأكراد .
• سعي حكومة تركيا و قادتها بصرف أنظار الشعب التركي و القوى الديمقراطية و المجتمع المدني عن الأزمات المستعصية ، وفشل الحكومات في إيجاد الحلول لها ، والهروب من استحقاقات الوضع الداخلي إلى توسع خارجي ضمن كردستان الجنوبية ، و هذا ما ظهر واضحا من خلال تعبئة الشارع التركي وحرف توجهه باتجاه معاداة الأكراد بدل من الانشغال في الداخل ، فالتجارب السابقة أكدت أنه كلما اشتدت أزمات الداخل التركي تلجأ إلى استخدام القوة و شنّ حروب ظالمة ضد الشعب الكردي و في كل مناطق تواجده ، فكلما اشتدت أزمة الحكومات التركية ، توسعت دائرة العنف لديهم ضد الأكراد و شملت مناطق أوسع ،و يبدو أن هذه المرة لم تعد ساحة كردستان تركيا تستوعب العنف التركي ، فأرادت الخروج إلى خارج حدودها الجغرافية مادام من يسكن وراءها أكرادا ، مدفوعة بعقدتها من الزوال التي حملتها معها في هجرتها من أواسط أسيا بخيامها و نعاجها هربا من الجوع و العطش بزعامة عثمان بن طغرل إلى كردستان .
• محاولة حزب العدالة و التنمية إغلاق الطريق و الهروب إلى الأمام في صراعه مع القوميين و الجيش الانكشاري ، وإظهار نفسه بأنه أكثر منهم حفاظا وولاء لتاريخ أتاتورك و الإتحاد و الترقي و أكثر منهم حماسا في كبت الطموح الكردي أينما وجد حتى خارج حدودها الجغرافية .
• خشية تركيا من تطور الحالة الكردية في كردستان العراق ، و محاولة تجاهلها ظاهريا مع السعي إلى إجهاضها عمليا قبل استقرارها ، و أعاقة الوصول إلى مرحلة الاستفتاء على مصير كركوك التي تعرف يقينا نتائجها ، و الاستفادة من دعم إيران و سوريا اللتان أكدتا دعمهما الواضح لها في ضرب التجربة الكردية ، من خلال محاربة الإقليم و رموزه ،سياسيا و اقتصاديا و التعاون الأمني من اتفاقيات سابقة ، وإسناد مواقف تركيا إعلاميا ، وقصف أيراني لمواقع داخل إلاقليم و حشد قواتها على الحدود ، ومن المؤكد كما يظهر أن النظاميين مرتاحين و موافقين تماما على اجتياح التركي لكردستان في الواقع العملي ، باعتبارها موجهة و قبل كل شيء ضد مكاسب الشعب الكردي ، حيث أن تركيا بذلك تحقق هدفا مشتركا من أهداف الأنظمة الغاصبة لكردستان ، فحدود هذه الدول مفتوحة للدبابات شريطة أن تكون قذائفها موجهة نحو صدور أبناء الشعب الكردي ، وهما لن ينزعجا حتى لو دخلت قوات التركية أراضيها إذا كان الهدف هو ضرب الأكراد ،وهم متفقون على إيذاء تجربة الإقليم و الإمساك من جديد بورقة الكردية التي تحررت في الآونة الأخيرة من أيديهم أبان خروج السيد عبد الله أوجلان زعيم ( pkk ) من الوصاية السورية و الإقليمية و تحرر القيادات الكردية من تسلط الأنظمة الغاصبة لكردستان .
• محاولة تركيا استباق الزمن في تثبيت صفة ألإرهاب على حزب العمال الكردستاني وتوسيعها ليشمل أحزاب و شخصيات كردية أخرى ، بعدما لاحت لها بوادر رفع صفة الإرهاب من قبل أمريكا و أوربا عن الحزب وحدوث لقاءات بينهم ، وظهور أمكانية تحول الحزب إلى حياة سياسية من خلال مشاركتها في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة .
• سعي حزب العدالة و التنمية إلى أرضاء التيارات الشوفينية و العنصرية من أحفاد ترك أوجاغي و الأسلامويين في تركيا الطورانية ،و أقناعهم بأنه يمثل مصالحهم و رغباتهم .
• محاولة أحداث شرخ ما بين مكونات العراقية ( عرب – أكراد – تركمان …الخ ) من جهة ، وما بين الحكومة الفيدرالية ببغداد و حكومة الإقليم في هولير من جهة ثانية ، وما بين حركة التحرر الكردستانية ( حزب العمال الكردستاني و باقي قوى الكردية في كردستان الجنوبية و الشمالية ) من جهة ثالثة ، و دفعها باتجاه اقتتال كردي عربي ، و كردي كردي ، يساعدها في انهيار الحالة الكردية في العراق .

• رغبة تركيا العدالة و التنمية ، التأكيد لدول الجوار الإسلامية و العربية ، أنها و رغم اتفاقياتها و حلفها الاستراتيجي مع إسرائيل وواشنطن ، فأنها ما زالت متحدة معها في مناهضة و القضاء على الحلم الكردي ، أما إيران و سوريا المعزولتين و المتهمتين بألأرهاب فوجدتا في دعم تركيا نقطة للتلاقي ولاختراق العزلة الدولية عليهما ، والجميع أراد أن يرسل رسائل إلى القوى العظمى من خلال الضغط على الجرح العراقي ، لتحقيق مكاسب نووية و توسعية لها في دماء الأبرياء ، أو أخراجها من قفص الاتهام و العزلة والسلام مع إسرائيل من خلال الدماء الكردية والاعتراف بأن حدودنا الشمالية حدود أمن و سلام .
وبالرغم من توفر الكثير من النقاط لتركيا ، فأن نجاحها أمرا شبه مستحيل ، فتركيا تعاني أزمات سياسية و اجتماعية و دستورية ،لا تساعدها على الاستمرار طويل في هذه الأوضاع ، كما إن التوافق الحاصل سواء بين تركيا وباقي الدول المغتصبة لكردستان ، أو بين العدالة و التنمية والقوميين و قادة الجيش من جهة أخرى ، مؤقت و لن يستمر إلى الأبد ، فلن تطول الخلافات إلا بالظهور من جديد بين مجموعة اللاعبين على الساحة ، كما أن القضية الكردية في تركيا أكبر من أن تستطيع تركيا حصرها في اتجاه معين ، لأنها قضية أرض و شعب تعداده بالملايين ، بألاضافة إلى مجموعة المشكلات الأخرى التي تتفاعل سواء القبرصية أو محاولات دخول الاتحاد الأوربي منذ عام 1963م أو الأرمن أو العرب مرورا بالأزمات الاقتصادية و الديمقراطية و سجل حقوق الإنسان …الخ ، و أن أرادت تركيا بتقربها من إيران و سوريا أو منح الاقامات لحماس و حزب الله ونقل الأسلحة لهما من إيران عبر سوريا إرسال رسالة إلى القوى العظمى . فأن هذا الموقع الجديد بحد ذاته يحمل في طياته الكثير من التناقضات و المشاكل و الأخطار، لأنها متهمة بالإرهاب في الوقت الذي تبرر تركيا أعمالها بمحاربة الإرهاب ،و عندها لن يكون بمقدور تركيا إذا ما حاولت الرجوع إلى ما كانت عليه دون أن تدفع ثمنا باهظا لغيها و عنجهيتها .
وفي كل الأحوال فأن ما تريد تركيا تحقيقها من تهديداتها ، بعيدا كل البعد عن التحقيق و خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار محاولاتها السابقة والمتكررة ، و احتمال انقلاب القوى السابقة الذكر عليها و نهوض القوى الديمقراطية و جماهير الشعب الكردي في كل مكان لاسيما في الأجزاء كردستان ، عندها سوف تتحول القضية من محاولة القضاء على الإرادة الكردية التحررية إلى قضية تحرر قومي شامل لن تنتهي إلا بعد أن تأخذ مداها الطبيعي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *