الرئيسية » مقالات » المكانة القانونية للغة الكردية في العراق

المكانة القانونية للغة الكردية في العراق

نقاش – – 7/11/2007 – ليست اللغة وسيلة للتفاهم وحسب، بل هي أحد الجوانب الأساسية في الهوية السياسية لاية امة. واللغة هي احدى العوامل التي ابقت الكرد كردا، لذا من الواجب ان يكون موقع اللغة الكردية في العراق في مقدمة الاهتمامات السياسية، لكن السياسيين والقانونيين الكرد ما زالوا لحد الان مقصرين في الدفاع عن لغتهم.


الدساتير السابقة

الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي 1925) وفي مواده الـ 123 لم يعترف باللغة الكردية بل تجنب ذكر المتحدثين به كاحد مكونات العراق. بدلاً من ذلك جاء في المادة 17 منه بان ” العربية هي اللغة الرسمية سوى ما ينص عليه بقانون خاص”. وبالرغم من ان هذا الدستور قد تم تعديلة مرتين، المرة الاولى بعد ثلاثة اشهر من صدوره و المرة الثانية عام 1943، إلا أن التعديلات لم تشمل المادة المذكورة ولم تعمل على إضافة مادة دستورية تنص على ان اللغة الكردية هي كذلك لغة رسمية. لكن وفي عام 1931 صدر “قانون اللغات المحلية”، الذي اعترف في نطاق محدد باللغة الكردية، لكن لم ينظر اليها كلغة “مستقلة”، بل كلغة محلية خاصة بمنطقة معينة. ثم جاء دستور 1958 المؤقت والذي لم يتطرق، عدا في المادة الثالثة القابلة للتأويل، الى الكرد ولغتهم. فالمادة الثالثة نصت على أن العرب والكرد شركاء في الوطن لكنها أتت بعد مادة تنص على ان “العراق جزء من الامة العربية” ولم يشر هذا الدستور اطلاقاً الى اللغة الكردية كلغة رسمية في العراق.

وفي دستور 1964 جاءت المادة 3 منه لتنص على ان ” الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها واللغة العربية لغتها الرسمية” وبذلك سد الطريق امام الاعتراف باللغة الكردية، وكان هناك فقط اشارة في المادة 19 الى ان ” يقر هذا الدستور الحقوق القومية للأكراد ضمن الشعب العراقي في وحدة وطنية متأخية”. وكذلك فعل الدستور المؤقت لعام 1968 الذي اشار ايضاً في المادة الرابعة منه الى رسمية اللغة العربية فقط. اما الدستور المؤقت الذي صدر عام 1970 وبقي نافذاً الى يوم سقوط النظام عام 2003 فكان صيغة معدلة من دستور 1968. هذا الدستور نص باستخدام اللغة الكردية في مناطق الحكم الذاتي، ويقصد بمناطق الحكم الذاتي المناطق التي يسكنها غالبية كردية. لكن النظام قام بتعريب الكثير من المناطق الكردية وحرم سكانها من الحكم الذاتي وحرية استخدام اللغة الكردية.


لا داعي للكردية!

جاءت صياغة قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية حاملة معها تقدما ملحوظا مقارنة بالدساتير، ونص قانون إدارة الدولة في المادة 9 منه على ان ” اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق”. وقد اخذ الدستور الدائم فيما بعد بهذه المادة وادرجها ضمن المادة 4 مع اضافة فقرتين بالنسبة للغات التركمانية والسريانية واللغات المحلية الاخرى.

الجملة الاولى من المادة 4 في الدستور الدائم والتي نصت على ان ” اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق” تفسر نفسها بنفسها ، لكن وفي الفقرة التالية وعند شرح الصفة الرسمية يلاحظ بان اللغة الكردية قد فقدت مساواتها مع اللغة العربية او تم تضييق نطاقها على الاقل. فالفقرة الثانية تقول بأن التكلم والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية يكون “بأيٍ من اللغتين” لا “بكلتا اللغتين” على ما جرت عليه دساتير اخرى. وفي المجالات الرسمية التي تتحدث عنها المادة كمجلس النواب، ومجلس الوزراء، والمحاكم، والمؤتمرات الرسمية و بسبب غلبة نسبة العرب فان اللغة المستخدمة عمليا هي اللغة العربية في حين توضع اللغة الكردية على الرف، حيث يكون كافيا من الناحية الدستورية اللجوء الى اللغة العربية.

هنالك ملاحظة ثانية هي أن هذه المادة وفق الدستور لا تطبق مباشرة ، بل يجب اصدار قانون خاص ينظم هذا الامر، لكن السؤال هنا هو متى سيصدر هذا القانون؟ القانون لم يصدر للآن ولا احد يتحدث عن قرب صدوره. والمادة الثانية تتحدث أن تطبيق القانون ينبغي أن يشمل “اية مجالات اخرى يحتملها مبدأ المساواة” كإصدار العملة النقدية والطوابع الخ… لكن وإلى الآن، لم يصدر قانون لتغيير طباعة ورقة العملة والطوابع و الجوازات كي تكون كلها باللغتين؟


رسمية فقط داخل كردستان

النتائج العملية من الفقرة الثانية واضحة من حيث تهميش اللغة الكردية، فالفقرة ثانياً/ ج تعترف بجميع الوثائق الصادرة باللغتين، لكنه منذ فترة نفاذ قانون ادارة الدولة و الى يومنا هذا فان اصدار جميع الوثائق القانونية يجري باللغة العربية فقط ويتم طبع النسخ الاصلية منها فقط بهذ اللغة، في حين يقوم بعض الأشخاص بترجمتها بشكل غير رسمي. والمعلوم ان الترجمة تختلف في كثير من الاحيان عن النسخة الاصلية، واذا ظهرت مشاكل حول اصلية نصوص معينة من هذا الدستور فانه يتم العودة الى النسخة العربية.

في هذا المجال يمكن الاستشهاد بالنموذج الاوروبي، حيث كانت اللغات الاثني عشر لدول الاتحاد قبل توسيعه لغات رسمية، واللغة الفنلندية التي يتكلم بها حوالي 4 ملايين كانت مساوية للغة الانجليزية، ونوابهم في البرلمان الاوروبي وبالرغم من انهم يتقنون لغات أخرى خاصة الانكليزية والفرنسية، غلا أنهم يتكلمون بلغتهم الام. في أوروبا التي لا تعاني من أزمات هوية قومية وأقليات يتم التعامل مع اللغات القومية بهذا الشكل، لكن عندنا وفي الوقت الذي يعتبر لغتنا هي هويتنا يتم التعامل معها بهذا الشكل.

الفقرة الثالثة من المادة التي تنص على ان “تستعمل المؤسسات و الاجهزة الاتحادية في اقليم كردستان اللغتين” وهي مادة غير منسجمة مع سابقاتها و هي زائدة في الاساس، وطبقاً لهذه المادة فانه في باقي مناطق العراق تستعمل اللغة العربية فقط بينما تستعمل اللغتين في المقابل في كردستان وتكونان متساويتان، وهذه الفقرة تلغي مضمون الفقرة الاولى من حيث تساوي اللغتين في عموم العراق. اذن ان صفة الرسمية تنتهي مع حدود اقليم كردستان، وبما ان رسم هذه الحدود تأجل طبقاً للمادة 140 الى نهاية 2007 فهذا يعني ان اللغة الكردية لا تستعمل في المناطق الكردستانية الاخرى بما فيها مدينة كركوك.

هذا الدستور صادر من الحكومة الاتحادية، لكن حينما ننظر الى قوانين اقليم كردستان نفسها فان مسألة اللغة هنا مهملة ايضا الى حد بعيد، لان الكثير من قوانين الاقليم تمت صياغتها وطبعها باللغة العربية، وحتى مشروع دستور الاقليم فقد تمت صياغة النسخة الاصلية منه باللغة العربية. ومن الناحية العملية فان محاكم الاقليم ايضاً تستخدم اللغة العربية الى الان. هذا كله يدل على عدم ادراك مسألة اللغة كمسألة متعلقة بهوية امة و كيانها السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *