الرئيسية » التراث » الرقص الكوردي بين سلطة التقاليد والرغبة في حرية التعبير

الرقص الكوردي بين سلطة التقاليد والرغبة في حرية التعبير

ترجمة : نارين صديق مام كاك

إن الإنسان الكوردي، وبحكم تاريخه الاجتماعي والجغرافي، كانت رغبته متوجهة دائماً نحو حرية فكره وجسده، وأثناء التعبير عنهما عن الحرية والجسد في الدبكة والرقص الكوردي، يتبادر الى الذهن سؤال، وهو لماذا نتراصف نحن الكورد الواحد تلو الآخر في أحيان كثيرة، في الفرح والحزن، ونتوجه نحو مصير مجهول؟ لماذا في أكثر حالات الغبطة والسرور نمسك بأيدي بعضنا البعض، ونـُحرك أرجلنا، ونضرب بها الأرض بإيقاع منتظم؟ من بين عشرات أنواع الرقص، وبعد مئات السنين من التطور وظهور الرقصات الكوردية المختلفة، التي تصب جميعها تقريباُ في القالب الفني السائد نفسه، إلا إننا نلاحظ أن جميعها تتميز بنفس الصيغة والشكل، وهو تشابك الإيدي الواحد تلو الآخر، والإصطفاف في سلسلة واحدة، فيتكون جدار من الأجساد، وثم البدء في الدوران بحلقات كبيرة وصغيرة، معتمدين على حركات الأرجل المنتظمة والمتعاقبة، ضمن صيغة متفق عليها مسبقاً …

إن تكرار هذا الإسلوب في كل أنواع الرقص الكوردي يعود لسببين … أولهما، إن الرقص الكوردي لايتميز بصفة ذاتية أو فردية، إذ لا يتمكن الفرد من التعبير عن فرحه وسروره بمفرده خارج هذه المناسبات الخاصة، فالدبكة الكوردية هي الطريقة الوحيدة للرقص، والذي يكون تجّمع مجموعة من الأشخاص شرطاً أساسياً فيها، ذلك لأن الموسيقا المرافقة لها من الطبل والزورنا أو الألحان والإيقاعات التي تـُعزف من الآلات الحديثة الآن، لا تسمح بالرقص الفردي ولا تتلاءم معها. فالرقص الكوردي أساساً هو رقص ذو طابع جماعي. ومن هنا يتضح أن الشرط الأساسي للرقص الكوردي، هو وجود عامل مبهج ومفرح للفرد، إلا إنه يضطر لتقييد تعبيراته عن هذه الفرحة، لأنه يكون ملزماً بمشاركة الآخرين، مثل إلتزامه بالإيقاعات والحركات المرسومة والمعدة له سلفاً، دون أن تكون له الإرادة في الإختيار والتعبير بحرية عن جسده كفرد، والسبب هو أن أسس التجمع الجماعي وتنظيم الدبكة لا تسمح بذلك، فضلاً عن أن الثقافة المفروضة لا تسمح هي الأخرى لفردانيته باختيار حركاته الخاصة بشكل طبيعي، وهذا يعكس فكرة جبروت الأعراف الإجتماعية. ومن جهة أخرى، فإن طبيعة الدبكة الكوردية، التي هي عبارة عن تشابك بالإيدي، هي طبيعة سلطوية منتظمة، تفرض على الفرد ثقافة النهي، والشخص الوحيد الذي يتحرر من هذه السلسلة المتلاحمة بالأيدي هو من يتمكن من أن يحرر يديه وبذلك يحرر جسده أيضاً، فتشابك الأيدي هو سلوك غير حركي، إلا أنه في الوقت نفسه تطمين غير مباشر للأفراد الذين يتخوفون من الخروج عن العادات والتقاليد والقوانين السائدة. إن تشابك أيدي الراقصين في الدبكة الكوردية بمثابة القفل والمفتاح، فهي متداخلة والإنفصال بينها ليس سلساً أثناء الرقص، كما أن إيقاعات الرقص يزيد من قوة الترابط بين يد الشخص والآخر، فلا يمكنها أن تتحرر، وتلك إشارة قوية الى الاذعان غير المباشر نحو ثقافة النهي وسجن اليد، وبالتالي تسوير وإحاطة الجسد. هذا الجسد الذي من غير المستطاع أن يقرر قراراً داخلياً بتحرير الذات، بل يتحول الى جسد بدون يد أو ساق، لا يملك نفسه، جسد لا يمكنه أن يحرر تفكيره وأحلامه ورغباته المليئة بالحرارة من أسر الأيدي والتجمع الذي يحيط به. فمحتوم على جسده أن يتحرك بنفس الصيغة والإيقاع للأفراد المشابهين له والملاصقين به، بحيث أن أي خرق للقانون الإيقاعي المعمول به يصبح خرقاً وتجاوزاً على مسيرة الرقص، لأنه سيؤثر على الإيقاع العام للدبكة. وهذا يعد بحد ذاته سلطة إضافية من الجماعة على الفرد، فعدم مشاركته في أي حركة من حركات الآخرين لا يُمَكِنهُ من المشاركة في الرقص الجماعي. إن الرضوخ الجماعي للراقصين بشكل لا شعوري، لهو إنعكاس للرضوخ العام والإحترام لحكمة المحافظين على الثقافة عبر التاريخ، وموافقة صريحة على تلك السلطة الماهوية والجوهرية في العودة الى مواعظ الآباء والأجداد. وأمام إختفاء حرية حركات الايدي والجسد نلاحظ بعض الظواهر والحركات من قبل الراقصين، كالصراخ وإطلاق أصوات ذات إيقاعات خاصة، أو الهلاهل، أو الفاظ تزيد من قوة إيقاع الرقص لدى الراقصين وتزيدهم حماساً، وذلك في محاولة للتعبير عن النشوة والتحرر الداخلي. إن كل رقصات شعوب تمتلك إيقاعات وحركات خاصة بها، وفي معظم الأحيان تمنح أفرادها فرصة ولو قليلة للرقص بمفرده والتعبير بحرية عن نفسه ، وعن سروره من خلال يديه وساقيه وجسمه، وهو ما لا يوجد في الرقص الكوردي. كما إن الرقص الكوردي بأنواعه، ليس فيه رقص خاص بالرجل والمرأة بمفردهما، كرقصات العُـشاق أو المخطوبين، التي يجب أن تكون خاصة فلا يشاركهم بها أحد، وهذا أيضاً يدل على ثقافة النهي والمنع التي لا تجيز للمرأة والرجل أن يندمجا بصورة منفردة في رقصة مشتركة بهما. إضافة الى كل ذلك، فإنه في الدبكة الكوردية، من غير المستحب أن تمسك المرأة بيد رجل غريب عنها في الوقت الذي يُسمح بذلك للأب والإبن وإبن العم وإبن الخال والرجل الكبير في السن، إلا أن هذا الأمر قد طرأ عليه بعض التغيير في السنوات القليلة الماضية، وخاصة في المدن. و في الرقص، عندما يـُسلب الرجل والمراة حق التمتع المشترك برقصة ثنائية، والتعبير عن حريتهما وأحلامهما، والسرور الذي يشعران به بشكل حي، فأن ذلك يعد نظاماً ثقافياً مغلقاً، لأنه تمكن عبر سنوات طويلة من أن يفرض شكلاً إشتراطياً وإجبارياً من العلاقات الإجتماعية على حياة المجتمع الكوردي. في هذا نصل الى حقيقة مهمة وهي أن جوهر فكرة حرية الفرد في مجتمع ما، يعتمد على الحرية التي يحققها المجتمع برمته، وهذه الحرية مرتبطة بدورها بالتطور الشامل الذي تحققه كل النشاطات الثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية لقومية أو مجتمع ما. فحريٌّ بنا أن نقول أن المجتمع الكوردي لم يتمكن بعد من الوصول الى ذلك النمو والتطور في التعبير عن سروره بحرية وبفردانية، لأن العادات والتقاليد لا تزال تمثل سلطة ثابتة، وناهية، وصارمة مستحوذة على الفرد.
شفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *