الرئيسية » التاريخ » الجذور التاريخية للحقد التركي – الستراتيجية التركية في كوردستان الى اين؟

الجذور التاريخية للحقد التركي – الستراتيجية التركية في كوردستان الى اين؟

ترجع جذور الحقد التركي على الشعب الكوردي الى القرن السادس عشر الميلادي عندما دحر السلطان سليم العثماني الشاه اسماعيل الصفوي في معركة جالديران عام 1514م والقيام بتقسيم كوردستان بمزاجه اذ اقتطع ثلاثة ارباع كوردستان وضمها الى تركيا ومنح الباقي الى الدولة الفارسية انذاك وقد بسط السلطان نفوذه في عموم كوردستان بموجب الاتفاقية التي عقدها مستشاره الملا ادريس البدليسي مع الامراء والزعماء الكورد وتم الاعتراف بسلطة الرؤساء الكورد وحقهم في ادارة مناطقهم مقابل تزويد الجيش العثماني بالمقاتلين الكورد عند الحاجة وعلى الرغم من ان الاتفاقية اضفت الشرعية على السلطة الواقعية للامراء والرؤساء الكورد الا انها سببت افدح الخسائر واكبر النكبات للشعب الكوردي اذ تم القضاء على امارة بوتان وهي اخر الامارات الكوردية التي كان يحكمها بدرخان بك التي بلغت اوج تقدمها عام 1842 وتوسعت سلطتها وتطورت الى حكومة قومية مركزية مستقلة في كوردستان.
ولكن الاستعمار البريطاني افتعل ضجة صليبية لاثارة الرأي العام الاوربي ضد الشعب الكوردي وذلك بحجة حماية المسيحيين في المنطقة مما ادى الى ارسال حملة عسكرية تركية الى كوردستان ونشوب حرب بين الحكومة التركية والامارة الكوردية وكانت نتيجتها سقوط امارة بوتان عام 1847م وبسقوطها الغي العمل باتفاقية البدليسي وتم القضاء على فكرة السلطة القومية المركزية وفي عام 1908 شكلت الحكومية العثمانية لجنة لمعالجة الوضع في كوردستان واوصت بمنح الحكم الذاتي للشعب الكوردي ضمن الدولة العثمانية الا ان قادة الاتحاد والترقي الذين تسلموا الحكم وفضوا التوصة وطبقوا سياسة عنصرية شوفينية تركية ادت الى فشل عقد الائتلاف التعددي القومي في السلطة العثمانية. اذ كانت الحكومة العثمانية تعمل تحت ستار الدين للسيطرة على كل الشعوب والاقاليم ضمن الامبراطورية العثمانية الا ان هذا الستار تمزق بسبب ممارستها سياسة شوفينية متطرقة تتناقض ومبدأ التآخي القومي في دولة متعددة القوميات مما خلق تذمراً واسعا بين الشعب الكوردي.
علما بان الكورد عملوا مع الاتراك لتحرير تركيا من الاحتلال الاجنبي بعد الحرب العالمية الاولى على امل حل المسألة الكوردية سلميا ضمن اطار الحكم الذاتي للشعب الكوردي ضمن الدولة الواحدة لكن الحكومة الجديدة تجاهلت ابسط الحقوق القومية للشعب الكوردي كذلك تبنى قادة الكورد منهجا استراتيجيا سياسيا لتحقيق اهدافهم لنيل حقوقهم القومية المشروعة ولكن الحكومة التركية منذ اقدم انتهجت سياسة تتريك الكورد وتهجيرهم من مناطقهم كي لا يتجاوز نسبتهم في اية منطقة عن 5% من مجموع سكان تلك المنطقة لسهولة السيطرة عليهم ومنع عودة المهجرين الى مناطقهم ورفضوا الاعتراف بابسط حقوقهم القومية وشنوا حملة واسعة لطمس معالم القومية الكوردية المنظمات بمزاولة نشاطاتها كما اغلقوا المدارس الكوردية والنوادي وحرموا نشر الكتب والصحف والمجلات الكوردية ومنعو استعمال اللغة الكوردية وانكروا وجودهم ومنعوا ارتداء اللباس الكوردي وهجروا الالوف من الكورد الى غرب الاناضول وقد اصدرت الحكومة التركية بيانا عام 1967 منع بموجبه دخول أي مطبوع باللغة الكوردية الى تركيا كالصحف والمجلات والكتب والمطبوعات والاسطوانات وغيرها من وسائل الاعلام الى تركيا.
وفي معاهدة سيفر عام 1920 التي نصت بنودها الثلاثة الشهيرة (62 ،63،64) بمنح الحقوق القومية للشعب الكوردي وتأسيس كيان قومي للدولة الكوردية وهو اول اعتراف دولي بحق الشعب الكوردي وتقرير مصيره الا ان الكماليين مزقوا المعاهدة بمساعيهم الحثيثة ونشاطاتهم المكثفة ورفضوا الاعتراف به وتمكنوا من افشالها بعد تحالفات عديدة مع بعض دول الاحلاف فعقدوا معاهدة جديدة بدلا عنها وهي معاهدة لوزان المشؤومة عام 1922 التي الفت كل بنود معاهدة سيفر وانكرت الوجود القومي الكوردي وحقوقه المشروعة واعتبروا المسألة الكوردية شأناً داخلياً وان الكورد هم اتراك الجبال لذلك تنامى الشعور القومي لدى الكورد فاخذوا يفكرون بالتخلص من الاضطهاد والاستبداد وسياسة التعسف التي تمارسها الحكومة التركية ضدهم فشكلوا جبهة قوية لمقاومة الظلم والاضطهاد والدفاع المستميت عن وجودهم القومي فقاموا بثورة مسلحة عام 1925 بقيادة الشيخ سعيد بيراني لمقاومة الاضطهاد التركي وبعد فشل هذه الحركة جمع الشعب الكوردي قواه في تركيا مجددا واعلن الثورة عام 1927 في جبل اكري (ارارات) واستعمروا في مقاومتهم لمقارعة الظلم والاضطهاد التركي بحقهم.
فقاموا بثورة درسيم عام 1937 وغيرها من الانتفاضات والحركات ضد الاضطهاد التركي. وقد نكلت السلطات التركية بالشعب الكوردي تنكيلا قاسيا فقتلت وشردت عشرات الالوف من المواطنين الكورد بابشع ابادة جماعية وهدمت قراهم ومزارعهم ومواشيهم وممتلكاتهم بالجملة ونصبت المشانق لاعدام المئات من قادة الشعب الكوردي وخيرة شبابه وعزلت كوردستان عن العالم الخارجي. وقد دان احرار العالم المجازر البشعة بحق الشعب الكوردي في تركيا ففي 30 اب عام 1930 اصدرت اللجنة التنفيذية للاممية الثاني قرارا جريئا دان فيه المجازر البربرية الدموية وسياسة الابادة الجماعية التي مارستها الحكومة التركية بحق الشعبين الكوردي والارمني. وهكذا تعاظمت عملية النضال والكفاح المسلح عبر سنوات الاستبداد وتطورت الى قوة ثورية جماهيرية استقطبت جميع القوى الخيرة للشعب الكوردي للعمل لنيل كرامته وسيادته وحقوقه القومية والثقافية.
وفي العاق لعب البازانيون دورا مهما في النضال القومي اذ ثار الشيخ عبد السلام البارزاني مع جماعته على السياسة التعسفية التركية في المنطقة منذ مطلع القرن التاسع عشر وهو الشقيق الاكبر لزعيم الكورد مصطفى البارزاني الخالد فاخذ بمهاجمة القوات العثمانية الغازية في مناطقهم وكبدهم خسائر فادحة الا ان تولى ولاية الموصل الوالي سليمان نظيف فكان شغله الشاغل القضاء على ثورة البازانيين واستطاع الانتصار عليهم وتمكن من اسر الشيخ عبد السلام وحكموا عليه بالاعدام شنقا مع ثلاثة من اعوانه في كانون الاول عام 1914 وفي نفس السنة؟ تم اغتيال الشيخ سعيد البرزنجي وهو من كبار الشخصيات الكوردية ذات نفوذ وجاه في كوردستان وكان له علاقة وطيدة مع السلطان عبد الحميد وقد اغتاله رجال الاتحاد والترقي مخافة استدراج السلطات لنيل حقوق الكورد.
الا ان نضال الشعب الكوردي استمر بشكل اقوى من السابق اذ ثارت عشيرة كويان بقيادة الشيخ احمد البارزاني (كتاب كورد العراق / محسن محمد متولي ص191)هو الشقيق الثاني للزعيم الراحل الجنرال مصطفى البارزاني الا ان القوات البريطانية تمكنت من القضاء على هذه الحركات اواخر صيف عام 1919 بصعوبة شديدة الا ان الانتفاضة انتقلت الى السليمانية التي اصبحت مركزا صحفيا للحركة التحررية في كوردستان الجنوبية بقيادة الشيخ محمود الحفيد الذي قاد ثلاث ثورات الاولى عام 1919 والثانية خلال الاعوام 1922-1927 وقد استطاع بتأسيس دولة كوردستان وعاصمتها السليمانية في العاشر من تشرين الاول عام 1922 وتم تشكيل مجلس الوزراء برئاسة شقيقة الشيخ قادر الحفيد الا انها فشلت بعد مهاجمة السليمانية بالطائرات البريطانية وقصفتها بشدة فتمكن الجيش العراقي وبمساندة السلاح الجوي البريطاني وحدات الليفي الاثوري من احتلال السليمانية في تموز عام 1924. والحركة الثالثة قامت في الاعوام 1930-1931 الا انها ايضا باءت بالفشل وبعد ذلك قاد البارزانيون الثورات الكوردية الثلاث الاولى بين العامين 1931-1932 والثانية في الاعوام 1943-1945 والثالثة عام 1946 بقيادة زعيم الكورد الخالد مصطفى البارزاني وقد تكللت الثورة الاخيرة بالنجاح بقيام جمهورية مهاباد الكوردية في ايران برئاسة القاضي محمد في الخامس من شباط عام 1946 فكان الزعيم مصطفى البارزاني القائد الميداني الفعال في اندلاع ثورة مهاباد مع قواته المحاربين وعددهم 1200 مقاتل وكان بينهم من الضباط الكورد السابقين في الجيش العراقي وبعد فشل جمهورية مهاباد واعدام رئيسها القاضي محمد التجأ البارزاني الخالد مع ثمانمائة من قواته الخاصة عبر الجبال الوعرة بمسافة تربو عن مائتين ميل حتى وصلوا الى جنوب شرق جيل ارارات بالقرب من الحدود السوفيتية وعبروا نهر اراس ودخلوا الارض السوفيتية لمنع تركيا من توغلهم داخل اراضيها. وفي عام 1925 وقع الف كاتب في تركيا على بيان يستنكرون فيه الاضطهاد القومي ضد الشعب الكوردي واوصوا بمنح الكورد حقوقهم القومية وفي 25 نيسان عام 1996 حثت جريدة (نيو يورك تايمز) الحكومة التركية على الكف عن اضطهاد الكورد في تركيا واوصت بمنحهم الحقوق القومية علما بان الامريكان يؤكدون على عدم التدخل في الصراع التركي الكوردي داخل تركيا ويعدونه شأنا داخليا.
وقد ندد العراق بشدة الاعتداءات المتكررة من قبل تركيا على المناطق الحدودية في اراضي كوردستان العراق بقصفها للقرى والمجمعات السكنية العراقية.
كما دانت الحكومة الالمانية هجوم الجيش التركي على المدن الكوردية العراقية وهددتها بتجميد مساعدتها العسكرية لتركيا في اطار حلف شمال الاطلسي اذ ما واصلت انتهاك حقوق الانسان بقصفها القرى الكوردية شمال العراق الا ان الحكومة التركية لم تكترث لكل هذه الادانات الدولية والاقليمية متحدية كل المواثيق والاعراف الدولية من خلال تجاوزاتها وتدخلاتها في اقليم كوردستان فهي تمارس نفس سياستها لتهميش القومية الكوردية وطمس حضارتهم ووجودهم والنيل منهم ومناصبة العداء لكل من يداعي بحقوقهم ويساندهم من احرار العالم وقد تجاوزت مرات عديدة على المناطق الكوردية الحدودية بذريعة القضاء على حزب العمال الكوردستاني (p.k.k) واتهمت القيادة الكوردية لحمايتهم في حدود اقليم كوردستان لذلك استنكر الاستاذ مسعود البارزاني رئيس اقليم كوردستان العراق وحذر الحكومة التركية من مغية التدخلات العسكرية في اراضي الاقليم وناشد مجلس الامن الدولي بالتدخل السريع لايقاف العدوان التركي وشن الغارات الجوية الارهابية بقصفها المناطق الامنة الحدودية التي خلفت مئات القتلى كما ذكرتها صحيفة (ملليت) التركية لدى مقابلتها الاستاذ مسعود البارزاني بتاريخ 18 / 9 / 1991. ومن الملاحظ ان الحكومة التركية كثفت جهودها بالتدخلات العسكرية وقصفها المناطق الحدودية بعد سقوط النظام البائد بغية افشال الفيدرالية في اقليم كوردستان الا انها تعاني من تناقض سياسي وازدواجية ايدولوجية فهي نفسها قامت عام 1958 بغزو قبرص عسكريا دفاعا عن الحقوق القومية لتعين الف تركي في قبرص بينما تنكر الحقوق القومية للشعب الكوردي التركي الذي يتراوح اعدادهم ما يقارب العشرين مليون نسمة في تركيا الا ان مغامرتها في التدخل بشؤون اقليم كوردستان سوف تكون لها عواقب وخيمة لاقتصاده الخش وجسامة النفقات العسكرية التي بلغت خلال عامي 1996-1998 فقط ثمانية الاف مليون دولار سنويا مسببا ذلك عبئا ثقيلا على ميزانيتها التي تؤدي بها الى الانهيار الاقتصادي فيما اذا استمرت بعملية العسكرتاريا وان الاتحاد الاوربي استبعد ترشيح تركيا لعضويتها بسبب سجلها الاضطهادي في مجال حقوق الانسان وخصوصا حقوق الكورد وابادة الشعب الارمني ابان الحرب العالمية الأولى التي اثارتها مجلس النواب الامريكي مؤخرا كاسوأ عملية ابادة للجنس الارمني في التاريخ وقد طالب ايطاليا بدعوة هيئة الامم المتحدة لايجاد حل جذري للقضية الكوردية لذلك يرى اغلب الساسة انه من المنطق العقلاني حل المسألة الكوردية في تركيا عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية والحوار الهادئ والجلوس على طاولة المفاوضات مع (p.k.k) لمنح حقوقهم القومية المهضومة والاستماع الى مطالبهم التي لا تتعدى اكثر من نيلهم حقوقهم المشروعة وبعكسه فان العمليات العسكرية سوف تجلب الدمار الى تركيا اقليميا ودوليا.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *