الرئيسية » مقالات » التمـزيق المجحف للهــويـــة العـراقيــة ( 2 )

التمـزيق المجحف للهــويـــة العـراقيــة ( 2 )

اشرت فـي مقالـة سابقـة بتاريـخ 04 / 11 / 2007 تحت نفس العنوان عـن الأدوار المؤذيـة للسياسي العراقـي كعاهـة ومأزق متواصـل لقوى ومكونات هجينـة طامعـة فـي السلطـة والجاه والمـال ’ كانت ولا تزال على استعداد ان تجنـد تبعيتهـا وعمالتهـا تحت تصرف الأختراقات الأقليميـة والدوليـة ’ وتكون مـن بين الأسباب الرئيسية لتمزيق الهوية الوطنية المشتركـة لأهـل العراق’ وتدمير وحدتهـم وبعثرة صفوفهـم وتشويـه نسيجهـم واضعاف ارادتهـم وردود افعالهـم الوطنيـة وفرض حالـة العجـز والخنوع والأذلال والأستسلام عليهم واقـعـاً ملازمـاً لمسيرتهـم .
مـا يحصـل فـي العراق هـو الكارثـة فـي اعلـى قمتهـا والمآزق فـي اقصـى تعقيداتـه ’ ولـو افترضنـا وكمـا هو حاصـل فعلاً ’ بأن الجنوب والوسط العراقي اقليم او مجموعـة اقاليـم شيعيـة ’ والمناطق الغربيـة اقليـم سنـي وفـي كردستنان اقليم كردي ( مع الأستحقاق ) ’ فأين هـي اذن فـدراليات العـراق الطبيعـي … ؟
ايـن سيكون موقع مكونات العراق الآخـرى … اين نضـع التركمان والكرد فيليه والكلدواشوريين والأيزيديين والصابئـة المندائيين والمتبقـي مـن اليهـود ’ والسني فـي فدراليات الجنوب والوسط او الشيعي في الفدراليـة الغربيـة والعراقي الآخر فـي فدراليـة الأكـراد’ والكـردي فـي فدراليات الشيعـي والسنـي … ؟
هـل سيجبر الجميع على ان ينزعـوا هويتهـم العراقيـة ليرتـدوا مرغمين الهويـة الطارئـة للفدراليات الطائفيـة والمذهبيـة والعرقيـة الجديدة للعراق الجديد … فتنتف ريش ثقافاتهـم ومذاهبهـم واديانهـم ومعتقداتهـم وتقاليدهـم وعاداتهم الموروثـة ونحشرهـم عـرات فـي الواقـع الجديد لفدراليات المذهب والطوئفة والعـرق والعشيرة’ وهل يقبل ذلك الأنسان العراقي الذي لازالت ملامح وجذور هويتـه السومريـة والبابليـة والأشوريـة وغيرهـا راسخـة فـي وعيـه وثقافتـه وبيئتـه وجغرافيتـه ’ وكذلك عاداتـه وتقاليده وممارساته وسلوكـه وفنـه ومفردات لهجاتـه الشعبيـة ومجمـل ارثـه الأجتماعي ’ ان يقبـل بغيـر العراق هـويــة … ؟
ايهما الأقدم والأكثر سوخاً وواقعية وديمومة ’هـم الأنسان والأرض والبيئة ’ ام المذهب والطائفـة والعشيرة والحـزب احيانـاً … ؟
لماذا ولمصلحـة مـن ’ ان يسلـخ الجلـد الطبيعـي للعراق ( هويتـه الوطنيـة التاريخيـة ) ثـم يجبـر على ارتـداء عبـاءة تـم فصالهـا وخياطتهـا طارئـة فـي الأزمنـة العروبيـة المذهبيـة والطائفيـة العنصريـة اللأحقـة ’ لا يمكـن لألوانهـا واحجامهـا ان تنسجـم مـع ذاتهـا يومـاً’ ولا يمكن بأي حال مـن الأحوال ان تكـون بديلـة عـن جمال التكويـن الطبيعـي التاريخـي للعـراق … ؟
لمـاذا يرفض شعب كردستان ( محقـاً ) ان نطلق عليـه سنــة كردستان ويتمسك بكرديتـه وانتماءه لكردستانيتـة جغرافيـة وبشـر ’ ثـم تساهـم قياداتـه وبعض مثقفيـه فـي لعبـة فـرض الهويـة المذهبيـة والطائفيـة على شعب الجنوب والوسط العراقـي وكذلك غربـه ’ بديلاً عـن هويتـه الوطنيـة التاريخيـة ــ عراقيتـه ــ … ؟
اكـن عميق الأحترام والتقديـر لأهلنـا فـي جنوب العراق ووسطـه عندمـا يعبروا عـن شـدة ارتباطهـم الروحـي والأنساني بأميـر المؤمنين علي ( ع ) وأأمتهـم العظام ويمسكوا فيهـم عـروة العلـم والعدل والتضحيـة والتجـرد ’ ويجددوا ولائهـم ويقضـة ذاكرتهـم فـي احياء المناسبات التاريخيـة وفـي مقدمتهـا محنـة الأمام الحسين ( ع ) والأبعاد الوطنيـة والأنسانيـة لـذكرى استشهاده والمعنـى التاريخـي لفاجعـة كـربلا ’ شرط ان لا يلحقـوا الأذى فـي الذات والآخريـن .
احتـرم عقائدهـم واقدر تقاليدهـم واقـدس ارتباطهـم الروحـي وامارسهـا معهـم ’ لأنهـم اهلـي ولأنـي والحـق اجـد فيهـا ابعاداً انسانيـة ومحتواً وجدانـياً ونوازع وطنيـة ’ هـذا اذا ما انطلقت عفويـة بريئـة مـن صميم قلوبهـم وضمائرهم لا تتجاوز نبل الأرتباط المذهبي بما لـه ومـا عليـه مثلهـم مثـل باقـي مكونات المجتمع العراقي ’التي وجدت العراق وقـد تكون منهـا ومـن اجلهـا وهو الأقدم وان جذورهـا لا يمكن لهـا ان تغادر تربتـه الجغرافيـة والحضاريـة والبيئيـة واجواء التعايش والأنسجام مثلهـم مثـل مجمـل الوجود الطبيعـي الذي نشـاء عفوياً بيـن احضان وعلى اكتاف النهـرين ’ فلا اعتقـد ان اهلنـا في جنوب العراق ووسطـه يسمـح لهـم مذهبهـم او يحق لـه تخويلهـم ان يـرموا مكونات العراق الآخـرى بمذاهبهـم ومعتقداتهـم واديانهـم بعيـداً علـى قارعـة التاريـخ ’ او حتى مجرد الأساءة اليهـم ’ تلك المكونات التي لا يمكن للعـراق ان يبقـى عـراق بدون تواجـدهـم بـوافر الحريـة والكرامـة والأمـن والأستقرار’ ان الأمر فـي تلك الحالـة يصبـح طائفيـة مقيتـة ومذهبيـة مشوهـة وعنصريـة لا علاقة لهـا في الحقيقـة العراقية ’ غريبة ودخيلـة علـى الهويـة الوطنيـة التاريخيـة للعراقيين ’ ترفضهـا المذاهب والأديان والقيم وتصبـح ردحـاً غبيـاً نفعيـاً على طبول المتمذهبين .
العنصريون والمتعنصرون ’ الطائفيون المتمذهبون ’ المتأسلمون ومدعي التدين ’ وقـوى التخلف وقسوة البداوة من بقايـا ثقافات الغزو والسلب والفرهـود وتدميـر الذات التاريخيـة للأخرين ’ تلك اولى الموجلت التـي سحقت بهمجيتهـا ووحشيتهـا الهوية الوطنية التاريخيـة لأهـل العـراق ودمـرت تراثهـم الثقافـي والحضاري وانجازاتهـم الأنسانيـة التي امتدت ولا زالت جذورهـا راسخـة عبـر الآف السنين فـي اعمـاق وادي الرافدين .
لقـد كانت عملية اجتثاث وانفلة مقززة ’لا زالت تمارس همجيتها فـي تمزيق وحرق ما تبقى مـن ملامـح الهويـة المشتركـة للمكونات العراقيـة ’ ونشاهـد الآن حملـة مسعورة تشترك فيهـا القوى الطائفيـة والعنصريـة للجوار العراقـي ’ ومشاريع فـرق تسـد للمحتلين تـريد هـي الآخـرى ان تقتلعـهـا مـن ذاكـرة الأنسان العراقي انتماءً وتاريخاً وكينونـة وانجازات حضاريـة وثقافيـة ’ لتقطـع حبـل السـرة نهاءيـاً بينـه وبيـن تـراث اجداده الذين ابتـداء منهـم وفيهـم معظـم التاريـخ الكونـي للأنسانيـة ’ ليصبـح اخيـراً فقاعات طارئـة علـى هامش امـواج الأطمـاع التاريخيـة للفاتحين والغزات والمحتلين وامتداداتهـم المحليـة .
06 / 11 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *